الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 46، ألقاها
يناقش إنكار رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلاقته بطعن الله تعالى. يُظهر كيف أن إنكار الرسالة طعن في الرب وإنكار لوجوده.
يشرح حديث "وسيد المرسلين" للإمام الطحاوي ويوضح معنى خاتم الأنبياء والمرسلين. يستشهد بالأحاديث والآيات لإثبات أن النبي صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء وسيدهم.
يشرح حديث الشفاعة ويبين معنى ختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم. يرد على من زعم النبوة بعد رسول الله مستدلاً بآيات وأحاديث نبوية.
يستشهد برواية تقارن بين حال النبي محمد صلى الله عليه وسلم أثناء الإسراء وبين حال نبي الله يونس عليه السلام في بطن الحوت. يبين أن الإسراء كان معجزة حقيقية.
قال الشارح رحمه الله تعالى: ولا ذكر دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من المعجزات، وبسطها موضع آخر، وقد أفقدها الناس بمصنفات كالبيهقي وغيره. بل إنكار رسالته صلى الله عليه وسلم طعن في الرب تبارك وتعالى، ونسبته له إلى الظلم والسفه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، بعد أن ذكر ما ذكر من دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وأشار إلى بعض دلائل على ذلك، انتقل إلى أمر مهم، وهو قوله: «بل إنكار رسالته صلى الله عليه وسلم». إنكار رسالته صلى الله عليه وسلم كما حصل من المشركين جهدا وعلوا، وكما حصل من جميع المخالفين للرسل من اليهود والنصارى، منهم من أنكرها مطلقا، ومنهم بعض اليهود، وكذلك أي بعض من أهل الكتاب قالوا: «إنما هو رسول إلى العرب خاصة»، أقروا برسالته ولكن جعلوها رسالة جزئية إلى العرب خاصة، وهذا كله ليس بصواب بل باطل ومنكر. قال رحمه الله: «بأن إنكار رسالته صلى الله عليه وسلم طعن في الرب تبارك وتعالى»، طعن في الرب تبارك وتعالى، وأيضا قال: «ونسبة له إلى الظلم والسفه»، نسبة إلى من؟ إلى الله رب العالمين سبحانه وتعالى. قال: «تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا». قال: «بل جحد للرب بالكلية وإنكار»، ومعنى بل هذا يسمى إضراب انتقالي، إضراب الانتقال من الأدنى إلى الأعلى. فقوله: «بل جحد للرب بالكلية وإنكار»، معنى أن من أنكر الرسالة، إنكار الرسالة مستلزم لإنكار الربوبية، لإنكار الربوبية أي لإنكار وجود الرب. قد يقول قائل: كيف يكون هذا؟ هذا ما سيأتي في الجواب في كلام الشارح رحمه الله. قال رحمه الله: «وإنما أخبر صلى الله عليه وسلم أنه سيد ولدي آدم لأنه لا يمكننا أن نعلم ذلك إلا بخبره، إذ لا نبي بعده يخبرنا بعظيم قدره عند الله، كما أخبرنا هو بفضائل الأنبياء قبله صلى الله عليه وسلم أجمعين». يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال: «أنا سيد ولدي آدم ولا فخر»، على سبيل التبليغ، على سبيل التبليغ الوحي الذي أمره الله جل وعلا به. ولهذا أتبعه بقوله: «ولا فخر»، كما جاء في رواية: «وهل يقول من يؤمن بالله واليوم الآخر إنما قام الذي أسري به إلى ربه وهو مقرب معظم مكرم كما قام الذي ألقي في بطن الحوت وهو مليم؟» أي كما قال ذلك القائل. وهذه المقالة منسوبة إلى أبي المعالي الجويني، أنه سئل عن هذا الحديث، يعني حديث: «لا تفضلوني على يونس بن متى»، قال: «لا أخبركم بتفسيره حتى تعطوه ألف درهم»، فأعطوه ألف درهم، ففسره لهم بهذا التفسير العجيب الغريب. قال رحمه الله: «وأين المعظم المقرب من الممتحن المؤذب؟» فهذا في غاية التقريب، وهذا في غاية التأذيب. فانظر إلى هذا الاستدلال، لأنه بهذا المعنى المحرف لم يقله الرسول. وهل يقاوم هذا الدليل على نفي علو الله تعالى على خلقه الأدلة الصحيحة الصريحة القطعية على علو الله تعالى على خلقه التي تزيد على ألف دليل؟ قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: «وسيد المرسلين». قال الشارح رحمه الله: قال صلى الله عليه وسلم: «أنا سيد ولدي آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع». رواه مسلم. وفي أول حديث الشفاعة: «أنا سيد الناس يوم القيامة». رواه مسلم والترمذي عن واثلة بن الأسقع. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله اصطفى كنانة من ولدي إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم». طيب. والشاهد من هذه الأحاديث المذكورة أن النبي صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، خاتم الأنبياء والمرسلين، فلا نبي بعده صلى الله عليه وسلم ولا رسول. قال رحمه الله: «وقد ذكروا فروقا بين النبي والرسول، وأحسنها أن من نبأه الله بخبر السماء، إن أمره أن يبلغ غيره فهو نبي رسول، وإن لم يأمره أن يبلغ غيره فهو نبي وليس برسول». طيب. أولا هذا فيه نظر، التفريق بين الرسول والنبي بهذا التفريق، تفريق فيه نظر عند طائفة من أهل العلم. قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج:52]. الشاهد منه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج:52]، ومعنى الإرسال هاهنا ماذا؟ يتضمن التبليغ. قال رحمه الله: «فالرسول أخص من النبي، فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا». طيب. قوله: «فالرسول أخص من النبي»، بمعنى أن الرسول لا يكون رسولا إلا وهو نبي، وأما النبي فلا يشترط أن يكون رسولا. لذا قالوا: «فكل رسول نبي»، لماذا؟ لأن الرسول أخص، الرسول أخص من النبي، الأنبياء عام والرسول أخص. قال رحمه الله: «وإرسال الرسل من أعظم نعم الله على خلقه، وخصوصا محمدا صلى الله عليه وسلم». كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران:164]. قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: «وخاتم الأنبياء». قال الشارح رحمه الله تعالى: قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:40]، وقال صلى الله عليه وسلم: «مثلي ومثل الأنبياء كمثل قصر أحسن بناؤه وترك منه موضع لبنة، فطاف به النظار يتعجبون من حسن بنائه إلا موضع تلك اللبنة، فكنت أنا سدت موضع تلك اللبنة، ختم بالبنيان وختم بالرسل». أخرجاه في الصحيحين. قال صلى الله عليه وسلم: «إن لي أسماء، أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي يمح الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب». والعاقب الذي ليس بعده نبي. وهذا حديث صحيح. قال رحمه الله: «وسيد المرسلين». قال الشارح رحمه الله: قال صلى الله عليه وسلم: «أنا سيد ولدي آدم يوم القيامة». رواه مسلم. وهو في مسلم من حديث أبي هريرة. كما ذكر في التخريج. وقال في أول حديث الشفاعة: «أنا سيد الناس يوم القيامة». كما في الصحيحين من حديث أنس. قال: «وقال الترمذي بعد إخراجه حديث: «صحيح»، واللفظ لمسلم». أي هذا اللفظ من لفظ مسلم. ولفظ الترمذي أتم، لكن فيه من هو كثير الغلط. قال رحمه الله: «وفي صحيح مسلم عن ثوبان على قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وإنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي». الحديث». طيب. وهذا الحديث كذلك عزاه إلى مسلم. قال رحمه الله: «ولمسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فضلت على الأنبياء بست: وغطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون». طيب. وهذا الحديث كما ذكر في قوله: «ولمسلم»، ففي صحيح مسلم، رحمه الله تعالى، من حديث أبي هريرة. قال رحمه الله: «والشاهد من هذه الأحاديث المذكورة أن النبي صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، فلا نبي بعده صلى الله عليه وسلم ولا رسول». وبعض الجهلة بكتاب الله وبسنة رسوله، زعم أنه نبي، وأتى بالعجائب، مستدلا بمثل هذه الأدلة. يقول: قال الله جل وعلا: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:40]، وخاتم النبيين، قالوا: «معناه أنه زينة الأنبياء كالخاتم». وخاتم النبيين قال: «معناه أنه خاتم، يعني زينة النبيين، كالخاتم في الأصبع»، وليس معناه أنه ختم به النبوة. قال رحمه الله: «وإنما أخبر صلى الله عليه وسلم أنه سيد ولدي آدم لأنه لا يمكننا أن نعلم ذلك إلا بخبره، إذ لا نبي بعده يخبرنا بعظيم قدره عند الله، كما أخبرنا هو بفضائل الأنبياء قبله صلى الله عليه وسلم أجمعين». قال: «ولهذا أتبعه بقوله: «ولا فخر» كما جاء في رواية: «وهل يقول من يؤمن بالله واليوم الآخر إنما قام الذي أسري به إلى ربه وهو مقرب معظم مكرم كما قام الذي ألقي في بطن الحوت وهو مليم؟». قال رحمه الله: «وأما ما يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تفضلوني على يونس بن متى»». فالحديث بهذا اللفظ لم يروه أحد من أهل الكتب التي يعتمد عليها. وإنما اللفظ الذي في الصحيح: «لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى». وفي رواية: «من قال: إني خير من يونس بن متى، فقد كذب». وهذا اللفظ يدل على العموم. قال رحمه الله: «وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أوحي إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد»». فالله تعالى نهى أن يفخر على عموم المؤمنين، فكيف على نبي كريم؟ فلهذا قال: «لا ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى». فهذا نهي العام لكل أحد أن يتفضل ويفتخر على يونس. قال رحمه الله: «وإنما أخبر صلى الله عليه وسلم أنه سيد ولدي آدم لأنه لا يمكننا أن نعلم ذلك إلا بخبره». قال: «إذ لا نبي بعده يخبرنا بعظيم قدره عند الله». كما أخبرنا هو بفضائل الأنبياء قبله صلى الله عليه وسلم أجمعين. قال: «ولهذا أتبعه بقوله: «ولا فخر»». كما جاء في رواية: «وهل يقول من يؤمن بالله واليوم الآخر إنما قام الذي أسري به إلى ربه وهو مقرب معظم مكرم كما قام الذي ألقي في بطن الحوت وهو مليم؟».