الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 52، ألقاها
يتناول استحباب القيام لأهل الفضل من العلماء والصالحين عند قدومهم كإكرام واحترام مستندًا إلى فعل الرسول وأصحابه والتابعين. يُعد هذا الفعل دليلاً على الاحترام والتقدير لأهل العلم والفضل.
يتناول الخلاف حول استحباب أو كراهة القيام للقادم، حيث استدل البعض بحديث سعد بن معاذ على الاستحباب بينما رأى آخرون الكراهة مستدلين بحديث معاوية ونهي النبي عن تقليد فارس والروم. يُظهر هذا الخلاف التفاوت في فهم السنة النبوية.
يتناول حكم القيام للقادم أو لمن هو أعلى مقامًا، حيث قد يكون مكروهًا إذا كان يحبه، واستثنى حالة خشية حصول العداوة أو البغضاء إذا لم يقم له. يُظهر هذا التفصيل مراعاة الشريعة للسياقات المختلفة.
يُشرع القيام للمسؤولين إذا كان عدم القيام يؤدي إلى إيذائهم أو العداوة، ويعتبر هذا من باب ارتكاب المفسدة الدنيا درءًا للمفسدة العليا. يُظهر هذا المبدأ الشرعي مراعاة المصالح والمفاسد.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم ما بعد. قال النووي رحمه الله تعالى في كتابه «التبيان في آداب حملة القرآن»: فصل في استحباب القيام لأهل الفضل من العلماء والصالحين. قال: وإذا ورد على القارئ -أي على قارئ القرآن- من فيه فضيلة من علم أو صلاح أو زهد أو ورع أو شرف أو سن مع صيانة -أي سنه كبير ومعروف بالصيانة ليس من أهل السفه- قال: أو له حرمة أو له حرمة بولاية أو ولادة أو غيرها، له حرمة بولاية أو ولادة أو غيرها، قال: فلا بأس بالقيام له على سبيل الاحترام والإكرام لا للرياء والإعظام، بل ذلك مستحب. قال: وقد ثبت القيام للإكرام من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفعل أصحابه رضي الله عنهم بحضرته وبأمره، ومن فعل التابعين ومن بعدهم من العلماء والصالحين. قال رحمه الله تعالى: وقد جمعت جزءًا في القيام، وذكرت فيه الأحاديث والآثار الواردة باستحبابه وبالنهي عنه، وبينت ضعف الضعيف منها وصحة الصحيح، والجواب عما يتوهن منه النهي وليس فيه نهي، وأوضحت ذلك كله بحمد الله تعالى. فمن شك في شيء من أحاديثه فليطالعه، يجد ما يزول به شكه إن شاء الله تعالى. طيب، هذه مسألة يذكرها العلماء رحمهم الله تعالى، ولا سيما في باب الآداب، وهي: هل يستحب للقاعد -سواء كان قارئًا للقرآن أو كان جالسًا في مجلس ما- هل يستحب له إذا قدم عليه قادم، ولا سيما إذا كان ذلك القادم ممن له مكانة ولو كذلك شرف، فهل يستحب أن يقام لذلك القائم أم أن يبقى ذلك الجالس في مجلسه، ويأتي ذلك القائم فيسلم على من حضره وهو قاعد؟ كما أشار النووي رحمه الله تعالى بإشارات لطيفة إلى أن هذه المسألة مما وقع فيها الخلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى. وسبب الخلاف في ذلك يرجع إلى الأحاديث الواردة في الباب، فبعض الأحاديث الواردة تدل على جواز ذلك واستحبابه، منها ما جاء في الصحيح في حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها في قصة سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه، حينما أتى على حمار، وقد كان جرح يوم أحد، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم وكان جالسًا والناس حوله جلوس، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «قوموا إلى سيدكم، قوموا إلى سيدكم»، أي أن سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه كان سيد الأوس رضي الله عنه وأرضاه. فاستدل من استدل بهذا الحديث على استحباب القيام للقادم إذا قدم، إذا كان ذا شرف -سواء كان شرف علم، شرف عبادة، شرف ولاية، شرف ولادة- إلى غير ذلك. فاستدلوا بهذا الحديث على استحباب ذلك؛ لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «قوموا» هذا أمر، وأقل أحوال أن يكون مستحبًا، أقل أحواله أن يكون مستحبًا. وذهب آخرون إلى المنع، وقالوا: لا يجوز القيام للقادم، ولا سيما إذا كان يحب ذلك، إذا كان يحب ذلك، استدلالًا بما ثبت في «الأدب المفرد» للإمام البخاري رحمه الله تعالى وغيره: من أن عبد الله بن عامر وعبد الله بن الزبير كانا قاعدين، فخرج عليهم معاوية رضي الله عنه وأرضاه، فلما خرج قام ابن عامر، وقعد ابن الزبير، فقال معاوية رضي الله عنه وأرضاه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله لا يعذب من أحب أن يمثل أن يمثل له الناس قيامًا»، أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فاستدل من استدل بهذا إلى أن هذا الفعل مكروه، أقل أحوال أنه ماذا يكره، أقل أحواله بأنه ماذا، بأنه يكره. وكذلك استدل بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك من وجه آخر، لما جاء في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه وأرضاه: من أن النبي صلى الله عليه وسلم شبه ذلك بفعل فارس والروم. فمن قال بالكراهة استدل بهذه الأدلة. وذهب آخرون إلى القول بالتفصيل، فقالوا: إذا كان القيام وذلك الشريف قاعدًا -هذا هو المنهي- أن يكون ذلك الشريف -سواء كان أميرًا أو كان مثلًا ذا علم أو زهد أو غير ذلك- إذا كان قاعدًا والناس يبقون قيامًا، هذا هو المنهي، قالوا: هذا المنهي. أما أن يقدم القادم فيقوم له القاعد، قالوا: هذا لا بأس به. واستدل على ذلك بما جاء في الصحيح من حديث جابر رضي الله عنه وأرضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه قاعدًا، وصلى خلفه أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم قيامًا، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقال: «إن هذا هو فعل فارس والروم». فمن ذهب إلى التفصيل استدل بهذه الأحاديث المذكورة على التفصيل المذكور. والظاهر من هذه الأقوال -والله أعلى وأعلم- القول بكراهية القيام للقاعد لحديث معاوية المذكور؛ إذ أن حديث معاوية رضي الله عنه وأرضاه ليس فيه أن معاوية كان قاعدًا، وإنما فيه أن معاوية خرج، فيه قال: خرج معاوية -أي خرج عليهم قعود- ليس فيه أنه كان قاعدًا وهم بقوا ماذا قيامًا، ولكن خرج عليهم معاوية، فقام ابن عامر ولم يقم ابن زبير، فقال معاوية رضي الله عنه وأرضاه ما قال. قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله ليعذب من أحب أن يمثل له الناس»، أو قال: «من أحب أن يمثل له الناس قيامًا، لقي الله وهو عليه غضبان»، أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فالشاهد من هذا أن حديث معاوية يدل على أن هناك نهيًا؛ لأنه قال: خرج عليهم معاوية، ليس فيه أنه كان قاعدًا وكانوا ماذا، وكانوا قيامًا. وعلى هذا يكون من صور النهي: أن يبقى الشريف قاعدًا ومن حوله قيامًا، هذا منهي عنه لحديث جابر. ومن صور النهي: أن يقدم القادم فيقوم له الناس تعظيمًا وتبجيلًا له، وما شابه ذلك، لا سيما إذا كان ذلك القادم يحب ذلك. إذا كان ذلك القائم يحب ذلك. مع التنبيه على التنبيه الذي نبه عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وغفر له: وهو أنه إذا خشي على القادم -إذا لم يقم له- يحصل في قلبه ما يحصل من الشحناء، من البغضاء، من العداوة، قال: فيقوم له دفعًا لهذا الشر الذي قد يحصل. وهذا فقه عميق من شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. فيقال: أصلًا لا يقام، لكن لو أن إنسانًا إذا لم يقم له -مثلًا مسؤول، رئيس، وزير، وما شابه- إذا لم تقم له إما سيؤذيك، وإما سيحمل لك العداوة والبغضاء والشحناء إلى غير ذلك، فمثل هذا قم. وهذا يكون باب ماذا من باب ارتكاب المفسدة الدنيا درءًا للمفسدة العليا. وهذه قاعدة شرعية معمول بها. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.