شرح ٣٣ حديثا لأبي القاسم البغوي 9

الدرس في شرح ٣٣ حديثا لأبي القاسم البغوي 9، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

زهد النبي صلى الله عليه وسلم في المال وإيثار الإنفاق

يشرح المقطع حديث أبي ذر رضي الله عنه في زهد النبي صلى الله عليه وسلم عن المال وتقسيمه لكل ما يأتيه دون ادخار، مبيناً أنه لم يكن يحب أن يملك ذهباً عند موته إلا لوفاء دين. ويسرد قصة بلال رضي الله عنه في الاستدانة للنبي صلى الله عليه وسلم وكيف وفى الله سبحانه دين نبيه.

أحكام الدين والزكاة وتمني الإنفاق في سبيل الله

يروي المقطع قصة بلال رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم في أداء الدين قبل دخول بيته، مستنبطاً العلماء منه جواز تأخير الزكاة لعدم وجود مستحق وتقديم وفاء الدين على الصدقة والوصية. كما يوضح الفرق بين تمني المال للإنفاق في الخير وهو محمود، وبين تمني ما يخالف القدر وهو مذموم.

فضل الإنفاق في الصحة وتحذير التأخير إلى الموت

يبين المقطع أن الإنفاق في سبيل الله حال الصحة والحياة أفضل من تأخيره إلى الموت مستدلاً بأحاديث وآراء العلماء، محذراً من مخاطر الوصية عند الاحتضار كجور الورثة أو عدم تنفيذها أو تبذير المال. ويختم بأن الأبناء قد يكونوا بررة فيعملون صدقة جارية لوالدهم والعلم عند الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهدى أما بعد قال الإمام البغوي رحمه الله تعالى وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا غندر وهو محمد بن جعفر ربيب شعبة قال عن شعبة عن عمر بن مرة قال سمعت سويد بن الحارث قال سمعت أبا ذر رضي الله عنه يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحب أن لي أحدا ذهبا أدعو يوم أموت منه دينارا أو نصف دينار إلا لغريم وهذا الحديث بهذا الإسناد صحيح وقد أخرجه الإمام البخاري رحمه الله تعالى في عدة مواضع من صحيحه كما أخرجه كذلك مسلم في الزكاة وأيضا أخرجه الإمام أحمد رحمه الله تعالى وفي هذا الحديث العظيم يبين فيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه لا يحب أن يكون له مثل أحد ذهبا ويموت عليه الصلاة والسلام وعنده هذا المقدار من المال ولا حتى دينار أو نصف دينار عليه الصلاة والسلام إلا ما يرصده لغريم والغريم يعني المدين وصاحب الدين يطلبه دينا فالنبي عليه الصلاة والسلام ما يحب أن يكتنز المال ويكون عنده ككنز ويموت وهو عنده شيء من الدراهم وإنما إن بقي شيء يرصده عليه الصلاة والسلام فيرصده لحاجة أهله أو لمن يطلبه دينا أو أنه إذا وجد عنده شيء عليه الصلاة والسلام قد لا يجد أحدا يأخذه فيبقى عنده أياما ثم عليه الصلاة والسلام يصرفه بعد ذلك وكم من أموال أتت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان عليه الصلاة والسلام يقسمها ولا يدخر شيئا أتى مرة من المرات أبو عبيدة رضي الله عنه بمال من البحرين فقسمه النبي عليه الصلاة والسلام وهكذا كل ما فضل عنده عليه الصلاة والسلام فإنه ربما أحيانا لا يبيت في بيته ولا يدخل بيته حتى يقسمه في فقراء المهاجرين والأنصار وهذا دابه عليه الصلاة والسلام وفي هذا كما يقول الحافظ رحمه الله تعالى الحديث فوائد فيه فوائد جمنا استفيدها من فعله صلى الله عليه وعلى الله وسلم وقوله أنه ما يتمنى أن يكون عنده ولو مثل أحد ذهبا يموت يوم يموت ويبقى منه دينار أو نصف دينار إلا ما يرصده لغريم قال وفيه الحث على الإنفاق في وجوه الخير وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في أعلى درجات الزهد في الدنيا بحيث أنه لا يحب أن يبقى بيده شيء من الدنيا إلا لإنفاقه في من يستحقه وإما لإرصاده لمن له حق يعني كرجل أعطاه دينا واستدان منه النبي عليه الصلاة والسلام فإذا كان معه مال يرصد المال حتى يجيء ذلك الرجل ويأخذ ماله ودينه قال وإما لتعذري من يقبل ذلك منه وقد وجد هذا أيضا في عهده عليه الصلاة والسلام أنه أحيانا يبقى مال كما في قصة بلال في الدين أنه بعد ذلك لما طالبه الغريم وجاءت أحمال وكان بلال يستدين للنبي عليه الصلاة والسلام لحاجته يقول لبلال اذهب فاستدن لنا اذهب فاستدن لنا فيذهب بلال ويستدين باسم النبي عليه الصلاة والسلام ويأتي بالمال للنبي عليه الصلاة والسلام لكن يقيد بماذا؟ يقيد على بلال ثم أن بعض الغرى ما جاء وقال يا بلال إن لم تعطني حقي وإلا أرجعتك عبدا كما كنت فا بلال يعني لما سمع هذا القول من هذا الرجل جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام قال يا رسول الله إن فلانا يقول كذا وكذا إن لم تعطني حقي الدين الذي أعطيتك إياه وإلا أرجعتك عبدا ما هي إلا أيام قلائل حتى يحل وقت الدين لأنهم كانوا يكتبون عملا بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه فيكتبون الدين فبقيت أيام قلائل وبلال ما عنده وفاء والرسول صلى الله عليه وسلم ما عنده وفاء فكيف يفعل؟ يقول يا رسول الله أنت الذي تقول لي استدن يعني باسم النبي عليه الصلاة والسلام والنبي عليه الصلاة والسلام واثق من ربه وأن الله عز وجل سيؤدي عنه لأن من استدان من الناس يريد أداءها أدى الله عنه كما قال عليه الصلاة والسلام ومن أخذ أموال الناس ليستكثر بها وما يريد أداءها فإن الله سبحانه وتعالى ما يؤدي عنه ويبقى مرهونا لدى ماذا الناس بهذه الأموال ثم جاءت حمائل أهداها عظيم فدك للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أربعة أحمال محملة بأصناف الأموال والتجارة وأهداها للنبي عليه الصلاة والسلام من ثياب وطعام قال له النبي صلى الله عليه وسلم يا بلال أبشر يا بلال تعال قال فجي ببلال إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقال يا بلال قد أدى الله عنك خذها قال فأخذتها فأديت دين رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وفضلت فضله وقال النبي عليه الصلاة والسلام بعدما جاء بلال ما فعل صاحبك يا بلال قال قد أدى الله عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال له النبي عليه الصلاة والسلام هل بقي منه شيء قال نعم يا رسول الله قال انظر حتى تريحني منه فإني لا أدخل بيتي حتى تريحني منه قال فجعل بلال يدور وما أحد جاء يأخذ الفضل الذي زاد قال فبات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المسجد ما ضخل على نسائه حتى جاء اليوم الثاني ثم بعد ذلك ما فعل ذلك يا بلال يسأله النبي عليه الصلاة والسلام قال بلال رضي الله عنه قد أدى الله عنك يا رسول الله وأرحتك منه قال الحمد لله ثم بعد ذلك دخل النبي عليه الصلاة والسلام بيته فانظروا إلى هذا الحديث يقول الحافظ ومنه يأخذ جواز تأخير الزكاة الواجبة عن الإعطاء إذا لم يوجد من يستحق أخذها إذا لم يوجد من يستحق أخذ الزكاة يجوز أن تؤخرها حتى تجد من يستحق أخذ الزكاة كأن لا يكون في ذلك البلد فقراء ومحتاجين ولكن بعد ذلك أنت تنظر حتى يوجد من هو فقير أو لا تعلمه وتسأل فيخبرونك بأن هناك فقراء فتعطيهم من تلك الزكاة قال وفيه تقديم وفاء الدين على صدقة التطوع أيضا في هذا الحديث يأخذ منه فائدة ما هي الفائدة أن الدين مقدم على الصدقة بل الدين مقدم أيضا على ماذا على الوصية وإنفاذها لأن هذا حق الناس فينبغي أن يخرج فالنبي عليه الصلاة والسلام قال إلا لغريم لو كان معي مثل أحد ذهبا لأنفقت في سبيل الله قال إلا لغريم حق الغريم ينبغي أن تؤخره ولو كنت تريد أن تتصدق تتصدق معك أموال تريد أن تعطي فلان وفلان سواء من أقرباءك أو من غيرهم من الفقراء والمساكين لكن عندك ديون فأيهما تبدأ به تبدأ بحق الغريم تبدأ بمن له عليك حق ودين فتعطيه من ذلك وتؤخر الصدقة لأن هذا حق الناس ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام كان يؤخر الأموال ويدخر شيئا من الأموال ينفق عليه الصلاة والسلام في سبيل الله ما آتاه الله عز وجل لكن إن كان له أحد شيئا أخره عنه قال هذا لفلان لأنه حقه قد استدنت منه وبعض الناس ربما يستدين ولا يؤديه ماذا حق الناس إذا أتاه مال بل إذا أتاك مال فحاول أن تسارع أن تؤدي حق ماذا الغريم ولهذا يقول الحافظ وفيه تقديم وفاة دين على صدقة التطوع أيضا قال وفيه جواز الاستقراض هذا الحديث يؤخذ منه جواز الاستقراض وهو أن يستقرض واستلف الإنسان من غيره إذا كان محتاجا لذلك وفيه الحث على وفاء الديون وأداء الأمانات أيضا من هذا الحديث يؤخذ الحث على أداء الديون ووفائها وجواز استعمالي لو عند تمني الخير كما وقع في رواية أبي هريرة أيضا جاء في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ لو أن لي أحدا ذهبا فإذا يجوز للإنسان يتمنى ماذا أن يكون عنده من الخيرات ما ينفقه في سبيل الله عز وجل وكذلك يتحسر على أنه ما عنده شيء من المال لينفقه في سبيل الله على هذا تكون الحسرة رجل آتاه الله مالا فهو ينفق منه أناء الليل وأناء النهار النبي عليه الصلاة والسلام يقول كما في حديث ابن عمر لا حسد إلا في اثنتين ومنها رجل آتاه الله مالا أنا أتحسر أن يا ليلة عندي أموال أنفقها مثل ما ينفق فلان لا تتمنى المال لمجرد أن يكون عندك مال تلعب به أو تلهو أو تقضي به شهواتك لا تتمنى أن يفوتك من الخير مثل ما كان فلان يعمل من ماذا من الخير وتتحسر على فوات ذلك الخير وهذا لا يدخل في ماذا في لو التي نهى عنها النبي عليه الصلاة والسلام التي قال فإن لو تفتع عمل الشيطان لو أن لي كذا لكان كذا وكذا هذا فيما كان فيه معارضة للقدر إذا كان فيه معارضة للقدر فإن هذا ينهى عنه لكن فوات الخير يتحسر عليه الإنسان وهكذا تمني الخير ينبغي أن يكون عند الإنسان من تمني الخير كما تمنى النبي عليه الصلاة والسلام أن يكون عنده أحد ذهب أو غيرها لينفقه في سبيل الله عز وجل يكون له ذخرا عند الله يوم القيامة قال عياض قد يحتج به من يفضل الفقر على الغنى وقد يحتج به من يفضل الغنى على الفقر قال وهذا بالتأمل يعني هذا الحديث قد يحتج به محتج يقول الفقر أفضل لأن الفقر ما عندك شيء وما عندك ماذا أحد يسألك شيئا من الأموال وما ستحاسب على شيء يوم القيامة والفقر لا شك أنه أفضل في الأحاديث الكثير لمن صبر لمن صبر على الفقر وأما الغنى فالغني الشاكر الغني الشاكر لكن جاءت في الأحاديث أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام فمن صبر على الفقر فهو أفضل له كما صبر النبي عليه الصلاة والسلام على الفقر وأيضا صبر أصحابه رضي الله عنهم على الفقر فلهذا الإنسان يصبر على ما أنعم الله سبحانه وتعالى عليه سواء كان قليلا أو كثيرا ويشكر نعمة الله جل وعلا وقد يقال في هذا الحديث أن الغنى أفضل لأنه تمنى أن يكون من الأغنياء وأن يكون عنده أحد ذهبا لينفقه في سبيل الله كما يكون حال كثير من الأغنياء الذين ينفقون في سبيل الله قد يأخذ هذا وهذا من الحديث كما قال عياض قاله فيه الحظ على إنفاق المال في الحياة وفي الصحة وترجيحه على إنفاقه عند الموت لأن النبي عليه الصلاة والسلام تمنى ذلك حال حياته ولم يتمناه عند موته ولهذا الإنسان ينبغي عليه أن ينفق حال حياته ما هو عند الموت عندما يأتي الاحتضار لأن بعضهم قد يفوت هذه الفرصة حال الحياة لأنك ما تدري أنت عند الموت ربما تكتب وصية وتجور فيها ربما كذلك الوصية لا تنفذ وترزق بأبناء والعياذ بالله لا ينفذون وصيتك وربما يكون منهم من هو حاله الترف وكذلك الطيش والتيه فيفعل في مالك ما حرم الله فيكون مالك وبالا عنك لأنك ما سارعت أنت حال حياتك وصحتك في إنفاقه والنبي عليه الصلاة والسلام من حاله وكذلك أصحابه رضي الله تعالى عنهم إنما كانوا يسارعون في الخيرات حال الصحة والرخاء وحال القوة والنشاط لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له ولهذا يقول الحافظ رحمه الله تعالى قال وفيه الحض على إنفاق المال في الحياة وفي الصحة وترجيحه على إنفاقه عند الموت وقد مضى فيه حديث أنت الصدق وأنت صحيح شحيح حديث بذر رضي الله عنه أيضا هو في صحيح أنه لما سأل النبي عليه الصلاة والسلام أي الصدق أفضل قال أنت الصدق وأنت صحيح وقال له أنت مريض لأن المرض خلاص يخشى معه ماذا الموت قال وأنت صحيح هذه الصدق الأفضل من الصدق حال المرض وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر قال وذلك أن كثيرا من الأغنياء يشح بإخراج ما عنده ما دام في عافية فيأمل البقاء ويخشى الفقر فمن خالف شيطانه وقهر نفسه إيثارا لثواب الآخرة فاز ومن بخل بذلك لم يأمن من الجور في الوصية وإن سلم لم يأمن تأخير تنجيز ما أوصي به أو تركه يعني قد تبتلى بورثة لا ينفذون وصيتك أو يعني يؤخرونها قال وغير ذلك من الآفات التي تعرض للإنسان حال الوفاة قال ولا سيما إن خلف وارثا غير موفق فيبذره في أسرع وقت يعني ينتهز فرصة موت أبيه ويرث منه تلك الأموال فإذا مات الأب فإنه ماذا يبذر تلك الأموال لأن أباه كان صالحا أو كان حابسا لشهوات ذلك الولد قال ويبقى وباله على الذي جمعه والله المستعان كذا قال الحافظ رحمه الله يبقى وبال المال على من جمعه إذا ابتلي بورثة غير موفقين في أداء الوصايا أو حتى لم يوصل أب لأنه قد يرزق الإنسان ولدا بارا فيقوم بحق والده حتى بعد مماته فيخرج له تلك الصدقات أو يعمل له صدقة جارية بعض الأبناء يكونون بارين يكونون بارين بأباهم إذا مات الأب فإنه يقول أموال الوالد التي تعب فيها وعاش في جمعها وإن كان ربما الأب حيانا يكون غير موفق هو في الحياة لكن يرزقه الله أبناء صالحين وأبناء بررة قد يكون الأب ممن ينسى حظه من الآخرة فيعمل له صدقة جارية فيأتي الأبناء ويعملون لوالدهم مسجدا يعملون لوالدهم سقاية أو مشروعا صغيرا يعود نفعه على والدهم مدى ماذا وهو في وفاته فهذا الإنسان ما يدري ما يعرض له عند الوفاة فقد يبتلى بأولاد غير موفقين وقد يرزق أولادا موفقين والعلم عند الله تبارك وتعالى نكتفي بهذا القدر إلهنا سبحانك اللهم وبحمدك لا إلهنا استغفرك وتعالى تبارك وتعالى