التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 10

الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 10، ألقاها

الرد على الثنوية والنصارى القائلين بالتثليث

يناقش الشارح ابن أبي العز الحنفي عقيدة الثنوية والنصارى، حيث يبين تناقض قولهم في التثليث والحلول. النصارى يعتقدون بإله واحد يتجلى في ثلاثة أقانيم.

اضطراب النصارى في تفسير الأقانيم الثلاثة وتأثيره على عقيدتهم

النصارى يعبرون عن الأقانيم الثلاثة بطرق مختلفة ومضطربة، مما يدل على بطلان قولهم بالأقانيم في العقل والشرع. هذا الاضطراب يظهر في تفسيرهم المختلف للأقانيم.

تناقض عقيدة التثليث مع توحيد الربوبية وآراء أهل الكلام

يتناول انتقاد عقيدة التثليث وتناقضها مع توحيد الربوبية، مستشهدًا بأقوال ابن القيم وابن تيمية. النصارى يثبتون ثلاثة آلهة، وأهل الكلام يخلطون بين توحيد الربوبية وتوحيد العبادة.

ملكية الآلهة المعبودة لله تعالى وتأكيد ملكيته سبحانه

يتناول مفهوم ملكية الآلهة المعبودة لله جل وعلا، ويشير إلى أن الخالق سبحانه وتعالى هو مالك هذه الآلهة. يتم الإشارة إلى استمرار الحديث في الدرس اللاحق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، توقفنا أمس عند قوله رحمه الله تعالى: «ولم يعرف عن أحد من الطواف أنه قال: إن العالم له صانعان متماثلا في الصفات والأفعال». فإن ثنوية المجوس، والمانوية القائلين بالأصلين: النور والظلمة، وأن العالم صدر عنهما، متفقون على أن النور خير من الظلمة، وهو الإله المحمود، وأن الظلمة شريرة مذمومة، وهم متنازعون في الظلمة: هل هي قديمة أو محدثة؟ فلم يثبت ربّان متماثلين. توقفنا عند هذه العبارة، وقد علقنا على معظمها؛ لأن الوقت دخل، وقد أذن المؤذن حينها. والحاصل من هذا الكلام، وتقدم معنا كذلك فيما مضى معنا من دروس، في أقرب ما مر معنا في عقيدة التدمرية: أن هذا الأمر متفق عليه، وهو أن لم يقل أحد قط أن للعالم خالقين متماثلين من جميع الوجوه. نعم، قد وجد من يقول بأن للعالم خالقين، ولكن لم يقل أحد منهما أنهما متماثلين من كل وجه. فالثنوية من المجوس، والمنوية من المجوس، وبعض أهل العلم يقول: بأن المانوية من الثنوية، وبعض أهل العلم يقول: أن الثنوية من المانوية، ومنهم من يجعلها من المجوس. وهذا لا خلاف فيه: أن الكل من المجوس. والثنوية، كما ذكر، هم القائلون بوجود خالقين: خالق الظلمة، وخالق النور، ويجعلون خالق النور أكمل من حيث الصفات، ومن حيث الذات. ويقولون: بأن الظلمة إما أنها قديمة، خلقت بسبب الفكرة الرديئة من إله النور. ومنهم من يقول: بأنها محدثة، خلقها أو خلقت من الفكرة الرديئة من النور. والذين يقولون: بأنها قديمة، يذمونها، ولا يمدحونها قط. ومن كان كذلك، فليس أهلًا لأن يكون إلهًا؛ لأنه لا بد أن يكون محمودًا. فالحاصل من هذا، والمقصود من هذا: أن الشارح ابن أبي العز رحمه الله تعالى أراد أن يقرر بأن العالم كلهم متفقون على الإقرار بالخالق جل وعلا. وأن من شذ عنهم، فأنكر أو جحد الخالق، كفرعون، إنما جحده، وهو موقن بقلبه أن الله جل وعلا هو الخالق حقًا. وكذلك أشهر من اشتهر عنه القول بأن العالم له خالقان، كالثنوية من المجوس، والمانوية، كذلك لا يقولون بتماثل هذين الخالقين، بل يجعلون أحدهما خالقًا للآخر على قول، أو يجعلون أحدهما أكمل وأفضل من الآخر. قال الشارح رحمه الله تعالى: «وأما النصارى القائلون بالتثليث، فإنهم لم يثبتوا للعالم ثلاثة أرباب ينفصل بعضهم عن بعض، بل متفقون على أن صانع العالم واحد، ويقولون بإسم الأب، والابن، وروح القدس، إلهًا واحدًا». وقولهم في التثليث متناقض في نفسه، وقولهم في الحلول أفسد منه. ولهذا كانوا مضطربين في فهمه، وفي التعبير عنه، لا يكاد أحد منهم يعبر عنه بمعنى معقول، ولا يكاد اثنان يتفقان على معنى واحد. فإنهم يقولون: «واحد بالذات، ثلاثة بالأقنوم». والأقانيم يفسرونها تارة بالخواص، وتارة بالصفات، وتارة بالأشخاص. وقد فطر الله العباد على فساد هذه الأقوال بعد التصور التام. وبالجملة، فهم لا يقولون بإثبات خالقين متماثلين. قوله رحمه الله تعالى: «وأما النصارى» بعد أن ذكر الثنوية، هم أشهر من قالوا بالخالقين، انتقل إلى النصارى؛ لأن النصارى كذلك هم من أشهر من عرف عنه بالقول بوجود أكثر من خالق. فهم كما قال رحمه الله: «وأما النصارى القائلون بالتثليث»، ما معنى قائلين بالتثليث؟ أن يجعلون لهذا الكون ثلاث خالقين. قال: «فإنهم لم يثبتوا للعالم ثلاثة أرباب ينفصل بعضهم عن بعض»، ينفصل بعضهم عن بعض، بل يجعلون هذه الأرباب الثلاثة مشتركة في الخلق. قال: «بل متفقون على أن صانع العالم واحد، ويقولون باسم الأب، والابن، وروح القدس، إلهًا واحدًا». الأب من يقصدون به؟ رب العالمين، يقصدون به رب العالمين، والابن المسيح عيسى بن مريم، وروح القدس تارة يقولون كلمة، وتارة يقولون الروح. قال: «وقولهم في التثليث متناقض في نفسه». قولهم في التثليث متناقض، لماذا؟ قال: «وقولهم في الحلول أفسد منه». قولهم في التثليث متناقض، وقولهم في الحلول أفسد منه؛ أي بالحلول، بمعنى أن اللاهوت؛ أي الجزء الإلهي، حل بالناسوت؛ أي الجزء الإنساني. فهم يقولون: أن عيسى جزء الإنسان، بل ويقولون: إن أمه جزءًا كذلك إنسانيا، وأن الله جل وعلا هو الجزء الإلهي. وبعضهم يسمونه أو يسموه بالجزء الروحاني، حل فيهما كما يحل الماء في الكوز. فصار هؤلاء كلهم آلهة. الله جل وعلا باعتبار أنه رب جل وعلا، وموسى، وعيسى، وأمه، باعتبار حلول الإله فيهما، فصاروا كذلك آلهة. لذا قال رحمه الله: «وقولهم في الحلول أفسد منه»، أي ظاهر وبين الفساد. قال: «ولهذا كانوا مضطربين في فهمه، وفي التعبير عنه». مضطربين في مسألة التثليث، وفي التعبير عنه كذلك، في التعبير. حتى التعبير، خذلهم الله جل وعلا، فلا يستطيعون أن يعبروا عن شيء صحيح عن معتقدهم. لذا تجدوا الواحد منهم يقول القول، وينقضه صاحبه. قال الشيخ: «لا يكاد واحد منهم يعبر عنه بمعنى معقول». قال: «ولا يكاد اثنان يتفقان على معنى واحد». بل ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى كلامًا، معنى أن عشرة من النصارى لو اجتمعوا في بيت على هذه المسألة، على تحديد وتوضيح معنى التثليث، قال: «لا خرجوا على إحدى عشر قولًا». حتى انظر سيذكر قولين في المسألة. فالشاهد: يريد ابن القيم رحمه الله تعالى أن يقرر أن هذه المسألة، أو أن هؤلاء مضطربون اضطرابًا شديدًا. وصدق الله جل وعلا إذ يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، وهذا منه. قال رحمه الله تعالى: «فإنهم يقولون: هو واحد بالذات، ثلاثة بالأقنوم». والأقانيم يفسرونها كما ذكر رحمه الله تعالى: تارة بالخواص، وتارة بالصفات، وتارة بالأشخاص. قال: «تارة يفسرونها بالخواص»، ما معنى بالخواص؟ أي الخواص التي يختص بها إلههم. فتارة يعبرون عنها بالخواص التي هي الإلهية؛ أي الجزء الإلهي، أو يعني يعبرون باللاهوتية للجزء الإلهي، والناسوتية للجزء الإنساني، والإزدواجية باعتبار الجزء الإلهي، والجزء الإنساني. وقد يراد بقولهم بالخواص: أي أخص صفة فيه، أخص صفة فيه؛ أي في الخالق. قالوا: «وأخص صفة في الخالق هي القدرة». كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن طوائف من هؤلاء في تفسيرهم لهذا المعنى. قالوا: «وتارة بالصفات»، وتارة بالصفات؛ أي يعبرون عنه بالصفات. والصفات عندهم التي هي: كالوجود، والحياة، والعلم. وأحيانًا بالأشخاص، وأحيانًا أو قال: «وتارة بالأشخاص»: الأب، الابن، روح القدس. فتارة يعبرون عن هذا، وتارة يعبرون به عن هذا، وتارة يعبرون به عن هذا. فهم مضطربون في هذا الباب اضطرابًا كبيرًا. فقولهم: «ثلاثة بالأقنوم»، والأقانيم مفسرونها تارة بالخواص. فإذا كانوا ثلاثة أقانيم مفسروها بالخواص، فالخواص تكون على هذا الاعتبار ثلاثة أقانيم. الخواص اللاهوتية واحد، الناسوتية اثنان، الإزدواجية ثلاثة؛ إذن هي ثلاثة أقانيم، لكن باعتبار الخواص. وقد يعبرون عنه باعتبار الصفات، فيقول مثلًا: الحياة، القدرة، العلم. وأحيانًا يدخلون الصفة، ويخرجون الصفة الأخرى. يدخلون الصفة، ويخرجون الصفة الأخرى، يقول: «هذه أولى من هذا». وتارة بالأشخاص، كما ذكر رحمه الله تعالى: يقول: الأقنوم هو عبارة عن الأشخاص: الأب، والابن، وروح القدس. قال رحمه الله تعالى: «وقد فطر الله العباد على فساد هذه الأقوال بعد التصور التام». قال: «وبالجملة، فهم لا يقولون بإثبات خالقين متماثلين». وهذا هو المقصود بالجملة. هل تقول النصارى بوجود خالقين متماثلين من جميع الوجوه؟ الجواب: لا. لماذا؟ لأنهم يجعلون من الآلهة ما هو مخلوق، ولو جزئيًا. فعيسى عليه السلام مخلوق باعتبار الجزء الخارجي الإنساني. وإن كان على قولهم: بأن الروح، أو أن الجزء الداخل هو جزء إلهي، وصار به إلهًا. وعلى كل، هم لا يقولون بوجود خالقين متماثلين من جميع الوجوه. ومع هذا، هم مضطربون اضطرابًا كبيرًا في هذا الباب. إذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو يتكلم على النصارى: «وهو أن النصارى مقرون بأن هذه العبارة في الإنجيل المأخوذ عن المسيح: عبارة أنه قال: أي المسيح عليه السلام: عمدوا الناس، أو عمدوا الناس باسم الأب، والابن، وروح القدس». يعني هذا يقولون: عيسى هذا موجود في الإنجيل، يقولون: هذا موجود في الإنجيل. وهل ممكن أن يكون هذا في الإنجيل؟ هذا مما مسته الأيدي، لا شك ولا ريب؛ لأن الله جل وعلا في كتابه الكريم يقول: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ إلى آخر الآية. وقال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. والإفك: شدة الكذب، وشدّة الإفتراء. فهذه كما سمعتم من الباطل الذي أدخله هؤلاء في الإنجيل. قال رحمه الله تعالى: «فهم مختلفون في تفسيرهم هذا الكلام». فكثير منهم يقول: «الأب هو الوجود». انظر يا جماعة: كثير منهم يقول: في تفسير الأب: يعني إذا قيل لهم: ما الأب؟ قال: الأب هو الوجود. والأب قال: هو الكلمة، وروح القدس قالوا: هو الحياة. قال: «ومنهم من يقول: بل الأب هو الوجود، والأب هو الكلمة، وروح القدس هو القدرة». انظر على اضطراب. قالوا بعضهم يقول: «إن الأقانيم الثلاثة: جواد، حكيم، قادر». على الأول: الحياة، والوجود، والكلمة. الثاني: الكلمة، والقدرة، والوجود. الثالث: جواد، حكيم، قادر؛ يعني الصفات تتغير من قول إلى قول آخر. قال: «فيجعل الأب هو الجواد، والابن هو الحكيم، وروح القدس هو القادر». ويزعمون أن جميع الصفات تدخل تحت هذه الثلاث. ويقولون: «إننا استدللنا على وجوده، أي على وجود الله، بإخراج الأشياء من العدم إلى الوجود، وذلك من وجوده؛ إذا لم يكن موجودًا، لم استطاع أن يخرج الوجود من العدم». واضحة يا جماعة. قال رحمه الله: «وقد رأيت في كتب النصارى هذا، وهذا، وهذا؛ أي رأى جميع هذه الأقوال». قال: «ومنهم من يعبر عن الكلمة بالعلم». منهم من يعبر عن الكلمة الذي يقول الكلمة: قالوا بالعلم. فيقولون: «موجود، حي، عالم». أو «موجود، عالم، قادر». كما يقول بعضهم: «ناطق». ومنهم من يقول: «موجود، حي، حكيم». ومنهم من يقول: «قائم بنفسه، حي، حكيم». قال: «وهم متفقون على أن المتحد بالمسيح، والحال فيه: المتحد فيه، على القول بالاتحاد، وهو قول طائفة من النصارى، كما مر معنا». أو الحلول: هو قول طائفة أخرى من النصارى. قال: «وهم متفقون على أن المتحد بالمسيح، والحال فيه: هو أقنوم الكلمة، وهو الذي يسمونه الأب، دون الأب». قال: «ومن أنكر الحلول، والاتحاد منهم، كالأريسية، يقول: إن المسيح عليه السلام عبد مرسل، كسائر الرسل». صلوات الله وسلامه عليه. قال: «فوافقهم على نفي الأب، والابن، وروح القدس، ولا يفسر ذلك بما يقوله منازعه من الحلول، والاتحاد». فمنهم من يقول بالحلول، ومنهم من يقول بالاتحاد، وهذا أمره واضح. ومنهم من لا يقول بهذا، بل يقول: هو عبد مرسل. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «إن قولهم بالأقانيم، مع بطلانه في العقل، والشرع، لم ينطق به كتاب، ولم يوجد في شيء من كتب الأنبياء التي بأيديهم، ولا في كلام الحواريين». بل هي لفظة ابتدعوها. ويقال: إنها رومية. يقال: أن هذه الكلمة رومية؛ أي ليست لها أصل من أصول الأنبياء الذي جاء به الأنبياء. قال: «وقد قيل: الإقنيم في لغتهم بمعنى الأصل». الإقنيم في لغتهم؛ أي في لغة الرومان، بمعنى الأصل. قال: «ولهذا يضطربون في تفسير الأقانيم». تارة يقولون: أشخاص، وتارة: خواص، وتارة: صفات، وتارة: جواهر. وتارة يجعلون الأقنوم اسمًا للذات، والصفة معًا. قال: «وهذا تفسير حذاقهم». فالحاصل: أنه كما ذكر رحمه الله تعالى: أنهم مضطربون اضطرابًا شديدًا في هذا الباب. لذا كما سمعتم: أن ابن القيم رحمه الله تعالى يقول في كتابه «هداية الحيارى»: «ولو اجتمع عشرة منهم يتذاكرون الدين، لتفرقوا عن أحد عشر مذهبًا». مع اتفاق فرقهم من مشهور اليوم على القول بالتثليث، وعبادة الصليب، وأن المسيح ابن مريم خالق. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «متفقون على هذا في عيسى: أنه كما قال». وأن عيسى ابن مريم خالق السماوات، والأرض، والملائكة، والنبيين. لماذا؟ لأنه إله، لأنه إله، ابن إله. إله ابن إله. قال رحمه الله تعالى: «وأن للعالم إلهًا، هو أب، والد، لم يزل». واضح يا جماعة: هذا من هذا الله رب العالمين واضح. قال: «وأن ابنه نزل من السماء، وتجسم من روح القدس، ومن مريم، وصار هو، وابنها إلهًا واحدًا، ومسيحًا واحدًا، وخالقًا واحدًا». يعني يا جماعة: هل ممكن كما يقال: يتصور هذا الأمر، والمسألة؟ يعني كما ذكر ابن أبي العز رحمه الله تعالى: من تصور هذه المسألة، كفاه عن الإجابة على هؤلاء الملاحدة. فهم صراحة في هوس، وفي اضطراب. إذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «فالإله واحد، خالق واحد، رب واحد». قد ناقضوهم بقولهم في عقيدة إيمانهم: «نؤمن برب واحد، يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، إله حق، من جوهر أبيه، مساوٍ الأب في الجوهر». فأثبتوا هنا إلهين. ثم أثبتوا روح القدس إلهًا ثالثًا. وقالوا: «إنه مسجود له». فصاروا يثبتون ثلاثة آلهة. معنهم يقولون بإله واحد، ثم في الحقيقة يجعلون الآلهة جمعًا، يجعلونها ثلاثة. لذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «لهذا قال طائفة من العقل: إن عامة مقالات النصارى يمكن تصورها، إلا مقالة النصارى؛ وذلك أن الذي وضعوها لم يتصوروا ما قالوا». ولم يتكلموا بجهل، وجمعوا في كلامهم بين النقيضين. فالحاصل من هذا: أن هذا قول باطل، مضطرب، متناقض. وكما سمعتم: أن النصارى أنفسهم لو قيل لعلمائهم، وكبرائهم: صفوا لي المسيح ابن مريم، أو هذه الأقانيم الثلاثة، لما استطاع. فضلًا أخبرني بعض من كان نصرانيًا: أخبرني من كان نصرانيًا، وكان في دول الغرب: أنه سأل يعني يبحث عن هذه الحقيقة الذي نحن نتكلم عنها، وذكرها العلماء. قال: «سأل جدته عن هذه المسألة، فقال له: دع هذه الأشياء، دع هذا الأشياء، لا تتكلم». فما زال يبحث، قال: «ذهب يبحث عنها في كتبهم، ما استطاع». ذهب إلى قسيس من قسيسيتهم، إلى الكنيسة، يسألهم، فما استطاع. ما أجروه إلا بتعبير يعني كما يقال: العصير لو وضع في الماء، يصير إيش؟ يتغير. قال: «هكذا عيسى مع الله عز وجل؛ يعني صح إنسان، لكن لما وضع فيه الشيء الآخر، صار ماذا؟ تغير إلى شيء آخر». يعني انظروا إلى عقيدة هؤلاء: هؤلاء يصلون إلى هذه المرحلة؛ يعني يضحكون على عقول الناس. فلا يستطيعون أن يبرهنوا ببرهان واضح جلي، لا من كتاب، ولا من سنة، ولا من عقل صحيح، ولا من حس. قال الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. فهذا خلاصة ما يقال في هذه المسألة. ولها تتمة. قال رحمه الله: «وتمام الكلام على هذا الأصل معروف في موضوعه». أي على هذا الأصل الذي استدل به أهل الكلام في هذه المسألة. قال: «وكثير من أهل النظر يزعمون أن دليل التمانع هو معنى قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ باعتقادهم أن توحيد الربوبية الذي قرروه هو توحيد الإلهية الذي بيّنه القرآن». وهذا من الخلط الذي وقع فيه أهل الكلام. فأهل الكلام يظنون أن الله جل وعلا أرسل رسوله، وأنزل كتبه لأجل تقرير توحيد الربوبية؛ لأجل تقرير توحيد الربوبية، لا لأجل بيان وتقرير ودعاء الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له؛ أي إلى توحيد العبادة. فإن القوم لم يفرقوا بين توحيد العبادة، وبين توحيد الإلهية، وبين توحيد الربوبية. فوقعوا في هذا الخلط، فاستدلوا على أو فاستدلوا بدليل التمانع الذي هو لأجل إثبات وجود الله، وجود الله جل وعلا من توحيد الربوبية. قال: «وتمام الكلام على هذا الأصل معروف في موضعه». أي على هذا الأصل الذي استدل به أهل الكلام في هذه المسألة. قال: «وكثير من أهل النظر يزعمون أن دليل التمانع هو معنى قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ لاعتقادهم أن توحيد الربوبية الذي قرروه هو توحيد الإلهية الذي بيّنه القرآن». وهذا من الخلط. والخلط الذي وقع فيه أهل الكلام. فأهل الكلام يظنون أن الله جل وعلا أرسل رسوله، وأنزل كتبه لأجل تقرير توحيد الربوبية؛ لأجل تقرير توحيد الربوبية، لا لأجل بيان وتقرير ودعاء الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له؛ أي إلى توحيد العبادة. فإن القوم لم يفرقوا بين توحيد العبادة، وبين توحيد الإلهية، وبين توحيد الربوبية. فوقعوا في هذا الخلط، فاستدلوا على أو فاستدلوا بدليل التمانع الذي هو لأجل إثبات وجود الله، وجود الله جل وعلا من توحيد الربوبية؛ بأن الله جل وعلا خالق، رازق. لأنهم قالوا: إما أن تكون إرادته، وإما أن تكون إرادته. المقصود أنه أرادوا بهذا الدليل إثبات الرب، إثبات وجود الرب جل وعلا. قال: «فإن المشركين من العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، وأن خالق السماوات والأرض واحد». كما أخبر تعالى عنهم بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. وهذا واضح، وكثير، ومقرر عندنا بحمد الله جل وعلا. أن توحيد الربوبية كما سمعتم فطري، يقر به المشركون، بل يقر به من هو أشد منهم شركًا: إبليس، الذي هو أصل الشرك، والعياذ بالله. قال: «ومثل هذا كثير في القرآن، ولم يكونوا يعتقدون في الأصنام أنها مشاركة لله في خلق العالم». كما جاء في صحيح مسلم: الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن المشركين كانوا يحجون، وكانوا يقولون في طوافهم: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه، وما ملك». هذه تلبية المشركين. لا شريك لك، إلا شريكًا هو من هو لك؟ واضح. تملكه، وما ملك؛ إذن يقولون: بأن الخالق سبحانه وتعالى، بأن الآلهة المعبودة إنما هي ملك لله جل وعلا. نكتفي بهذا، ونكمل هذه الفقرة في الدرس اللاحق بإذن الله جل وعلا. وإلهنا سبحانك الله، ما بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك.

شاركنا على