الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 59، ألقاها
سجود التلاوة يشترط له الطهارة من الحدث والنجس واستقبال القبلة وستر العورة مثل صلاة النافلة. الطهارة من الحدث والنجس شرط في البدن والثوب والمكان.
الراجح أن الطهارة لا تشترط لسجود التلاوة خارج الصلاة، وهناك خلاف حول اشتراط تكبيرة الإحرام والتسليم. العلماء اختلفوا في هذه الشروط.
هناك خلاف حول وجوب تكبير سجود التلاوة داخل الصلاة، والإمام يجتهد في التكبير حسب المكان والمصلين. الأمر واسع في مسألة تكبير الإمام أثناء الصلاة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه «التبيان في آداب حملة القرآن»: قال فصل في شروط صحة سجود التلاوة. قال: حكم سجود التلاوة حكم صلاة النافلة في اشتراط الطهارة عن الحدث وعن النجس، وفي استقبال القبلة، وستر العورة. فيحرم على من على بدنه أو ثوبه نجاسة غير معفو عنها، وعلى المحدث إلا إذا تيمم في موضع يجوز فيه التيمم. ويحرم على غير القبلة إلا في السفر حيث تجوز النافلة إلى غير القبلة. وهذا كل متفق عليه. هذه بعض المسائل المتعلقة بسجود التلاوة، والنووي رحمه الله تعالى ذكر أن القول فيها كالقول في صلاة النافلة، أي أحكام صلاة التلاوة كأحكام صلاة النافلة من حيث الطهارة من الحدث، والطهارة كذلك من النجس، سواء كان طهارة الثوب والبدن أو طهارة المكان. وكذلك من حيث استقبال القبلة إلا إذا كان في سفر، فإن له أن لا يستقبلها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا كان في سفر وكان على راحلته لم يستقبل القبلة، بل صلى حيث توجهت به، كما جاء في حديث ابن عمر، وكذلك في حديث أنس في الصحاح. وكذلك من حيث بقية الأحكام، أي من حيث هل لها تكبيرة إحرام، وهل لها تسليم، وما شابه ذلك من الأحكام. فهو رحمه الله تعالى يقول أنها تعامل معاملة صلاة النافلة، وهذا قول مشهور للعلماء رحمهم الله تعالى. والمسألة من حيث هي فيها تفاصيل، فأولًا من حيث هل تكبيرة الإحرام هل لسجود التلاوة، أي في غير الصلاة، في غير الصلاة إذا مر إنسان بسجود التلاوة هل يكبر للإحرام؟ كذلك إذا سجد ثم رفع هل يسلم أم لا؟ قال بهذا بعض أهل العلم، ولا دليل على هذا ولا دليل على هذا. الأمر الثاني: هل يشترط لسجود التلاوة الطهارة من الحدث لأنها كصلاة النافلة أم لا؟ وصحيح أو ذهب جماهير الفقهاء رحمهم الله تعالى إلى ذلك، أي إلى اشتراط الطهارة لسجود التلاوة. ومعنى هذا أن من كان على غير طهارة فإنهم لا يسجد لها حتى يتوضأ؛ لأن حكمها كحكم صلاة النافلة. قلنا هذا قول الجمهور، والقول الصحيح أنه لا يشترط لها هذا، أي لا تشترط لها الطهارة. وقد ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما الصحابي الجليل كما ذكر ذلك عنه الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه تعليقا أنه كان يسجد للتلاوة على غير طهارة. وهذا صحابي جليل، وهو كذلك قول الإمام الشعبي رحمه الله أحد أئمة التابعين، وهو قول كذلك ابن جريج الطبري وهو إمام المفسرين، وهو قول كذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو شيخ الإسلام رحمه الله تعالى وغفر له، وكذلك قول تلميذه ابن القيم. ومن المعاصرين كذلك قول جماعة منهم شيخنا العلامة مقبل بن هادي الوادعي، رحم الله الجميع. فالراجح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى أن سجود التلاوة لا يشترط لها طهارة. بقي من المسائل أيضا هل يشترط لسجود التلاوة استقبال القبلة أم لا؟ إلى هذا ذهب كذلك جماهير العلماء، وبعضهم حكاه اتفاقا، كالعلامة ابن القيم رحمه الله تعالى يذكر أن استقبال القبلة في سجود التلاوة قال: وهذا عليه اتفاق. أي أن سجود التلاوة يزجد إلى جهة القبلة. إلا أن في المسألة وجد كذلك خلاف في المسألة عن بعض العلماء رحمهم الله تعالى، لكن لا ريب أن الأولى والأسلم أن يسجد الإنسان إلى القبلة ما أمكن. لماذا؟ لأن الأصل في السجود أن يكون إلى القبلة، هذا هو الأصل، تدل عليه الأدلة العامة ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، والأدلة العامة تدل على هذا المعنى، وهو كما سمعتم الأولى والأحوط. طيب، من المسائل أيضا سجود التلاوة بالنسبة للصلاة، بمعنى لو أن إنسانا في أثناء الصلاة مر بآية فيها سجود فأراد أن يسجد، هل يكبر أم لا يكبر لها؟ يعني يقرأ الإمام فمر بآية سجود، آية فيها سجود، هل يهوي مباشرة دون أن يكبر أم أنه يكبر ويهوي ثم يكبر فيرفع؟ كذلك في المسألة قولان للعلماء، فمن أهل العلم من رأى التكبير، ومنهم من رأى أنه لا يكبر. من قال بأنه لا يكبر قال: لا دليل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا سجد في الصلاة أنه يكبر، وقال: والصلاة عبادة توقيفية فيحتاج إلى دليل. من قال بأنه يكبر لسجود التلاوة وذهب آخر إلى أنه يكبر، واستدل على ذلك بعمومات منها ما جاء في حديث علي رضي الله عنه وأرضاه، وكذلك بنحو من حديث ابن عمر رضي الله عنهم أجمعين: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا هوى إلى سجوده كبر، وإذا رفع كبر. وجاءت كذلك في بعض الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر في كل رفع وخفض، قالوا: هذا عام، والأصل في العام أن يعمل به. وكل القولين كما يقال له حظ من النظر، والأمر في ذلك واسع، والإمام يجتهد في ذلك، ولا سيما إذا كان في أماكن إذا ما كبر ربما حصل تخليط على المصلي فإنه يكبر، وإذا كان في مكان آخر ورأى أنه لا يكبر فالأمر في ذلك واسع، والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.