الخوف من الله الجزء الثاني

المحاضرة بعنوان الخوف من الله الجزء الثاني، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر الاثنين ٢١ ربيع أول ١٤٣٦هـ ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

إخلاص الخوف لله وتقديم رضاه

يؤكد الدرس على وجوب إخلاص الخوف والخشية لله وحده، وأن رضا المخلوقين تابع لرضا الخالق. من أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس.

تفسير الوسيلة والعبادة الصحيحة

يفسر المقطع "الوسيلة" بأنها الحاجة والطريقة للتقرب إلى الله، مستدلاً بقول ابن عباس وشعر عنترة. العبادة الصحيحة تجمع بين الخوف والرجاء والمحبة، ويرد على طوائف الخوارج والمرجئة والمتزندقة.

منهج الخوارج والمرجئة وأهل السنة

يشرح المقطع كيف غلَت الخوارج في الخوف فكفّروا مرتكب الكبيرة، وكيف غلَت المرجئة في الرجاء فأثبتوا كمال الإيمان للعاصي. أهل السنة يجمعون بين نصوص الوعد والوعيد، مثبتين الإيمان ونافين كماله عند المعصية.

ختام الدرس والدعاء والتكبير

يختتم المتحدث بالتأكيد على أن صلاة الجمعة هي الحق الواجب، ثم يدعو الله بالتوفيق ويصلي ويسلم على النبي محمد وآله وصحبه. يتبع ذلك التكبير وشهادتي الأذان.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فذكرنا في الدرس الماضي عبادة عظيمة من العبادات القلبية، ألا وهي عبادة الخوف من الله جل وعلا. وذكرنا أن الله جل وعلا أمر عباده بأن يخافوه وحده جل وعلا، وأن يخشوه وحده، وأن يرضوه وحده جل وعلا الرضا التام الكامل. أما رضا المخلوق فإنما يكون في رضا الخالق، لا يمكن لأحد أن يرضي مخلوقاً في غير رضا الخالق، وإنما إذا أرضى المخلوق فإنما أرضاه بما فيه رضا الخالق جل وعلا. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لا طاعة إلا في المعروف»، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إنما الطاعة في المعروف، لأن رضا المخلوقين إنما يكون لهم ذلك إذا كان فيه رضا الخالق جل وعلا. وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها: «من التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن التمس رضا الله جل وعلا بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس». لأن قلوب الناس بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء: قلوب والديك، قلوب أولادك، قلوب أرحامك، قلوب جيرانك، قلوب أصحابك. فأنت لا ترضيهم في معصية الله، ولا تظن أنك إذا لم ترضهم فيما أرادوا منك أنهم سيسخطون عليك. هذا الظن لك، الله عز وجل وعدك على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم بأنك إذا أرضيت الله جل وعلا، ولو سخط هؤلاء، أسخط الناس، الناس سواء كانوا الوالدين أو الأقربين أو الجيران أو الأرحام أو غير ذلك، فإن الله جل وعلا سيجعل الرضا في قلوبهم عنك ما دمت أرضيت الله جل وعلا. من الناس اليوم من يخاف من الناس، ولذلك يرضيهم ولو بسخط الله عز وجل. لا، الله جل وعلا حق أن تخشاه. إذا كان الله عز وجل يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: 37]، الله أحق أن تخشاه من الناس. من يستحي من الناس ولا يستحي من الله عز وجل؟ لماذا؟ لأنه يخاف من الناس ماذا سيقولون عنه. نعم، يستحي أن يفعل شيئاً يكون سبباً في كلام الناس عليه، ولا يستحي من الله جل وعلا. كيف ذلك؟ لا يا عبد الله، إنما عليك أن ترضي الله جل وعلا ولو سخط الناس. وقول القائل: «ليتما بيني وبينك عامر، ليت الذي بيني وبينك عامر، وبيني وبين ناس خراب، إذا صح منك الود يا غاية المنى، فكل الذي فوق التراب تراب». يعني أن همك رضا الخالق جل وعلا، لا تبالي بالناس. إذا عملت شيئاً فأنت تراقب ربك جل وعلا في هذا العمل، بغض النظر عما يقول الناس، ما يقولون: قالوا كذا، الناس إن مدحوك وإن ذموك، إن رضوا عنك أو سخطوا عليك، هذا لا يغير من حقيقتك شيئاً، لا يغير من حقيقتك شيئاً. وذلك لما قال ذلك الرجل لرجل آخر: «إن مدحي زين، وإن ذم شين»، قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «ذاك الله، ذاك الله، من أنت؟» يعني يقول: أنا إذا مدحت شخصاً فمدحي زين، كأنه يقول: صار عند الناس له المكانة وله القدر وله الرفعة. نعم، وإذا ذممت شخصاً فذمي شين، شانه ذلك الذم، أي عابه عند الناس. فقال: «ذاك الله»، ما هو أنت؟ ذاك الله عز وجل هو الذي يرفع ويخفض سبحانه وتعالى، والذي يجعل الناس يرضون عنك ويسخطون عليك، لأن الأمر تابع لرضاه جل وعلا. نعم، وكذلك الخوف منه جل وعلا والخشية. فالعبد إذا حقق هذه المنزلة وهذه العبادة العظيمة، الخوف من الله عز وجل، يصير لا يعمل إلا لله. نعم، لا يعمل إلا لله سبحانه وتعالى، ولا ينظر إلى الناس ماذا سيقول، لأنه إنما يخاف ربه جل وعلا. والله جل وعلا أثنى على عباد المؤمنين كما تقدم: المشفقين، الوجلين، الأبرار، العلماء، المسارعين، السابقين، القائمين، الراكعين، الساجدين. كل هؤلاء أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم في كتابه الكريم، لأنه إنما كان دأبهم خوفاً من الله جل وعلا. ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: 9-10]. فكان برهم لأجل خوفهم من الله سبحانه وتعالى، لا يريدون من أحد جزاء ولا شكور، وإنما دفعهم إلى هذا البر الذي أثنى الله جل وعلا عليهم لعملهم إياه لأجل الخوف منه سبحانه وتعالى، والخوف من ذلك اليوم العبوس القمطرير. ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان: 11-12]، الآيات في سورة الإنسان. وأثنى الله سبحانه وتعالى على الجن المسلمين الخائفين منه جل وعلا، فليس الثناء في كتاب الله جل وعلا على الإنس فقط، وإنما على الإنس وعلى الجن وعلى الملائكة. نعم، أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم. ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: 57]. جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن هذه الآية نزلت في نفر من الإنس كانوا يعبدون نفراً من الجن، فأسلم أولئك النفر من الجن، وبقي الإنس على عبادتهم لأولئك الجن. فقال الله جل وعلا: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾، أي الذين يدعونهم، يعني جل وعلا المدعوين، يعني جل وعلا المدعوين الذين دعاهم الإنس. ﴿يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾، يلتمسون ويبحثون الطرق، وسيلة: الطريقة والحاجة. ﴿يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾، أي الطريقة أو الحاجة، فالوسيلة في لغة العرب بمعنى الحاجة، كما جاء في قول عنترة: «إن الرجال لهم إليك وسيلة أن يخطبوك فتكحلي وتخضبي»، إن الرجال لهم إليك وسيلة، أي حاجة إليك لخطوبتكم فتكحلي وتخضبي. فالوسيلة في لغة العرب بمعنى الحاجة. ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾، أي الطريقة أو الحاجة، كما فسر ذلك حبر الأمة ترجمان القرآن عبد الله بن عباس، وهذا مما أجاب به عبد الله بن عباس نافع بن الأزرق الخارجي الذي كان يتعرض لابن عباس يريد أن يعجزه، كان يقول لبعض أتباعه: «قوموا بنا إلى هذا الذي يجترئ على القرآن ويفسر القرآن، قوموا بنا فكي نسمع شيئاً من عباس». قال له: «يا ابن عباس، هل تعرف هذا في لغة العرب؟» يقول له ابن عباس: «نعم». فيقول له: «اذكر لنا مصداق ذلك من كلام العرب». ومن ذلك هذا، لما ذكر ابن عباس هذه الآية، فقال له نافع بن أزرق: «وما الوسيلة؟» فقال ابن عباس: «الحاجة». قال له: «هل تعرف العرب هذا في لغتها؟» قال: «لا». قال: «ما مصداق ذلك من كلام العرب؟» قال: «قول عنترة: إن الرجال لهم إليك وسيلة أن يخطبوك فتكحلي وتخضبي». فالشاهد أن القوم من الجن أسلموا، وصاروا يبتغون إلى ربهم الوسيلة، الطريقة والحاجة، أي يتقربون إلى الله عز وجل، ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾. أثنى الله جل وعلا عليهم لأنهم حققوا العبادة الصحيحة، العبادة الصحيحة وهي الجمع بين الخوف والرجاء، للعبادة التي أمر الله جل وعلا بها وأثنى على أهلها، إنما هي العبادة التي فيها الجمع بين الخوف والرجاء. لا الخوف وحده، ولا الرجاء وحده، ولا الحب وحده، وإنما يعبد الله جل وعلا بالحب والخوف والرجاء. واضطرب في هذا المتزندقة من أهل التصوف والخوارج والمرجئة، ثلاث طوائف اضطربت في هذا. فالخوارج غلوا في باب الخوف حتى أدى بهم الأمر إلى أن يكفروا المسلمين بالكبائر، بل وبعضهم يكفر حتى بالصغار. بعض الخوارج يكفر حتى بالصغار، لماذا؟ سبب غلوهم في نصوص الوعيد، فغلوا في الخوف، وعبدوا الله جل وعلا بالخوف الذي معه الغلو، ولذلك أدى بهم الأمر إلى تكفير المسلمين واستحلال دماء المسلمين وأنفس المسلمين بسبب هذا. ولذلك يقول أهل السنة والجماعة، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «من عبد الله بالخوف وحده فهو حروري». من عبد الله بالخوف وحده فهو حروري، أي خارجي. ويقال الخوارج: خوارج حرورية، خوارج لخروجهم على علي بن أبي طالب وعلى عثمان بن عفان من قبل، والخروج على جماعة المسلمين، ويقال لهم كذلك حرورية، حرورية لأنهم حين خرجوا على علي بن أبي طالب نزلوا مكاناً ومنطقة يقال لها حروراء، حروراء، فقيل لهم حرورية. ولذلك معاذة رحمها الله تعالى لما سألت عائشة كما جاء في البخاري ومسلم: «ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟» ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت لها عائشة: «أحرورية أنت؟» تقول لها معاذة: «أحرورية أنت؟» قالت: «لا، ولكن أسأل». قالت: «كان يصيبنا ذلك، كان يصيبنا الحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة». لماذا قالت عائشة لمعاذة: «أحرورية أنت؟» لأن الحرورية الخوارج من غلوهم صاروا يوجبون على الحائض قضاء الصلاة، يوجبون على الحائض قضاء الصلاة، لا تقضي الصوم فقط، بل حتى تقضي الصلاة. ذاك قالت عائشة: «أحرورية أنت؟» لأن الحرورية الخوارج من غلوهم في باب الخوف صاروا يلزمون العباد بما لم يلزمهم الله سبحانه وتعالى ولا رسوله عليه الصلاة والسلام. قالت معاذة: «فما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟» قالت عائشة: «كان يصيبنا الحيض فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة». ما عندنا أمر بقضاء الصلاة، من أين هذا؟ هذا من الغلو. فالذي يغلو في باب الخوف ربما يلزم الناس بأمور، نعم، بسبب غلوه، وهي ليست من الشرع، بل من الابتداع والإحداث في دين الله عز وجل، وتشريع ما لم يشرعه الله جل وعلا ولا رسوله عليه الصلاة والسلام. ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ. من عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، لأن المرجئة غلوا في باب الرجاء وفي نصوص الوعد، غلوا في نصوص الوعد وفرطوا في نصوص الوعيد، ولم يجمعوا بين نصوص الوعد ونصوص الوعيد، ونصوص الخوف ونصوص الرجاء، كما فرط الخوارج في الجمع بين نصوص الوعيد ونصوص الوعد، وإنما غلوا في نصوص الوعيد. ولذلك المرجئة يطلقون كمال الإيمان على الفاسق، عندهم شارب الخمر، وعندهم الزاني، وعندهم السارق، وعندهم الظالم والمعتدي، مؤمن كامل الإيمان، مؤمن كامل الإيمان. الخوارج غلوا في باب الخوف فأخرجوا المؤمن من الإسلام وكفروه، أخرجوه بالكلية. والمرجئة على نقيضهم، نعم، أعطوه كمال الإيمان وقالوا: مؤمن كامل الإيمان. وهذا ضلال، وهذا ضلال. لأن إذا نظرنا إلى أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام وجمعنا بينها، وهي نصوص الوعد ونصوص الوعيد، يتبين لنا هذا. أما كون الإنسان يتبع المتشابه من كلام الله جل وعلا، أو من كلام رسوله عليه الصلاة والسلام، أو من كلام الصحابة، أو من كلام السلف الصالح، أو من كلام العلماء، فهذا لا يهتدي إلى الحق ولا إلى الصواب. لماذا؟ لأنه ينظر إلى جانب واحد فقط ويهمل جوانب أخرى. نعم، فالقرآن فيه متشابه وفيه محكم، فالواجب أن يرد المتشابه للمحكم. وهكذا يجب الجمع بين النصوص. النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليها أبصارهم فيها وهو مؤمن». كيف قالت الخوارج؟ لأنهم غلوا في باب الخوف، قالوا: السارق إذن ليس بمؤمن، قال رسول الله: «لا يزني الزاني وهو يزني وهو مؤمن»، إذن مخرج من الإيمان، إذن ما هو مؤمن، إذن كافر. والسارق إذن كافر، شارب الخمر إذن كافر. «ولا يشربها حين يشربها وهو مؤمن»، يعني إذا شربها إذن ما هو مؤمن. وهكذا المرجئة أخذوا النصوص الأخرى، نصوص الوعد: نعم، وهو أن الزاني مؤمن، والسارق مؤمن، وإن زنى وإن سرق، وإن زنى وإن سرق، كما في حديث أبي ذر: «وإن زنى وإن سرق فهو مؤمن»، وإن زنى فهو مؤمن، وإن سرق فهو مؤمن، وإن شرب الخمر فهو مؤمن. هناك: «لا يزني الزاني»، يعني يزني وهو مؤمن. هنا: «وإن زنى وإن سرق»، هناك: «لا يسرق السارق»، يسرق وهو مؤمن. وهنا: «وإن سرق». الصاحب الباطل الذي في قلبه زيغ، نعم، إلا ما سيأخذ هذا أو سيأخذ هذا، على حسب ما يوافق الهوى الذي في قلبه هو الزيغ. فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة، أي فتنة الناس، فتنة أتباعهم، وابتغاء تأويله. نعم، لكن أهل الحق سيأخذون كل ما جاء عن الله جل وعلا وعن رسوله عليه الصلاة والسلام في هذا الباب، في كل الأبواب. إذن عندنا حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»، ومن حديث أبي ذر: «وإن زنى وإن سرق»، هذا كلام الرسول عليه الصلاة والسلام. هناك: «وإن زنى وإن سرق»، وهذا كلام الرسول عليه الصلاة والسلام. هل كلام الرسول عليه الصلاة والسلام يتناقض أو يتعارض؟ أبداً. ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً. لكن هذا من عند الله، لأن النبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى، ﴿مَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 3-4]. إذن هذا وحي، نعم، إذن يجب الجمع بين النصوص. لكن الخوارج لغلوهم في باب الخوف أخذوا ما يناسبهم، وهو ماذا؟ «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن»، كافر، كافر، شارب الخمر كافر. لهذه الأحاديث، لهذه النصوص، إذن كذا نظروا، هكذا بعين واحدة، ما يريدون. طيب، بعين واحدة نظروا، طيب. المرجئة عندهم تفريط، غلوا في الرجاء، غلوا في الرجاء، هذا الزيغ الذي في قلوبهم، إذن ما سيناسبهم هذا؟ هذه النصوص ما ستناسبهم، نصوص الوعيد: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن». سيناسبهم ماذا؟ «وإن زنى وإن سرق»، «فإن زنى وإن سرق فهو مؤمن»، طيب، مؤمن كامل إيمان، عندهم إيمان جبريل وإيمان الصحابة كإيمان أفسق الناس، حتى السكران عندهم إيمان أبي بكر وإيمان السكران عندهم سواء. ومن الطرائف في هذا أن مرجياً، نعم، مرجياً، غضي عمر أو مر على شخص سكران، نعم، فسبه السكران، سبه هذا المرجي، فقالوا: «هذا جزائي أن جعلتك مؤمناً كامل الإيمان، هذا جزائي، هذا جزائي أن جعلتك مؤمناً كامل الإيمان». هل تجازين بهذا؟ هذا الجزاء العاجل، كنت أبقيت على هذا، والآجل الله أعلم به. كيف فسبه؟ الشاهد أن المرجئة لأنهم فرطوا في هذا الباب وغلوا في نصوص الوعد قالوا: مؤمن كامل الإيمان. أهل السنة والجماعة، والحق كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «من عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو سني». ماذا قالوا في «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»؟ أي كامل الإيمان، وإنما يزني حين يزني حين يضعف الإيمان. نعم، فالنفي في «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» المنفي اسم للإيمان، ليس أصل الإيمان، بدليل الأحاديث الأخرى: «وإن زنى أو إن سرق». بل قال: «رغم أنف أبي ذر»، لأن أبا ذر كان يكرر: «وإن زنى أو إن سرق يا رسول الله»، رغم أنف أبي ذر، كان أبو ذر إذا حدث يقول: «وإن زنى أو إن سرق»، رغم أنف أبي ذر. فإذن ليس المنفي أصل الإيمان، بدليل الأحاديث الأخرى: «وإن زنى وإن سرق فهو مؤمن»، أي مؤمن، ليس بكافر. وأيضاً تفسير الحديث الآخر عن النبي عليه الصلاة والسلام: هو أن الشخص إذا وقع في الكبيرة، نعم، صار الإيمان عليه كالظلة، لم يذهب عنه بالكلية، فإن عاد رجع إليه. فالنصوص تفسر بعضها بعضاً في كتاب الله وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام. فالإنسان يجمع بين الخوف والرجاء، كما قال الإمام أحمد: «على المسلم أن يطير إلى الله عز وجل في عبادته بين الخوف والرجاء، وأن يجعلهما كالجناحين للطائر، لا يمكن أن يطير الطائر إلا بجناحين متساويين». بل الطائرة هذه لا يمكن أن تطير إلا بتساوي أجنحتها، إذا حصل خلل في جناح اختل، والطائر كذلك إذا أصيب بشيء يسير في أحد الجناحين اختل. وأنت كذلك يا عبد الله، إذا حصل عندك خلل في أحد الجناحين في الخوف والرجاء، ستسير على غير استقامة. وإن كما يقول الإمام أحمد: عليك أن تجعل الخوف والرجاء كالجناحين للطائر: خوف ورجاء. أما الناس اليوم: يا فلان، اتق الله، إن الله غفور رحيم. يا فلان، اتق الله، هذا غلوا في الرجاء، ما لك تقل الله غفور، وأين: ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [إبراهيم: 47]؟ والله شديد العقاب. أو الذي عنده فقط: والله شديد العقاب، وأين: ﴿اللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 173]؟ الجمع هو الحق في هذا. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا. وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله.