كتاب الصيام 3

الدرس في كتاب الصيام 3، ألقاها

أحكام الإفطار للمريض والمسافر

يُباح الفطر في رمضان للمريض والمسافر إذا تضرر بالصيام أو سافر مسافة قصر، ويجب عليهما القضاء بعد زوال العذر. يُفضل الفطر لمن يتضرر بالصيام، وإن صام صح صيامه.

أقسام من يباح لهم الفطر وأحكامهم

يتناول أربعة أقسام من يباح لهم الفطر: الحائض والنفساء، والحامل والمرضع، والعاجز عن الصوم. يُشرح حكم كل قسم وأدلته الشرعية، ويوضح أحكام الإفطار والقضاء لكل حالة.

أحكام القضاء والكفارة وتأخير القضاء

يشرح أحكام الإفطار بسبب كبر أو مرض، وحالات القضاء والكفارة لمن أفطر بجماع. كما يوضح أحكام تأخير القضاء حتى دخول رمضان آخر أو الوفاة، وقضاء الصوم عن الميت.

تتمة الكلام عن قضاء الصوم عن الميت

يدل قول النبي على جواز قضاء الصوم عن الميت، ويؤكد أن وليه يقوم بقضاء الصوم الذي عليه، ويتم التأكيد على أهمية الوفاء بصيام الميت.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد: قال الإمام أبو محمد موفق الدين بن قدامة المقدسي -رحمه الله تعالى وغفر له- في كتابه "عمدة الفقه" في كتاب الصيام منه: باب أحكام المفطرين في رمضان، أي أن هذا الباب عقده المؤلف -رحمه الله تعالى- للكلام على من يجوز له الإفطار في رمضان، ومن أفطر فماذا يلزمه. قال -رحمه الله تعالى-: ويباح الفطر في رمضان لأربعة أقسام: أحدها المريض الذي يتضرر به، أي يتضرر بصيام إذا صام حال مرضه، والمسافر الذي له القصر، أي إذا كان المسافر سافر مسافة قصر فإنه كذلك يباح له الفطر. قال: فالفطر لهما أفضل، وعليهما القضاء، وإن صاما أجزأهما. طيب هذا القسم ضمنه الإمام ابن قدامة -رحمه الله تعالى- أحكام الفطر بالنسبة للمريض، وبالنسبة للمسافر، وضمن ذلك مسائل أشار إليها -رحمه الله تعالى-. أولها أن المريض الذي يتضرر بالصوم يباح له الفطر، وإذا كان المريض لا يتضرر بالصوم، فهل يباح له الفطر؟ الجواب: نعم، كما تقدم معنا في الدرس الماضي. فالعبرة بماذا؟ بالمرض، إذا كان مريضًا فإنه يباح له الفطر، بقول الله جل وعلا: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. هذه المسألة الأولى. الثانية: قوله -رحمه الله تعالى-: "والمسافر الذي له القصر"، أي أن المسافر إذا سافر مسافة قصر فإنه يباح له الفطر. وهذا القول منه -رحمه الله تعالى- مبني على هل للسفر الذي يشرع لأجله قصر الصلاة مسافة معينة؟ هل هي مسافة معينة أم لا؟ تقدم معنا قول الإمام ابن قدامة -رحمه الله تعالى-، وهو أنه يحد بمسافة، وهو قول الحنابلة، كما تقدم معنا في الكلام على أحكام صلاة المسافرين. وتقدم هناك أن الراجح في المسألة أن مسألة السفر والقصر فيها يرجع إلى ما تعارف عليه الناس. هل المعتبر بعرف الناس العرف السابق القديم، أي بالنسبة للآباء، بالنسبة للأجداد؟ أم أن المعتبر به العرف الحادث الجديد الذي تعارف عليه الناس؟ بمعنى لو أن الآباء والأجداد كانوا يقولون بأن مسافة كذا وكذا إذا ذهب الإنسان إلى بلدة كذا وكذا يعدونه سفرًا، وأما أهل الجيل يقولون: ليس بسفر، إما لتقارب البلدين بسبب امتداد البناء، وإما بسبب تقارب البلدين كذلك باعتبار توفر المواصلات وسهولتها، المهم بأمر أو آخر، المتأخرون يقولون: ليس بسفر، والقدامى يقولون: بأنه سفر. فما هو المعتبر في العرف؟ هل العرف الأول السابق، أو العرف الحادث؟ الأظهر -والله أعلى وأعلم- أن المعتبر العرف المعاصر، لأنه هو عرف الإنسان، لأن المراد بالعرف ما تعارف عليه الناس في زمنهم، لا ما تعارف عليه الناس في غير زمنهم. فكل إنسان مخاطب بماذا؟ بزمنه وإحوال زمنه، مثل العادات، كذلك في بقية الأمور. يعني لو أن العادة عند الآباء -مثلًا- في نفقة الزوجة أنها تكون كذا وكذا، وفي عادة المعاصر أن النفقة كذا وكذا، ما هو المعتبر؟ المعتبر العرف المعاصر. وهكذا قل في بقية الأمور. والله تعالى أعلى وأعلم. فإذا الصواب في المسألة أن المسافر الذي يصح أن يقال بأنه مسافر، ويصح أن يقصر الصلاة، فإنه يباح له أن يفطر في رمضان، للآية السابقة. المسألة الثالثة: قوله "فالفطر لهما أفضل"، هذه مسألة ثالثة في هذه الفقرة، وخلاصتها وحاصلها أن العلماء -رحمهم الله- وقع بينهم خلاف: هل الأفضل للصائم -يعني هل الأفضل للمسافر أو المريض الذي به مرض لكن لا يتأذى، أو به مرض يتأذى- ما هو الأفضل لهما؟ الفطر أم الصيام؟ أم أنهما يستويان؟ فأما بالنسبة للمرض، فيقال فيه التفصيل السابق، وهو أنه إذا كان المرض يحصل له وتضرر به، فإن الأفضل في أمره الإفطار. وإذا كان العكس، فالأفضل في حقه الصوم. يعني لو أن إنسانًا -مثلًا- به مرض مثل إسهال -مثلًا- ومما يصلحه ألا يأكل شيئًا، وأن لا يشرب شيئًا، فالأفضل في حقه الصوم. والمسافر كذلك، ما هو الأفضل في حقه؟ هل الصوم أم الإفطار؟ مع التنبيه أن بعض أهل العلم ذهب إلى وجوب الإفطار بالنسبة للصائم، وهو قول مرجوح، إلا في حالة واحدة: إذا خشي على نفسه الضرر، إما تحققًا، وإما على غلبة الظن، لما جاء في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلًا وقد ظلل، فقال: "ما بال هذا؟" قالوا: يا رسول الله، صائم. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ليس من البر الصيام في السفر". فدل هذا على أن من كان حاله كذلك يتضرر، فالأصل القاعدة الفقهية التي مبناها على الحديث: "لا ضرر ولا ضرار". فالأفضل في حقه الإفطار، بل قد يتعين، إن خشي على نفسه الضرر المتحقق، أو إن غلب على ظنه ذلك. بقي لو لم يحصل له ذلك الضرر، أو تلك المشقة، فيها مشقة لكن ما بلغت تلك المشقة، فما هو الأفضل في حقه؟ الإفطار أم الصوم؟ كذلك الأفضل الإفطار، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ليس من البر الصيام في السفر". ولقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه". فهذه رخصة يحبها الله جل وعلا، فينبغي للإنسان أن يفعلها، "إلا إذا كان ذلك المسافر يخشى أن تدخل عليه الأيام -يعني تتراكم على الأيام- فلا يستطيع أن يقضيها إذا ذهبت علة السفر، فمثل هذا قد يكون في حقه الصوم أفضل". وقوله -رحمه الله تعالى-: "وعليهما القضاء". وهذه مسألة أخرى: أن المسافر أو المريض إذا أفطر في رمضان وجب عليه القضاء، متى ما ذهب عنه عذره، أي عذر المرض أو عذر السفر. قال: "وإن صاما أجزأهما"، أي إن صاما والحالة كذلك مريضًا صاما، أو مسافرًا صاما، فما حكم صيامهم؟ الصيام صحيح. ويدل عليه أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- كان يصوم في أسفاره. جاء أو ثبت عن أنس -رضي الله عنه وأرضاه- أنه قال: "غزونا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فما أحد منا صائم إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعبد الله بن رواحة". وجاء كذلك عنه -رضي الله عنه وأرضاه-: "أن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- كانوا يخرجون في السفر، فمنهم الصائم، ومنهم المفطر، فلا يعيب هذا على هذا، ولا هذا على هذا". فدل ذلك على جواز الصوم، بمعنى: من أفطر لم ينكر عليه الصائم، ومن صام لم ينكر عليه المفطر. الثاني: الحائض والنفساء تفطران وتقضيان، وإن صامتا لم يجزئهما. هذا القسم الثاني من من يباح له الفطر: الحائض والنفساء. أولًا تفطران، لما جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد -رضي الله عنه وأرضاه- قال: "أليست حينما سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن نقصان عقل المرأة ودينها؟ فقال: أليست المرأة إذا حاضت لم تصلي ولم تصم؟" وكذلك جاء في حديث عائشة -رضي الله عنها وأرضاها- حينما سئلت: "ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟" فقالت: "أحرورية أنت؟" للسائلة. قالت: "لا، ولكني أسأل". فقالت: "فإنا كنا يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة". فعلم من هذا الحديث الحكمان: الأول: أن الحائض لا يحل لها الصوم، ولا يصح منها الصوم. الثاني: أن الحائض متى ما ذهب حيضها وطهرت، وجب عليها الصوم، ووجب عليها القضاء، قضاء ما أفطرت من أيام. هذا محل إجماع، لا خلاف فيه بين العلماء -رحمهم الله تعالى-. قال -رحمه الله تعالى-: "وإن صامتا"، أي صامت النفساء -والنفساء في معنى الحائض في أكثر أحكامها- "وإن صامتا لم يجزئهما". لو أن حائضًا، أو امرأة نفساء صامت، ما حكم صومها؟ الجواب: لا يصح. لماذا؟ لوجود المانع من صحة ذلك الصوم، وهو الحيض. ومن هنا يُعلم خطأ بعض النساء المبتدئات في الحائض، بعض النساء -وربما الفتيات- ربما تستحي إذا أصابها الحيض في أول مرة من إخبار أهلها بذلك، فتصوم وهي على هذه الحالة. وهذا لا يجوز، ولا يصح منها الصوم، بل يجب عليها الإفطار، ويجب عليها القضاء متى طهرت. فينبغي أن يتنبهن النساء لمثل هذا الأمر. الثالث: الحامل والمرضع. الحامل والمرضع، أي المرأة إذا كانت حاملًا، حاملًا يعني حبلى، وكذلك المرضع، المرأة إذا كانت ترضع، فإنه يباح لهما الإفطار في شهر رمضان، لحديث أنس بن مالك الكعبي عند أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وغيرهم -رحمهم الله تعالى وغفر الله لهم- بإسناد صحيح: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن المسافر والحامل والمرضع الصوم". فدل الحديث على أن الحامل، وكذا المرضع، يشرع ويباح لهما الإفطار. قال: "إذا خافتا على أنفسهما أفطرتا وقضتا". لماذا؟ للحديث السابق، ولأنهما يدخلان في معنى المرض، لأن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. والمرضع إذا حصل لها المرض، أو الحامل، أو خافتا الضرر -أي المرض- إما بالحال، وإما بالمآل، فيكون حكمهما كحكم المريض، فتفطر وتقضي أيام فطرها بعد أن يذهب ذلك المانع ويزول. قال: "وَإِنْ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا" هذه مسألة أخرى. المسألة الأولى: إن خافتا على أنفسهما أفطرتا وقضتا. المسألة الثانية: إن خافتا على ولديهما، أي هي تقوى على ذلك، لكن تخاف على ولدها أن يتضرر، إما حاملًا بأن لا يتقوى الولد، ويصاب بالضعف، وإما كذلك مرضعًا فلا تجد من اللبن ما ترضع به ولدها. فهل لهما أن تفطرا؟ للحديث السابق. وهل عليهما شيء؟ قالا: "وَإِنْ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا أَفْطَرَتَا وَقَضَتَا" إلى هنا. ثم قال: "وَأَطْعَمَتَا عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا". إذًا يُضاف أو أضاف الإمام -رحمه الله تعالى- ابن قدامة حكمًا ثالثًا، وهو أن من أفطرت لأجل الولد، فإنه يجب عليهما القضاء، ويجب عليهما إطعام مسكين عن كل يوم. لماذا؟ قال: لأن في هذه الحالة تكون أفطرت لعذر غيرها، ليس لعذر لها، لعذر غيرها، بمعنى أنها هي تقدر، ولكن خشت على غيرها ممن لها به تعلق وثيق، فأفطرت لأجل ذلك. فالفطر مباح للحديث، ولكن لما كان الفطر لا لأجلها، ولكن لأجل أمر آخر، قالوا: عليها كذلك الكفارة، إطعام مسكين عن كل يوم أفطرت فيه. وسند ذلك بالآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. والأظهر -والله أعلى وأعلم- أن هذا الحكم الثالث يحتاج إلى دليل واضح. والأصل أنه يحل لها الإفطار، ومتى أفطرت قضت ذلك الصوم، أنها أفطرت بعذر شرعي. وإثبات الإطعام عليها يحتاج إلى دليل، لأنه حكم شرعي، والأحكام الشرعية لا تثبت إلا بدليل. ولا دليل في هذه المسألة واضح. والله أعلم وأعلم. ولست هي كشيخ كبير لا يستطيع الصيام، بل هي تستطيع، ولكن أفطرت لأجل ولدها. فافترق حكمها عن حكمها. فإذا كان كذلك، أولًا افترق السبب عن السبب، وكذلك الحكم عن الحكم. فكيف يلحق هذا بذاك؟ واضح. قال -رحمه الله تعالى-: "وإن صامتا أجزأهما". وهذا حكم آخر: أن المرأة الحامل أو المرضع لو أنها صامت، يحصل لها مشقة، أو خشت على ولدها، ومع هذا صامت، ما حكم صومها؟ صحيح. حكم الصيام صحيح. وإنما ما جاء في حديث أنس بن مالك الكعبي إنما هو عذر للإفطار، كالمسافر والمريض. المسافر والمريض له أن يصوم، وله أن يفطر. فكذلك الحامل والمرضع. قال -رحمه الله تعالى-: "الرابع: العاجز عن الصوم". العاجز عن الصوم لكبر، أو مرض لا يرجى برؤه. العاجز عن الصوم كما ذكر -رحمه الله تعالى- لكبر، رجل كبير، ولكن عاقل، لأن الكبر على قسمين: علة الكبر، أو العاجز عن الصوم لكبر هو على قسمين. الحالة الأولى: الكبير الذي صار خرفًا، لا يعقل، فمثل هذا لا يصوم، وليس عليه شيء. لماذا؟ لأنه ليس بعاقل. والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "رفع القلم عن ثلاثة"، وذكر منهم: "المجنون حتى يفيق". والخرف هو بمعنى المجنون في معناه، فيأخذ حكمه. وهذا لا خلاف فيه بين العلماء. الحالة الثانية: الكبير الذي هو عاقل، ولكنه لا يستطيع الصوم لكبر سنه، ضعف عن الصوم. فما الحكم الشرعي فيه؟ كذلك لو أن إنسانًا مريضًا به مرض مزمن لا يرجى برؤه. كذلك المريض المرض المزمن -كما يقول علماء -رحمهم الله تعالى- هو على قسمين: مرض يستطاع معه صيام، مرض مزمن لكن يستطاع معه صيام. مثلًا الإنسان فيه روماتيزم، هذا مفاصل -يعني آلام مفاصل- هو مزمن أم لا؟ مزمن. فهل يؤثر في الصيام، أو على الصيام، أو يؤثر عليه الصيام؟ الجواب: لا. فمثل هذا يصوم، ليس له عذر. لكن رجل آخر فيه مرض إذا صام أثر الصوم عليه، وهذا المرض مزمن -يعني كأن يكون فيه -مثلًا- أمراض شديدة، وقد حذره الأطباء الحذاق الأمناء أن الصوم يؤدي إلى الإضرار به، أو إلى تلفه. وأخبروا بأن مرضه مزمن، لن يشفى منه إلى أن يموت -إلا يشاء الله-. فمثل هذا ماذا يفعل؟ قال العلماء -رحمهم الله تعالى-: "العاجز عن الصوم لكبر أو مرض لا يرجى برؤه، فإنه يطعم عنه لكل يوم مسكينًا". أي يخرج إطعام مسكين عن كل يوم أفطر فيه. لماذا؟ للآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. جاء عن ابن عباس -رضي الله عنه- أنه قال: "كانت رخصة الشيخ والمرأة الكبيرة -وهما يطيقان الصيام- أن يفطر ويطعم مكان كل يوم مسكينًا". قال: "والحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أفطرتا وأطعم". فالحاصل هو ما تقدم ذكره: من أن من كان حاله كذلك، فإنه يطعم عن كل يوم مسكينًا. قال: "وعلى سائر من أفطر القضاء لا غير". من أفطر مما تقدم ذكرهم، فإنه يجب عليهم القضاء لا غير. قال: "إلا من أفطر بجماع في الفرج، فإنه يقضي ويعتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، فإن لم يجد سقطت عنه". طيب هذه مسألة أخرى كذلك، وهي أن سائر من تقدم ذكرهم ممن يباح لهم الإفطار، فإنه يجب عليهم القضاء، إلا القسم الرابع؛ لأنهم لا يستطيعون الصوم، فلا يستطيعون القضاء من باب أولى. قال -رحمه الله تعالى-: "إلا من أفطر بجماع"، يعني لو أن إنسانًا أفطر نهار رمضان بسبب جماع في فرج، سواء كان مباحًا أو غير مباح، فماذا عليه؟ يقول -رحمه الله تعالى-: "فإنه يقضي". وهذا قول الجمهور: أن من أفطر بجماع في نهار رمضان لغير عذر، فإنه يقضي يومًا مكان اليوم الذي أفسده. وذهب جماعة من المحققين إلى أنه لا يقضي، وأنه إنما جاء في الرواية في قوله: "وقضي يوم مكانه" أن هذه الرواية لا تصح. ولذلك أعرض عنها الشيخان، فلم يخرجاه -كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- واختار -أي اختار شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- أنه لا يقضي؛ لأنه أفسد صومه متعمدًا لعذر، ولكنه أفسد صوم من أفسد صومه متعمدًا. فإن عليه التوبة إلى الله تبارك وتعالى مما صدر منه. ثم تترتب عليه أحكام الكفارة. لذا قال -رحمه الله-: "فإنه يقضي ويعتق رقبة". لما جاء في حديث أبي هريرة: حينما أتاه رجل جامع في نهار رمضان، وقال: "هلقت يا رسول الله". قال: "وماذا؟" قال: "جامعت أهلي في نهار رمضان". فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أعتق رقبة". قال: "لا أجد". فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "فصم شهرين متتابعين". قال: "فإني أجدني واقع في ذلك". فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "فأطعم ستين مسكينًا". فقال: "يا رسول الله، ما بين لابتيها أهل بيت هم أفقر مني". فقعد. فأتي النبي -صلى الله عليه وسلم- بمكتل من تمر، فأعطاه إياه، فقال: "تصدق به، وأطعمهم أهلك". أشهد من هذا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- تدرج في أحكام الكفارة. فلما علم أنه عاجز غير مستطيع، قال: "سقطت عنه". هل تبقى في الذمة؟ ذهب إلى هذا بعض أهل العلم: أنه متى أمكنه أخرج هذه الكفارة، ومع العجز فإن ربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. ويقول -سبحانه وتعالى-: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾. والقاعدة عند الفقهاء -رحمهم الله تعالى-: "لا واجب مع عجز، ولا محرم مع إطرار". قال -رحمه الله تعالى-: "قال: فإن لم يجد سقطت عنه". فإن جامع ولم يكفر حتى جامع ثانية، فكفارة واحدة. يعني لو أنه فعل ذلك في نهار رمضان مرتين قبل أن يكفر، أو تكرر منه ذلك الفعل في أيام قبل أن يكفر. فيقول -رحمه الله تعالى-: إذا فعل ذلك، فإن جامع ولم يكفر حتى جامع ثانية، فكفارة واحدة. لماذا؟ لقاعدة يذكرها العلماء -رحمهم الله تعالى- في هذا الباب، وهي: أن الكفارة إذا تكرر سببها، وكان من جنس واحد، ولم يكفر، فإنه يكفر عنه كفارة واحدة. كرجل حالف يمين أن لا يدخل بيته فلان، فدخله، ثم خرج، فحالف يمين أن لا يدخل بيته فلان، فدخل مرة ثانية قبل أن يكفر. كم عليه كفارات؟ يقول: عليه كفارة واحدة. لما تقدم مما ذكر في القاعدة. قالوا: "وإن كفر ثم جامع، فكفارة ثانية". إن كفر ثم جامع مرة ثانية، فإنه يكفر ثانية. كذلك لو حلف، فدخل -يعني حنث- فكفر، ثم حلف مرة ثانية، ثم حنث. هل عليه كفارة ثانية؟ الجواب: نعم. وإن كانت من جنس واحد. قال: "وكل من لزمه الإمساك في رمضان فجامع، فعليه كفارة". وكل من لزمه الإمساك في رمضان -مفهومه- أن من لم يلزمه الإمساك في رمضان، مثل ماذا؟ مثل من تقدم من أصحاب الأعذار السابقة. إنسان -رجل- عاد من سفر، ووجد امرأته -مثلًا- طهرت من حيض في منتصف النهار، في نهار رمضان. هل له أن يجامعها؟ الجواب: نعم. لماذا؟ لأنه من أهل الأعذار. قال -رحمه الله تعالى-: "ومن أخر القضاء لعذر حتى أدركه رمضان آخر، فليس عليه غيره". أي إذا لم يحصل له تفريط، وإذا لم يحصل له تفريط، وإنما أجل لأجل أن يصوم، فصادف عذرًا ما استطاع معه الصوم حتى دخل رمضان الآخر. فمثل هذا ليس عليه القضاء. قال: "وإن فرط أطعم مع القضاء لكل يوم مسكينًا". أي لو أنه فرط، إنسان أفطر في رمضان الأول -مثلًا- عشرة أيام بسفر -مثلًا- ثم فرط، يقال له: صوم. يقول: صعب. يقول: سهل. حتى دخل رمضان الآخر. فجاء يسأل: أنا علي عشرة أيام من رمضان الأول، ماذا أفعل؟ جمهور أهل العلم -رحمهم الله تعالى- يقول: يجب عليه القضاء بعد رمضان الذي دخل عليه. قالوا: ويجب عليه كذلك الكفارة عن كل يوم، إطعام مسكين. لماذا؟ لتفريطه. فيلزم بأمرين، بحكمين: الأول القضاء، والثاني الإطعام لتفريطه. وذهب آخرون من أهل العلم إلى أنه يجب عليه القضاء، وأنه يستغفر الله تبارك وتعالى مما فرط، ولا شيء عليه زائد على ذلك. وهو الأظهر -والله أعلى وأعلم- لعدم الدليل على الإطعام. قال -رحمه الله تعالى-: "وإن ترك القضاء حتى مات لعذر، فلا شيء عليه". يعني لو أن إنسانًا -مثلًا- أفطر في رمضان عشرة أيام لمرض، استمر به المرض إلى آخر شوال، وتوفي. هل يلزم بالقضاء؟ يقول: "وإن ترك القضاء حتى مات لعذر، فلا شيء عليه". قال: "وإن كان لغير عذر، أوطعم عنه لكل يوم مسكينًا، إلا أن يكون الصوم منذورًا، فإنه يصام عنه". وكذلك كل نذر طاعة. هذا قول للعلماء. والصحيح أنه يصوم عنه -وليه- سواء كان صوم فرض، أو كان صوم نذر، لعموم قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "فدين الله أحق". ولقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من مات وعليه صوم، صام عنه وليه". والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على