الدرس في شرح المذكرة - مقرر السنة الثالثة 5، ألقاها
يناقش تعريف المجمل واصطلاحه عند الأصوليين والسلف، حيث يختلف الأصوليون والسلف في تعريفه. يرى الأصوليون أن المجمل هو اللفظ الذي يحتمل معنيين أو أكثر دون ترجيح لأحدهما، بينما يرى السلف أن المجمل هو ما لا يكفي وحده للعمل به.
يتناول حكم المجمل في اللغة العربية وتطبيقاته في القرآن والسنة، حيث يشير إلى أن المجمل يتطلب البيان لتحديده. يُوضح أن بعض الألفاظ القرآنية والنبوية قد تُعتبر مجملة ولكن التحقيق يبين أن بعضها ليس كذلك.
يناقش شرح حديث 'لا عمل إلا بنية' وتفسيره في سياق العبادات والمعاملات، مشيرًا إلى دور النية في صحة العبادات والمعاملات. كما يتطرق إلى مفهوم 'رفع عن أمتي الخطأ والنسيان'.
يناقش شبهة حول حديث "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" ويستعرض أدلة ابن قدامة التي تثبت اختصاص هذه الأمة برفع الإثم عنها.
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: قال المؤلف: القسم الثالث، أي بالنسبة للقسمين السابقين الذين مضى النص والظاهر، وهذا هو الثالث، وهو المجمل. ثم ذكرها هنا قوله: وهو ما لا يفهم منه معنى عند الإطلاق. لا يفهم منه معنى عند الإطلاق، وهذا تعريف من تعريفات المجمل، وفيه نظر؛ لأن المجمل ليس كذلك. المجمل كما سيأتي معنى في كلام العلامة الشنقيطي له معان، لكن لا مرجح لأحد المعنيين أو لواحد من المعاني على غيره، فهو له معان. فليس كما قال: من أنه ما لا يفهم منه معنى عند الإطلاق. قال: وقيل: محتمل أمرين، لا مزية لأحدهما مع الآخر، كالألفاظ المشتركة. ألفاظ المشتركة، الاشتراك اللفظي، كالعين تطلق على العين الباصرة، وعلى العين الجارية التي هي الماء، وتطلق على الجاسوس. فهو يقول: أن المجمل كذلك. وهذا كذلك ماذا فيه؟ فيه نظر. قال رحمه الله: قال مؤلفه -عفى الله عنه-: «يعلم أن التحقيق في معنى المجمل عند الأصوليين...». قوله رحمه الله: «اعلم أن التحقيق في معنى المجمل عند الأصوليين» كأنه رحمه الله يشير إلى أن المجمل عند غير الأصوليين له معنى آخر واصطلاح آخر، والأمر كذلك. فالمجمل عند السلف والأئمة يطلق على ما لا يكفي وحده في العمل، على ما لا يكفي وحده في العمل، وإن كان ظاهرا حقًا، مثل قول الله جل وعلا: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، هذا نص واضح، لكن عند السلف يسمونه مجملًا؛ لأنه لا يمكن العمل بمقتضى هذا النص؛ لأنه يقال: خذ من أموال من؟ وأي الأموال؟ وما مقدار الخارج؟ وإلى غير ذلك. ففيه إجمال. فهذا هو المجمل عند السلف: الذي لا يكفي وحده في العمل، ولو كان ظاهرا، ولو كان نصًا. فهذا هو عند السلف وعند الأئمة: كمالك والشافعي وأحمد، كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. ثم قال رحمه الله -أي أن المجمل عند الأصوليين-: قال: «هو ما تقدم في تقسيم الكلام المفيد إلى نص وظاهر ومجمل، وهو ما احتمل معنيين...». أي: محتمل معنيين، لا مرجحة لأحدهما على الآخر. هذا يسمى مجملًا عند الأصوليين، وهو كذلك. قال: «كـ«القرء» للطهر والحيض...». كم هو «القرء»؟ أو ما هو «القرء»؟ هل هو الحيض؟ أم هو الطهر؟ هذا لفظ مجمل؛ لأن الحيض يطلق عليه «قرء»، والطهر يطلق عليه كذلك «قرء». إذن هذا النص -كما قالوا- نص مجمل؛ لأنه دل على معنيين، لا مرجحة لأحدهما على الآخر. فهو مجمل. إذا كان مجملًا، فماذا سيأتي معنا؟ أن الأصل في المجمل ألا يعمل به، ويتوقف على العمل به بماذا؟ بدليل خارجي، أو بقرينة خارجية ترجح أحد المعنيين. قالوا: وكذلك «الشفق» للحمرة والبياض. أي: متى يخرج وقت صلاة المغرب؟ يخرج «الشفق». لكن «الشفق» يطلق على ماذا؟ يطلق على الاحمرار، ويطلق كذلك على ماذا؟ على البياض. ولا مرجحة لأحدهما على الآخر. قالوا: إذن هذا من ألفاظ «الإجمال». وكذا ذكر «والمتردد بين معانٍ كالعين للباصرة والجارية والنقد». قال: «وهذا مثال الإجمال بسبب الاشتراك في الاسم». أي: أن هذا الإجمال سببه ماذا؟ أن هذه الألفاظ معان لاسم مشترك تحتمل تلك المعاني. فهو اشتراك باعتبار الأسماء. قال: «وقد يأتي بسبب الاشتراك في حرف أو فعل». أي: أن الحرف هو الذي يكون ماذا؟ يكون الإجمال من جهة الحرف، أو أن يكون الإجمال من جهة الفعل. وسيأتي مثال ذلك. قال رحمه الله: «مثاله في الحرف: الواو في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ فإنها محتملة للعطف...». فيكون الراسخون يعلمون المتشابه. ومحتملة للاستئناف، فيستأثر الله بعلمه. وهذا من هذا الباب. فهو الإجمال في ماذا؟ في الحرف. في قول الله جل وعلا في بداية سورة آل عمران: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾. الواو ها هنا: هل هي عاطفة؟ أم أن الواو ها هنا ماذا؟ استئنافية؟ ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ وقوف، ثم استئناف كلام جديد: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾. يحتمل هذا، ويحتمل هذا. قالوا: فهذا هو الإجمال يحتاج إلى ماذا؟ إلى مرجح خارجي. هذا مجمل، لكن هل هو مجمل في الاسم؟ الجواب: لا. مجمل في ماذا؟ في الحرف. قال رحمه الله: «ولفظة «منه» في قوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ مِنْهُ﴾ محتملة للتبعيض...». فيشترط ما له قدر يعلق في اليد. ومحتملة لابتداء الغاية، فلا يشترط. وهذا أيضًا في قول الله جل وعلا: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ مِنْهُ﴾. يقول: «منه» -من هذه- إما أن تكون تبعيضية، فيكون «منه» أي: من التراب. «فامسحوا بأيديكم بعض من التراب». واضحة. فتكون ماذا؟ لابد لمن أراد التيمم أن يعلق بكفه شيء من ماذا؟ من الغبار. هذا إذا كانت «من» تبعيضية. يقول رحمه الله تعالى: «ومحتملة لابتداء الغاية، فلا يشترط». أي: أن المقصود به ماذا؟ ليس المقصود أن يعلق الغبار باليد، ولكن المقصود أن تبتدأ التيمم بأن تضرب بيدك على الأرض. علق غبار أم لم يعلق. هذا حرف احتمل هذا، واحتمل هذا. ولا مرجح لأحد المعنيين باعتبار هذا النص. فيسمى ماذا؟ فيسمى مجملًا. لكن ترجيح هذين المعنيين -كما تقدم- يحتاج إلى إيش؟ إلى دليل خارجي، أو إلى قراءة تدل على أحد المعنيين. قال رحمه الله: «ومثاله في الفعل: قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ مشترك بين «أقبل» و«أدبر»». وهذا أيضًا -أي: إجمال في الفعل- كقول الله جل وعلا: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾. «عسعس» فعل قد يراد به «إقبال». يعني: الاشتراك بين «أقبل» إذا الليل، والليل إذا «عسعس»: أي والليل إذا أقبل. ومحتمل أن يراد به ماذا؟ الإدبار. فيكون التقدير: والليل إذا أدبر. واللفظ محتمل، أو: محتمل لكل المعنيين. ولا مرجح لأحدهما على الآخر. فهو داخل في ماذا؟ في مصطلح «المجمل». فهو مجمل باعتبار هذا الفعل. قال رحمه الله: قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وقد يكون الإجمال في لفظ مركب...». كقوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾. متردد بين الزوج والولي. قوله رحمه الله تعالى: «وقد يكون الإجمال في لفظ مركب كقوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾». من هو الذي بيده «عقدة النكاح»؟ هل هو الزوج؟ الأصل: «عقدة النكاح» فيمن؟ في يدي الزوج. لكن هناك قراءة في الآية دلت على أن المقصود قد يكون ماذا؟ الولي؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾. لذا كان للمفسرين في هذه الآية قولان: قول مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن المقصود به هو من؟ هو الولي. وعن علي: أن المقصود به هو الزوج. أشاهد أن الله مجمل احتمل ماذا؟ احتمل معنيين، لا مرجح لأحدهما على الآخر، باعتبار السياق في نفسه. فكان ماذا؟ مما يدخل في الإجمال. فاحتاج إلى تمييز أحد المعنيين عن الآخر بماذا؟ بالنظر في القراءات والأدلة الأخرى. قال رحمه الله: «وقد يكون بحسب التصريف كـ«المختار»...». يصح لاسم الفاعل، وكذلك اسم المفعول. أي: أن هذا اللفظ «مختار» -مفعال- يصح أن يطلق لاسم الفاعل، واضح. ويصح أن يقال: ويطلق على ماذا؟ على اسم المفعول. فهو بهذا الاعتبار: فيه ماذا؟ إجمال. قال رحمه الله: «كل فعل على وزن «التفاعل» إذا كان معتل العين أو مضعفًا...». يتحد اسم فاعله واسم مفعوله؛ لأن الكسرة المميزة باسم الفاعل، والفتحة المميزة لاسم المفعول: كلتاهما تسقط للاعتلال والتضعيف. قال رحمه الله: «مثاله في معتل العين: «المختار»...». معتل العين: أي الوسط؛ لأن الفعل مكون من الأصل: في الفعل أنه مكون من ماذا؟ من حروف ثلاثة أصلية: الفاء والعين واللام. فا-عال-. فمعتل الوسط: أي معتل ماذا؟ الوسط. يعني: وسط الحرف، أو وسط الكلمة: تكون ماذا؟ فيها حرف علة. قال رحمه الله: «ومثاله في المضعف: «المضطر» و«المحتل»...». وكذلك كل صيغة «فاعل» -يعني مثل هذه- كلها: «المختار» يصدق على اسم الفاعل، وعلى اسم المفعول. و«المصطاد» يصطاد، أو: يقال: «المصطاد» يطلق كذلك على هذا، وهذا. وكذلك «المجتبى» يطلق على هذا، وهذا. قال رحمه الله: «وكذلك كل صيغة «فاعل» مضعفة...». يستوي لفظ اسم فاعلها واسم مفعولها. كما يستوي مضارع المبني لفاعل، ومضارع المبني للمفعول. كمضارع لهما، ومضارع للفعلين. لا: كمضارع لهما، ويضار للفعلين. هكذا. قال رحمه الله: «ولأجله اختلف في إعراب «والدة» في قوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ﴾...». فقيل: فاعل. وقيل: نائب فاعل. وكذلك «كاتب» و«شهيد» في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾. يعني: هل الكاتب الذي هو اسم الفاعل؟ أو الكاتب الذي هو ماذا؟ اسم المفعول؟ وعليهما بنت كذلك: «مساء» و«حكام». قال رحمه الله: «حكم المجمل: التوقف عنه حتى يعرف البيان كما تقدم». هذا هو حكم المجمل. ما هو الحكم في المجمل؟ التوقف عنه حتى يعرف البيان. لماذا التوقف؟ لأن العمل بأحد المعنيين دون ما دليل في المجمل هو من ماذا؟ من القول على الله بلا علم؛ إذ أن الكلمة أو اللفظ يحتمل كلا المعنيين، ولا مرجح لأحدهما. فإذا رجح إنسان أحدهما على الآخر بلا برهان ولا دليل: يكون بذلك ماذا؟ يكون رجح أحد المتماثلين من غير ما برهان ولا دليل. فيكون بذلك قائلًا على الله جل وعلا بغير علم. قال رحمه الله: «وعرف المجمل في «المراقب» بقوله: «وذو وضوح محكم...» والمجمل هو الذي المراد منه يجهل». قال رحمه الله: «تنبيه: قد يكون الإجمال مع الوضوح في وجه آخر...». كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. الآية. فإنه واضح في إتيان الحق، مجمل في مقدار الحق؛ لاحتماله النصف، وأقل، وأكثر. وأشار له في «المراقب» بقوله: «وقد يجيء الإجمال من وجه... ومن وجه يراه ذا بيان من فطن». وهذا الإجمال هو -كما سمعتم- الذي هو معروف عند السلف. فعند السلف: «الإجمال» يتناول هذا. وكذلك يدخل فيه كذلك ما تقدم ذكره. قال رحمه الله: «والتحقيق: أن ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ونحوه... غير مجمل لظهوره من جهات العرف في تحريم الأكل...». وكذلك -يعني- في قوله: «والتحقيق»: أي القول المحقق. في قول الله جل وعلا: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾: أن هذا ليس من باب المجمل. فلا يقول قائل: ما المراد به؟ «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ». هل مقصود: أن لا نستخدم جلودها؟ هل مقصود: أن لا نستخدم مثلا شحمها؟ هل مقصود...؟ يقول: هذا إجمال. لا: ليس هناك إجمال؛ لأن المقصود من «الميتة»: تحريم الميتة. ماذا؟ الأصل فيه: تحريم أكل الميتة؛ لأن الميتة -قبل تحريمها- وقبل البعثة خاصة: كان العرب يأكلون ماذا؟ يأكلون الميتة. فلما يقول ربنا جل وعلا: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾: يقول: خطاب مفهم. منه إيش؟ كانوا يأكلون الميتة. يعني: لا سيما في الجاهلية. فلما أنزل الله جل وعلا: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾: سيفهمون منه ماذا؟ الأكل. إذن هو مجمل أو واضح مبين؟ واضح مبين. لماذا؟ لأنه خطاب يفهم معناه. ليس في لبس، وليس في إشكال، وليس في احتمال. ليس في احتمالين أحد ما أرجح من آخر. قال رحمه الله: «وكذلك قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾... ليس بمجمل؛ لأنه على عمومه إلا ما أخرجه الدليل». يعني: كذلك: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾. هل يأتي إنسان يقول: هذا مجمل؟ لعل الله جل وعلا أراد نوعًا دون نوع من البيع. الجواب: ما هو الجواب؟ لا. بل هو واضح مبين. وعليه تنبني القاعدة الفقهية عند الفقهاء: ما هي؟ أن الأصل في البيع الحل إلا ما دل الدليل على حرمته. فهو أصل واضح. قال رحمه الله: «وكذلك قوله: «لا صلاة إلا بطهور»... ليس بمجمل أيضًا؛ لأن المراد نفي الصحة...». قوله رحمه الله تعالى: «وكذلك قوله: «لا صلاة إلا بطهور»...». كما في صحيح مسلم: حديث ابن عمر رضي الله عنهما. جاء لفظ: «حيث» ابن عمر: «لا يقبل الله صلاة إلا بطهور». ولا صدقة من غلول. لكن جاء في حديث أبي هريرة وغيره عند أحمد: «لا صلاة إلا...» أو «لا صلاة لمن لم يذكر اسم الله عليه». لكن الحديث المذكور ها هنا: حديث ابن عمر. يشير إلى حديث ابن عمر. ولعله رحمه الله تعالى -وعلى- بمعنى الحاصن: أن قوله: «لا صلاة إلا بطهور». هل يفهم منها أن هذا اللفظ -أن هذا المعنى- في إجمال؟ فيقال: «لا صلاة إلا بطهور». يحتمل أنه أراد ماذا؟ «لا صلاة كاملة». يحتمل أن يكون «لا صلاة» كذلك ماذا؟ صحيحة. فالأجل الاحتمال، وعدم المرجح: نقول: هذا لفظ مجمل. فلا نحمل على أحد المعنيين إلا بماذا؟ إلا ببرهان. الشنقيطي رحمه الله تعالى يقول: هذا ليس بصواب. هذا ليس من باب الإجمال. بل هو من باب ماذا؟ من باب الشيء الواضح المبين. لماذا؟ قال رحمه الله تعالى: «ليس بمجمل أيضًا؛ لأن المراد نفي الصحة». واضح. لأن المراد نفي الصحة. يعني: قد يقول قائل: من أين لك أنه نفي الصحة؟ مع أنه يحتمل أو يحتمل ماذا؟ نفي الكمال. فالجواب: أن العلماء -رحمهم الله تعالى- يقولون: بأن النفي له ثلاث مراتب. النفي له ثلاث مراتب. الأولى: نفي ماهية الشيء وحقيقته. نفي ماهية الشيء: هو حقيقة الشيء. المرتبة الثانية: مرتبة ماذا؟ نفي الصحة. المرتبة الثالثة: مرتبة نفي ماذا؟ الكمال. ولا ينتقل إلى المرتبة إلا بعد عدم قبول النص لماذا؟ المرتبة التي قبلها. فالآن ننظر إلى الصلاة: «لا صلاة إلا بطهور». الصلاة موجودة، وغير موجودة. يا جماعة: موجودة. إذن هل انتفت ماهيتها؟ الجواب: لا. إذن ننتقل إلى ماذا؟ الأمر الآخر: الصحة وعدم الصحة. «لا صلاة إلا بالطهور». هل قبل هذا الوصف أم لا ممكن أو لا؟ الجواب: نعم. إذن دل النص على ماذا؟ على أن المنفي هنا: الصحة والإجزاء. الصحة والإجزاء. قال رحمه الله: «والتحقيق أيضًا في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا عمل إلا بنية»... أنه غير مجمل أيضًا...». وحاصل تحرير المقام فيه: «لا عمل إلا بنية». كأنه تصرف. روى الحديث: حديث الأعمال بالنيات. بمعناه: أي: «إنما الأعمال بالنيات». هو بقوة ماذا؟ «لا عمل إلا بنية». إذ أنه يفيد ماذا؟ الحصر. مع أن قوة «لا عمل إلا بنية»: أقوى في الحصر من «إنما الأعمال بالنيات»; لأن بعضهم يقول: بأن لفظ «إنما» ظاهر في الحصر، وليس بنص. بخلاف النفي والإثبات; فإنه نص في النفي والإثبات. هذا عند علماء المعاني. قال رحمه الله: «وحاصل تحرير المقام فيه: أن العمل إن كان عبادة كالصلاة... فالمراد فيه نفي الصحة والاعتماد...». قوله رحمه الله تعالى: في قوله: «والتحقيق أيضًا في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا عمل إلا بنية»... أنه غير مجمل أيضًا». وحاصل تحرير المقام فيه: الضمير عائد على ماذا؟ الضمير عائد على قوله: على الحديث: «لا عمل إلا بنية». أن العمل إن كان عبادة كالصلاة: فالمراد فيه نفي. فالمراد فيه نفي الصحة والاعتماد. بمعنى: أن الصحة -أن صحة ذلك العمل- ليست بما بصحيحة. ولا معتمدة. مثل ماذا؟ مثل إنسان يصلي لا بنية. مثلا: صلى الظهر بنية النافلة. ما حكم صلاته؟ ها جماعة: صحيحة أو غير صحيحة؟ غير صحيحة. فها هنا يقال: «لا عمل إلا بنية». ينصب على ماذا؟ إذا كان باب العبادة: ينصب على ماذا؟ على الصحة وعدمها. على الصحة وعدم الصحة. من صلى بنية صلاة صحيحة. من تعبد لله جل وعلا بنية. فماذا؟ في عبادته صحيحة. هذا في باب ماذا؟ في باب العبادة. فهو يقول: أن العمل إن كان عبادة كالصلاة: فالمراد فيه نفي الصحة والاعتماد. أي: «لا عمل إلا بنية». أي: لا عمل صحيح. التقدير: واضح. «لا عمل إلا بنية» في العبادات: أي لا عمل صحيح إلا بنية. قال: «وإن كان معاملة... فهو يصح ويعتد به دون النية إجماعًا...». يعني: لو قدر: «لا عمل» -غير العبادة- «إلا بنية». واضح. التقدير الأول: «لا عمل» -من العبادات- «إلا بنية». هنا نفي ماذا؟ نفي الصحة. الآن على التقدير الثاني: «لا عمل» -من الأعمال غير العبادات- «إلا بنية». يقول: نفي هنا ماذا؟ هل هو نفي الصحة؟ هيا جماعة! يعني: إنسان مثلا عليه دين. إنسان عليه دين. أعطى صاحب الدين المال. هو كاره. يعني: الحاكم مثلا ألزمه بأن يعطي ما عليه من الدين. الآن من حيث الصحة والإجزاء: حصل أو لا؟ حصل. رجل آخر عليه زكاة. أراد أن يمنعها. أخذها منه الحاكم بالقوة. سقط عنه وجوب الزكاة أم لا؟ سقط عنه وجوب الزكاة. إذن ما هو المقصود؟ «لا عمل إلا بنية». بهذا الاعتبار: «لا عمل» يثاب عليه. تكون مرتبة ماذا؟ هنا الثالثة. «لا عمل» يثاب عليه إلا بماذا؟ إلا بنية. بمعنى: أنه لو قضى الدين بقصد أن هذا الرجل أحسن إلي. وأنا لأجل أنه أحسن إلي: أحسن إليه; لأن «خيركم أحسنكم قضاءًا». لوجه الله تبارك وتعالى. هذا ماذا؟ يؤجر على هذه النية أم لا؟ يؤجر. رجل آخر جاء وقت الزكاة. أعطاها طيبة بها نفسه. يؤجر على تلك النية أم لا؟ الجواب: نعم. وكذلك يقول في بقية ماذا؟ في بقية الصور المسائل التي ذكرها رحمه الله. قال رحمه الله: «وكل هذه المسائل التي ذكرنا أنها غير مجملة... قال فيها بعض العلماء بالإجمال...». مستدلًا بأن الصور غير منفية. هنا: فالنفي -أو: فالمنفي-. والأظهر هو أن نقول: فالنفي. «إذن غيرها». واضحة. يعني: يقول: وكل هذه المسائل التي ذكرنا أنها غير مجملة. قال بعض العلماء بالإجمال. مستدلًا بأن الصور غير منفية. أي: صور أخرى التي ما ذكرت. غير منفية. بل داخلة في المعنى. واضح. فإذا نفيتها: يجب عليك أن تنفي بقية ماذا؟ الصور. إذ لا مرجح لك بإثبات بعض المعاني على بعض. واضح. فيقول هنا: فيقال: «فالنفي إذن غيرها». أي: من المعاني. واضح. قال: «وقد علمت التحقيق فيه... وأنه غير مجمل...». وإليه الإشارة بقول صاحب «المراقي»: «والنفي للصلاة والنكاح وشبه... محكم لدى الصحاح». وكما تقدم: أنها ليست من باب الإجمال. قال رحمه الله: «وكذلك خبر: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان»... على تقدير ثبوت هذا اللفظ...». يعني: أتأمل قوله: على تقدير ثبوت هذا الخبر. كأنه يشير إلى ماذا؟ الخلاف والصحة: أنه لا يثبُت. وعلى ثبوت الحديث: لا تثبت هذه اللفظة. على ثبوت حديث: «إن الله...». يعني: لفظ الحديث الذي يحسنه بعض أهل العلم: كالعلامة الألباني رحمه الله تعالى. وغيره من العلماء. بلفظ ماذا؟ «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». تجاوز. أما لفظ: «رفع» أو «رفع عن أمتي». لفظ «رفع»: الشيخ البير رحمه الله تعالى حكم عليها على هذا اللفظ بالنكارة. واضح. لكن العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى يقول: على فرض ثبوتها. قال رحمه الله: «وكذلك خبر: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان»... على تقدير ثبوت هذا اللفظ... ليس بمجمل أيضًا؛ لأن العرف يبين أن المراد رفع المؤاخذة...». وهو الحق. ولا يلزم من ذلك رفع ضمان ما أتلفه خطأ أو نسيانًا. وهذا توجيه حسن. لو صح الحديث. بمعنى: لو صح الحديث: يكون معنى «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان»: ليس معنى الرفع الكامل المطلق. ولكنه رفع خاص مقيد. ما هو الخاص المقيد؟ أي: رفع ماذا؟ المؤاخذة أو الإثم. لا الضمان. واضحة. قال رحمه الله: «لأن ضمان المتلفات وأروش الجنايات... من خطاب الوضع...». ولذا يلزم الصبي -مع أن القلم مرفوع عنه-. ويجب على العاقلة في ذي الخطأ -مع أنهم لا علم لهم بالجناية-. واضح. وقد مر معنا الكلام على الأحكام الوضعية: أنها إنما تتعلق باعتبار ماذا؟ باعتبار الأسباب. باعتبار الشروط والموانع والعلل. إلى غير ذلك. فالآن: الصبي لو أتلف شيئًا. الصبي غير مكلف. لكن ضمين وليه. أو ضمين هو بماله -إن كان ذا مال-. باعتبار ماذا؟ باعتبار أنه سبب لذلك الإتلاف. وإذا كان سببا لذلك الإتلاف: ضمين. لماذا؟ لأن الأسباب: هل هي من باب الأحكام التكليفية؟ أو الأحكام الوضعية؟ هذه -جماعة- الوضعية. كذلك: الدية العاقلة قتل إنسان خطأ. إنسان قتله خطأًا. يقال: الدية على العاقلة. الدية العاقلة يقول: ما نحن ما دخلنا في هذه القضية. ما علمنا لا من قريب ولا من بعيد. كيف نضمن؟ يقال: ماذا؟ هذا حكم وضعي. كون أحد قرابتكم حصل منه ذلك. فهو سبب له ثبوت الحكم عليكم. واضح. فهو من الأحكام ماذا؟ الوضعية. قال رحمه الله: «وما ذكره المؤلف عن أبي الخطاب... من أن إرادة نفي المؤاخذة لا تصح...». مستدلًا بأنه لو أراد نفي الإثم: لم يكن لهم في هذه الأمة مزية; لأن الناس -غير مكلف- في جميع الشرائع; لأن الناس... نعم. لأن الناس غير مكلف في جميع الشرائع. فيه عندي أمران. أولًا: يعني: كلام أبي الخطاب يقول ردًا على الحديث: من أراد من أن قالوا: «ما ذكره المؤلف عن أبي الخطاب: من أن إرادة نفي المؤاخذة لا تصح». مستدلًا -أو: مستدلًا بأنه لو أراد نفي نفي الإثم: لم يكن لهم في هذه الأمة مزية. كأنه يقول ماذا؟ يقول: الحديث -على ثبوته- يحمل على ماذا؟ على إطلاقه. وعلى عمومه. أي: أنه يرفع عنهم كل شيء. إذا فعل شيء خطأ أو نسيان: يرفع عنهم ماذا؟ كل شيء. الضمانات والإثم. من باب أولى. أما إذا خصصنا بالإثم: يقول: هذا الحديث يكون ماذا؟ ليس فيه مزية لهذه الأمة عن غيرها. إذ أن رفع الإثم بالخطأ والنسيان: كذلك ثابت لمن؟ للأمة السابقة. هذا حاصل ما ذكره أبو الخطاب. ونقل عنه الإمام بن قدامة. قال رحمه الله: «فيه عندي أمران: أحدهما: أن رفع إثم الناس والمخطئ... من غير هذه الأمة... غير مسلم...». لورود أدلة تدل على اختصاص هذه الأمة بعفو الخطأ والنسيان... وما استكره عليه. قال رحمه الله: «منها: هذا الحديث الذي نحن بصدده...». فقوله: «عن أمتي». يفهم منه: أن غيرها ليس كذلك. نعم. وعلى اللفظ الآخر: أوضح. أن الله تجاوز... قال رحمه الله: «ومنها: حديث طارق بن شهاب... في الذي دخل النار في ذباب...». فقرّبه لصنم. مع أنه مكره بالخوف من القتل؛ لأنهم قتلوا صاحبه لما أبى عن ذلك. هذا الحديث لا يثبت -كما هو معلوم-. بل: صحيح فيه ماذا؟ الوقف. بعض قالوا: بأنه من الإسرائيليات. قال رحمه الله: «ومنها: أن قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾... وقول الله: «قد فعلت»... كما ثبت في صحيح مسلم...». أي: ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس. وكذلك بنحو من حديث أبي هريرة: أن الله جل وعلا لما نزل قول الله جل وعلا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. قال الله تبارك وتعالى: «قد فعلت». فقول الله جل وعلا عن المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. إذا كانت الأمم السابقة -إذا كانت الأمم السابقة- مرفوعًا عنها الخطأ والنسيان. فهذه الأمة من باب أولى. أو لا من باب أولى؟ فلماذا إذن يدعو؟ وقول الله جل وعلا: «قد فعلت». يدل على ماذا؟ على أن الأمم السابقة لم يكن مرفوعًا عنها الإثم بالخطأ والنسيان. واضح. إذا هو خاص بمن؟ بهذه الأمة. قال رحمه الله: «ومنها: أن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلِ فَنَسِيَ﴾...». فأضاف إليه العصيان والنسيان. فدل على المؤاخذة به. يعني: وجه الدلالة من هذه الآية -مع الآية التي تليها- ما هو؟ وجه الدلالة: أن الله جل وعلا قال: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلِ فَنَسِيَ﴾. ماذا عهد إليه ربه تبارك وتعالى؟ أن لا يأكل من ماذا؟ من الشجرة. فنسي. فماذا؟ فأكل. فقال ماذا؟ ربنا تبارك وتعالى -أو: قال ربنا تبارك وتعالى في الآية الأخرى-: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾. فأثبت له العصيان بماذا؟ بالنسيان. يقول: فدل ذلك على أن الأمم السابقة مؤاخذة بماذا؟ بالنسيان. واضح. وجه الشاهد؟ فاضح. قال رحمه الله: «وأما على القول بأن «نسي» بمعنى «ترك»... فالدلالة في الآية...». أي: أن قول الله عز وجل عن آدم: ﴿فَنَسِيَ﴾. أي: ترك. عهد الله. يقول: هذا في نظر. يحتاج إلى ماذا؟ إلى برهان. بل يقول: المقام اللائق به: بأنه «نسي» بمعنى: ذهل وغفل. فحصل منه ما حصل. وكانوا يؤاخذون على النسيان. قال رحمه الله: «ومن الأدلة على مؤاخذتهم في الإكراه... قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾...». فهذا صريح في الإكراه. مع أنهم قالوا: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾. فدل على عدم عذرهم به. قال رحمه الله: «ثانيهما: هو أن نقول: متعلق الرفع في قوله: «رفع عن أمتي...» إلى آخره... لا بد أن يكون أحد أمرين... أو كليهما...». وهما الإثم والضمان. إذ لا وصف يتعلق به الرفع إلا الإثم والضمان. والإثم مرفوع قطعًا -لقوله تعالى-: ﴿وَلَيْ