شرح عقيدة الرازيين 9

الدرس في شرح عقيدة الرازيين 9، ألقاها

عقيدة أهل السنة والجماعة في رؤية الله تعالى

تؤكد هذه الفقرة على أن رؤية الله تعالى يوم القيامة من عقيدة أهل السنة والجماعة، مستندين إلى القرآن والسنة. رؤية الله تعتبر خيرًا عظيمًا للمؤمنين يوم القيامة وفي الجنة.

إجماع السلف وفرق الناس في مسألة الرؤية

يشرح هذا الفصل إجماع السلف على رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، ويبين أن الناس في هذه المسألة على ثلاث فرق. رؤية الله يوم القيامة من أعظم نعيم أهل الجنة.

صفات كلام الله جل وعلا عند أهل السنة

يؤكد هذا الفصل على أن كلام الله بحرف وصوت حقيقي، وأنه يتكلم متى شاء وكيف شاء. هذا يختلف عن معتقد الجهمية والمعتزلة والأشاعرة الذين ينفون أو يفسرون هذه الصفة بشكل مختلف.

الرد على من ينفي صفة الكلام عن الله تعالى

يناقش هذا الفصل نفي بعض الناس صفة الكلام عن الله تعالى، بينما يصف الله تعالى نفسه بهذه الصفة. الله منزه عن النقص وتعالى عما يقول هؤلاء الناس.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمامان الرازيان رحمهم الله تعالى: «وأنه تبارك وتعالى يرى في الآخرة، يراه أهل الجنة بأبصارهم، ويسمعون كلامه كيف شاء وكما شاء». قولهما: «وأنه تبارك وتعالى يرى في الآخرة»، أي ومن عقيدة أهل السنة والجماعة المجمع عليها أن المؤمنين يرون ربهم تبارك وتعالى يوم القيامة. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن رؤية المؤمنين لله رب العالمين تبارك وتعالى يوم القيامة تكون في موضعين: الأول في العرصات، والثاني في الجنة. أي بعد أن يدخل أهل الجنة الجنة، فيرى المؤمنون ربهم تبارك وتعالى كما يرون القمر ليلة البدر، ليس دونه سحاب. ويدل على هذا أدلة كثيرة من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمنها قول الله جل وعلا عن الكافرين: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾. ثبت عن إمام الشافعي بإسناد صحيح أنه قال: «لما حجب الله الكفار حال سخطه، دل على أن المؤمنين يرونه حال رضوانه» أو كما قال. والآية تدل على هذا المعنى، إذ لو حجب المؤمنون لما كان فرق في الآية بينهم وبين الكافرين. فقول الله جل وعلا: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ يدل على ماذا؟ يدل على أنهم حرموا خيرًا عظيمًا، وهو رؤية الله جل وعلا. ويدل على أن المؤمنين ينالون هذا الخير، أي ينالون رؤية الله. ويدل عليها أيضًا قول الله جل وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. ودل على أن النظر حقيقي، قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، أي تلك الوجوه، فدل على أن النظر حقيقي بعين البصر التي في ذلك الوجه. لأن الرؤية إذا أضيفت إلى الوجه، فإنها تدل على أنها رؤية حقيقية، رؤية بالبصر، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾، أي أنه يقلب بصرهم في السماء، ينتظر الفرج من الله تبارك وتعالى في تغيير القبلة. وأيضًا في الآية دليل آخر يدل على أن المقصود بالرؤية رؤية العين، إذ أن النظر في الآية عُدِّي بإلى، والقاعدة عند العلماء أنه يدل على نظر العين، أي النظر الحقيقي. قال الله جل وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، فدل على أن النظر هاهنا نظرًا حقيقيًا. وجاء كذلك في صحيح مسلم من حديث صهيب رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ قول الله جل وعلا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، وفسر الزيادة بأنها النظر إلى وجه الله. وإن كان بعض أهل العلم أعلَّ هذا الحديث، ورجح فيه الإرسال. ومن الأدلة كذلك ما جاء في الصحيحين من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليس دونه سحاب»، وفي بعض الروايات: «كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته»، وفي رواية: «كما ترون الشمس ليس دونها سحاب». فشبه الرؤية بالرؤية للمرء بالمرء، وهذا حديث صريح واضح يدل على أن المؤمنين يرون حقًا ربهم تبارك وتعالى بأبصارهم، كما ترون الشمس، كما ترون القمر، فهي رؤية بالعين حقيقة، وذلك فضل الله تبارك وتعالى يؤتيه من يشاء. ورؤية المؤمنين لربهم جل وعلا مجمع عليه بين السلف، لا خلاف بين السلف في ذلك. وإنما أنكرها أول من أنكرها الجهمية، عليهم من الله ما يستحقون، فهم أول من نفى الرؤية عن الله جل وعلا، فقالوا بأن الله جل وعلا لا يرى. فرد الأدلة من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وهي أكثر من أن تذكر، وأشهر من أن تحصر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وهو يتكلم على مسألة رؤية الله جل وعلا يوم القيامة، قال بعد أن ذكر الأدلة، وذكر إجماع السلف على ثبوتها: «ومن أنكر الرؤية، فإنه كافر بالله جل وعلا عند جماهير السلف»، قال: «إلا أن يكون جاهلًا، فإنه يعلم ويبين له، فإن أصر على ذلك وعاند، فإنه يكفر». والناس في رؤية الله جل وعلا على ثلاث فرق عمومًا، أي من حيث الجملة. الفرقة الأولى، وهي الطائفة المنصورة أهل السنة والجماعة أهل الحق، يثبتون الرؤية لله جل وعلا، بأن الله جل وعلا يرى، كما دلت على ذلك الأدلة من كتاب الله، ومن سنة رسول الله، وأجمع عليها سلف الأمة وأئمتها. الطائفة أو الفرقة الثانية الجهمية، النفاة المعطلة، فهم ينفون عن الله الرؤية، يقولون بأن الله جل وعلا لا يرى. والفرقة الثالثة من يقول بأن الله جل وعلا يرى في الدنيا والآخرة. وكلا الفرقتين على ضلال وعلى زيغ، والعياذ بالله. أما الجهمية فقد تقدمت الأدلة الدالة على رؤية الله جل وعلا يوم القيامة. وأما هؤلاء الذين يقولون بأنه يرى كذلك في الدنيا، فيرد عليهم قول النبي صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا»، إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا، فدل على أن أحدًا لا يرى ربه تبارك وتعالى حتى يموت. قال رحمه الله: «يراه أهل الجنة بأبصارهم»، كما تقدم، وجاءت في ذلك الأدلة بأن أهل الجنة يحل عليهم رضوان، ومن أعظم ما يكرم به أهل الجنة أن يروا ربهم تبارك وتعالى، فهو من أعظم النعيم الذي ينعم به ربنا تبارك وتعالى على أهل الجنة، بأن يمكنهم من رؤية وجهه الكريم سبحانه وتعالى. قال: «ويسمعون كلامه كيف شاء وكما شاء»، أي أن الله جل وعلا يكرم أهل الجنة بأن يخاطبهم، وأن يكلمهم، كما دلت على ذلك الأدلة الكثيرة. ومنها ما جاء في حديث أنس في الحديث المشهور بحديث المزيد، أي يوم الجمعة، وأنه سمي يوم المزيد، وهو حديث الحسن بمجموع طرقه. وفيه أن الله تبارك وتعالى إذا كان يوم الجمعة، أي في الجنة، يأتيهم ربنا تبارك وتعالى، يأتي عباده المؤمنين، فيرونهم، ويحقق لهم، ويكرمهم، يحقق لهم ما يتمنونه، ويكرمهم ربنا تبارك وتعالى أعظم الإكرام، فإنه أكرم الأكرمين تبارك وتعالى. حتى إن أهل الجنة ينتظرون الجمعة إلى الجمعة؛ لأجل أن يتحقق لهم، ويتكرر لهم ذلك الإنعام، وذلك التكريم من الله رب العالمين جل وعلا. فيكلمهم ربنا تبارك وتعالى كيف شاء، وكما شاء. وهذه من الكرامات التي يكرم بها ربنا تبارك وتعالى أهل الجنة. وفي قولهما: «ويسمعون كلامه»، فيه دلالة واضحة على مذهب أهل السنة والجماعة من أن كلام الله جل وعلا بحرف وصوت، وأن كلام الله جل وعلا يسمع، وأنه كلام حقيقي. لذا قالوا: «ويسمعون كلامه»، أي أهل الجنة يسمعون كلام الله جل وعلا، فدل ذلك على أن الله جل وعلا يتكلم حقيقة بصوت وحرف؛ لأن هذا هو حد الكلام وحقيقة الكلام عند العرب. كما قال الإمام ابن مالك رحمه الله تعالى في الخلاصة: «كلامنا لفظ مفيد كاستقم»، فكلام العرب هو لفظ، وهو كذلك ماذا؟ مفهم. واللفظ ما تكون من حروف وكلمات، وكان ملفوظًا بصوت، فهو صوت وحروف وكلمات مفيدات. وقولهما: «ويسمعون كلامه كيف شاء وكما شاء»، فيه دلالة كذلك على مذهب أهل السنة والجماعة من أن الله تبارك وتعالى يتكلم متى شاء، كيف شاء، مع من شاء. فآحاد كلام الله جل وعلا من صفات الله جل وعلا الفعلية. فالله جل وعلا كلامه باعتبار نوعه أزلي، وباعتبار أفراده وآحاد حادث، بمعنى أن الله جل وعلا يتكلم متى شاء، بما شاء، كيف شاء، مع من شاء، سبحانه وتعالى، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. فربنا تبارك وتعالى من صفات الكلام يتكلم بما شاء، متى شاء، كيف شاء، خلافًا لمن نافى كلام الرب جل وعلا من الجهمية، ومن فرخ من الجهمية من المعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية وغيرهم، ممن خرج عن الصراط المستقيم والطريق القويم في كلام الله جل وعلا. فأهل السنة والجماعة من عقيدتهم أن الله جل وعلا متكلم، يتكلم بما شاء، كيف شاء، مع من شاء، سبحانه وتعالى. وأن كلام الله جل وعلا صفة من صفات الله، أن كلام الله جل وعلا من صفات الله جل وعلا ليس بمخلوق، لا كما تقول الجهمية بأن كلام الله جل وعلا مخلوق، تعالى الله وتقدس عن قول هؤلاء الظالمين علوًا كبيرًا. كيف يكون كلام الله جل وعلا مخلوقًا، وهو صفة من صفات الله جل وعلا؟! الله جل وعلا من صفاته أنه يتكلم، ويقول، وينادي، ويناجي. قال الله جل وعلا: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾. قال الله جل وعلا: ﴿فَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾. وقال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، إذ قال ربك للملائكة. وقال الله جل وعلا: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ نِدَاءً وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾. وهكذا ينادي ربنا تبارك وتعالى، ويناجي من شاء بما شاء. جاء في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان»، ما منكم من أحد إلا وسيكلمه الله، ليس بينه وبينه ترجمان، واضح، كلام صريح، لا غبار فيه ولا لبس. وجاء في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يدني المؤمن منه يوم القيامة، فيضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه، فيقول له: ألم تفعل كذا في يوم كذا؟ ألم تفعل كذا؟»، قال: «حتى إذا ظن أنه قد هلك، فيقول له ربه تبارك وتعالى: إني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم»، كلام واضح صريح. ويأتي هؤلاء الضلال فيقولون: بأن الله جل وعلا يتكلم، وأن الكلام إذا ثبت في حق الله جل وعلا يلزم منه النقص لله تبارك وتعالى، تعالى الله وتقدس. أأنتم أعلم أم الله؟ الله جل وعلا يصف نفسه بصفة الكلام، وهؤلاء ينفون عن الله جل وعلا هذه الصفة، بزعمهم أنها نقص لا تليق بالله جل وعلا، فتعالى الله وتقدس عن قول هؤلاء علوًا كبيرًا. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على