الدرس في شرح عقيدة الرازيين 6، ألقاها
يتناول المقطع عقيدة أهل السنة والجماعة في صحابة رسول الله، ويبرز ترتيب أفضل الصحابة بعد النبي. يشير إلى اتفاق العلماء على هذا الترتيب وأهمية أمة الإجابة وخيرية هذه الأمة.
يُذكر فضل أبو بكر الصديق وأدلته من السنة النبوية، حيث ورد في صحيح البخاري أن الصحابة كانوا يرون أن أفضل الأمة بعد النبي محمد هو أبو بكر. كما جاء في صحيح البخاري ومسلم أحاديث تبرز مكانته وفضله.
يُبين المقطع مكانة الصحابة عند الله وعند المؤمنين، ويشير إلى موقف الرافضة من الصحابة، حيث ينتقدونهم ويعتبرونهم كفارًا إلا قلة منهم. يُوضح أن هذا الموقف يُعتبر كفرًا بالله العظيم.
يختتم الدرس معلناً تأجيل باقي الموضوع إلى الليلة التالية، ويشير إلى خطورة الكفر بعد نبي الله، ويختم بالدعاء والاستغفار.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا، من يهديه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمامان الرازيان رحمهم الله تعالى، وهما يبينان عقيدة أهل السنة والجماعة، قالا: وخير هذه الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب، عليهم السلام، وهم الخلفاء الراشدون المهديون. وأن العشرة الذين سمّاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد لهم بالجنة على ما شهد به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله الحق، والترحم على جميع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، والكف عما شجر بينهم. هذه الفقرة تضمنت كبحث عام الكلام على عقيدة أهل السنة والجماعة في صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وتحت هذا عدة مباحث ومسائل، أولها قولهم أو قولهما: وخير هذه الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام أبو بكرٍ ثم عمرٍ إلى آخر ما ذكر، ففيه دلالةٌ واضحة على مسألة التفضيل بين الصحابة، وهذا هو القول الصحيح الذي عليه جماهير العلماء وجماهير السلف، وهو الذي دلَّت عليه الأدلة من كتاب الله جل وعلى، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل واتفاق الطبقة الأولى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه. فالخلاف وقع بعد اتفاق الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم على القول بالتفضيل، وأن أفضل هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم هو أبو بكر. وقولهما: وخير هذه الأمة، الإشارة بهذه الأمة أمة الإجابة، وهي التي أجابت دعوة نبيها صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وهذه الأمة كما هو معلوم خير أمةٍ أخرجت للناس، قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس﴾، فهذه الأمة هي خير الأمم وأفضل الأمم وأعظم الأمم منزلةً عند الله جل وعلى. قال نبينا صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود: «خير الناس قرني، أو قال: الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». ومن نحوه من حديث عقبة بن عامر، ومن حديث أنس في آخرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أجمعين، فهذه الأمة هي خير الأمم، ونبيها صلى الله عليه وسلم خير الأنبياء. فخير هذه الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام أبو بكر الصديق، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وهذا كما سمعتم محل اتفاق، نقل الاتفاق على ذلك غير واحد من العلماء، منهم الإمام ابن القطان الفاسي في كتاب الإقناع، فقد قال: واتفق العلماء على أن أفضل هذه الأمة أهل بدر، وأفضل أهل بدر العشرة، وأفضل العشرة الخلفاء الأربعة، وأفضل الخلفاء الأربعة أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي. بل ونقل الإمامان الرازيان هذا القول في هذا المعتقد يدل على نقل الإجماع، لأنه كما مر معنا ما ذكر في هذا الكتاب مجمع عليه. لأنهم قالوا: أدركنا الناس حجازًا وعراقًا وشامًا ويمنًا على ما ذكروا من العقيدة، ومن ضمنها هذا المبحث، أي الكلام على أفضلية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على تفضيل الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم على أفضلية أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي. وجاء في صحيح البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: «كنا نقول أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان»، قال: ويسمع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينكره. وهذه زيادة جاءت عنده ابن أبي عاصم بإسناد صحيح: «أشهد أن الصحابة رضي الله عنهما أرضاهم كانوا يقولون هذه المقالة: أفضل هذه الأمة أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان»، ومع هذا يسمعها النبي صلى الله عليه وسلم ولا ينكرها، وهذا يدلنا على أفضلية هؤلاء. والأمر كما ذكر، جاء في صحيح البخاري أيضًا عن محمد بن الحنفية، أي ابن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، أنه قال: «سألت أبي: من خير الناس من أمة محمد؟ أو قال: من خير الناس في هذه الأمة؟ فقال أبو بكر، قال: قلت ثم من؟ قال: ثم عمر، قال: فخشيت أن يثلث بعثمان، فقلت: ثم أنت؟ فقال: ما أنا إلا رجل من المسلمين»، ما أنا إلا رجل من المسلمين، وهذا يدلنا على أفضلية هؤلاء الصحابة، وعلى مكانتهم رضي الله عنهم وأرضاهم. والأمر كما ذكر، خير هذه الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام أبو بكر الصديق، عبد الله بن عثمان التيمي القرشي، رضي الله عنه وأرضاه، وهو رأس هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ولقب بالصديق، قيل: لكمال تصديقه لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وقيل: إنه سمي بذلك صبيحة يوم الإسراء، إذ كذبت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقه أبو بكر، فسمي بالصديق، ومناقبه مشهورة، مأثورة، معلومة، رضي الله عنهم وأرضاه. منها قول الله جل وعلا: ﴿ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾، إذ يقول لصاحبه، هكذا وصف الله جل وعلا أبا بكر الصديق بأنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الله جل وعلا معه ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾. في أحاديث كثيرة تدل على هذا الأمر، منها حينما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الجنة لها ثمانية أبواب تفتح، فقال: «يا رسول الله، هل من سبيل إلى أن يدخلها أحد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، وإني لا أرجو أن تكون أنت منهم»، أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وجاء كذلك في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، حينما سأل النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ قال أبو بكر: أنا. قال: من عاد منكم اليوم مريضًا؟ قال أبو بكر: أنا. قال: من تبع جنازة؟ قال أبو بكر: أنا. قال: من تصدق اليوم؟ من أطعم اليوم منكم مسكينًا؟ قال أبو بكر: أنا»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمعنا في امرئ إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية». وجاء في حديث أبي موسى في صحيح البخاري، حينما وقع بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر وأخبره بما حصل بينه وبين عمر، ثم جاء عمر، فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: «هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ لقد جئتكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت، وواسان بأهله وماله»، فقال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه: فكان لا أحد يكسر بعد ذلك على أن يتعرض لأبي بكر، ما أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكسر أن يتعرض بشيء من الأذية أو الإيذاء لأبي بكر الصديق، رضي الله عنه وأرضاه، وذلك لمكانتهم، لمكانتهم العظيمة. وكذلك لمكانتهم العظيمة، إذ أنهم يحبون ما أحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويبغضون ما يبغضه، ولا أدل على ذلك مما حصل يوم سقيفة بني ساعدة، حينما وقع الخلاف على الخلافة، فتكلم أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه فأحسن، ثم تكلم عمر فأحسن، وقال أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه: «الأئمة من قريش، وأنتم الوزراء»، أي قال للأنصار، ثم قال عمر: أو قال لعمر ولأبي عبيدة: «فلنمد أحدكما يده فلنبايعه»، فقال عمر: «والله ما كرهت شيئًا مما قاله أبو بكر كراهة ما قالته تلك»، ثم ذكر ما ذكر من فضل أبي بكر الصديق. حتى قال لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار الحاضرين: «لقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استخلفه على صلاتكم، أفلا تستخلفونه على دينكم أو على دنياكم؟ ثم قال: وأيكم يرضى أن يكون إمامًا على أبي بكر؟ فقال الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم: والله لا نرضى، قالوا: والله لا نرضى»، أي لا نرضى أن نتقدم على أبي بكر، لماذا؟ لأن الكل يعرفون مقامه ويعرفون له منزلته، رضي الله عنه وأرضاه. فقال له عمر: «أبسط يدك نبايعك»، فبسط يده، فأقبل الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم يبايعونه، وكان ذلك إجماعًا بفضل الله تبارك وتعالى، وثبتت الأحاديث في ذلك، أي في أفضلية أبي بكر وأنه الأحق بالخلافة، في إشارات أشار بها النبي صلى الله عليه وسلم، أم على أن أبا بكر هو الذي يكون بعده وهو الذي يستحق الخلافة. كما قال حينما نادى وطلب أن يكتب كتابًا فوقع الخلاف، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «انصرف»، ثم قال في مقام آخر: «يأبى الله ورسوله والمؤمنون إلا أبا بكر»، إلا أبا بكر، أي أن يكون خليفة على المسلمين بعده. وكما سمعتم فضائله أكثر من أن تذكر في هذا المقام وفي هذا الوقت الضيق، فرضي الله عنه وأرضاه. وكما سمعتم، أبو بكر الصديق لا يتنازع فيه اثنان من أهل هذه الملة ممن يؤمن بالله واليوم الآخر ويؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، خلاء رافضي خبيث لا يعتقد هذه المكانة لهذا الصحابي الجليل، والخليفة الآخر عمر، والخليفة الثالث عثمان، رضي الله عنهم أجمعين. والسلف الصالح حينما يذكرون هذا الاعتقاد في كتبهم يذكرونه بسبب ما وقع من الخلاف والنزاع، فإن الأمة كانت في الزمن الأول محل اتفاق، لا خلاف بينها في أفضلية هؤلاء الصحابة، وأن لهم المكانة الرفيعة، وأن لهم المقام السامي عند الله رب العالمين جل وعلا، ثم عند عباده المؤمنين، حتى رفضت الرافضة وخرجت الخوارج، فوقع منهم ما وقع في أصحاب رسول الله، ونصبت النواصب، فالناس في باب الصحابة طرفان ووسط. الطرف الأول الروافض الذين كفروا عامة الصحابة أو فسقوهم، إلا بضعة عشر، هؤلاء كفروا جميع أصحاب رسول الله إلا بضعة عشر، قالوا: بأنهم كفروا وارتدوا ورجوا على عقابهم، وهذا قول منكر، وهذا إفك عظيم وذنب جسيم. بل نقل غير واحد الإجماع على أن من زعم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كفروا كلهم أو أكثرهم، أو أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقوا كلهم أو أكثرهم، بأنه كافر بالله العظيم، ومن شك في كفره فإنه كافر. نقل هذا الإجماع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، كما في آخر كتابه الصارم المسلول في طاعتي الرسول. بل نقل رحمه الله تعالى عن بعض الأئمة كعبد الله بن إدريس أن من طعن في أبي بكر الصديق أو كفر أبا بكر الصديق، من كفر أبا بكر الصديق بأنه كافر بالله العظيم، لماذا؟ لأن من كفر أبا بكر فهو لغيره ماذا؟ أولى وأولى، إذا كفر خير هذه الأمة بعد نبيها فبعده كيف؟ أولى وأولى. نكتفي بهذا القدر في هذه الليلة، وما تبقى نؤجل إلى الليلة اللاحقة بإذن الله تبارك وتعالى. إلى هنا، سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.