الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 349، ألقاها
يتناول هذا الفصل آداب الاستئذان عند الدخول كما وردت في السنة النبوية وكتاب الأدب المفرد للإمام البخاري. يشرح كيفية طرق الباب وآداب الدخول وفق الممارسات النبوية.
يشرح هذا الفصل كيفية تطبيق السنة النبوية في الاستئذان عند الدخول، حيث يجب البدء بالسلام ثم الاستئذان. يبين أهمية اتباع الممارسات النبوية في هذا السياق.
يركز هذا الفصل على دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، وأهمية العلم في الإسلام. يشير إلى الأمور التي استأثر الله بعلمها ولم يطلع عليها أحد.
يتناول هذا الفصل أمور الغيب التي استأثر الله بعلمها، مثل علم الساعة ونزول الغيث، ويشدد على أهمية الإيمان بها. يختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، باب قرع الباب، قال: حدثنا مالك بن إسماعيل، قال: حدثنا المطلب بن زياد، قال: حدثنا أبو بكر بن عبد الله الأصبهاني عن محمد بن مالك بن المنتصر، عن أنس بن مالك، قال: إن أبواب النبي صلى الله عليه وسلم كانت تقرع بالأظافير. هذا الأثر صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. وقوله: إن أبواب النبي صلى الله عليه وسلم كانت تقرع بالأظافير، يعني من طرق بابه عليه الصلاة والسلام طرقه بأظفار أصابعه. ومعنى هذا أنه سيكون الطرق بصوت منخفض. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وهذا محمول على المبالغة في الأدب، وهذا من تعظيمهم للنبي عليه الصلاة والسلام وإجلالهم له، أنهم كانوا يطرقون بابه بالأظفار. وبهذا قال بعض أهل العلم، كما ذكر كلام ابن حجر إمام المناوي رحمه الله. قال: وهنا بهذا علم أن العلماء لا ينبغي أن يطرق بابهم عند الاستئذان عليهم إلا طرقا خفيفا، إلا طرقا خفيفا بالأظفار، ثم بالأصابع، ثم الحلقة قليلا قليلا. يعني يبدأ بالأقل والأخف، فإن لم يسمع بما هو أبلغ صوتا، وهذا ما ذكر في هذا الأثر من قرع الباب بالأظفار. هذا أمر حسن لمن كان يسمع، يعني إذا طرقت عليه بأظفار أصابعك سمع الطرق، فهذا يكفي، ويحصل به المقصود. فإن كان لا يسمع، فإنك تطرق الباب بما هو أشد من ذلك، لأن المقصود هو إسماعه حتى يحصل الاستئذان. فإن حصل بما هو أقل، اكتفي بذلك، وإن لم يحصل إلا بما هو أشد وأكثر، استعمل ما هو فوق ذلك. قال: باب إذا دخل ولم يستأذن، قال: حدثنا أبو عاصم، وأثنى بعضه عنه أبو حفص بن علي، قال: ابن جريج أخبرنا، قال: أخبرني عمر بن أبي سفيان أن عمر بن عبد الله بن صفوان أخبره أن كلدة بن حنبل أخبره أن صفوان بن أمية بعثه إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الفتح بلبن وجداية وضغابيس. اللبن معروف، والجداية هي صغير الضأن، الصغير من الضأن ذكرا كان أو أنثى، والضغابيس هي صغار القثاء، يعني من أنواع البقول، كما ذكر في التعليق. قال: قال أبو عاصم: والنبي صلى الله عليه وسلم بأعلى الوادي، ولم أسلم ولم أستأذن، فقال: ارجع فقل السلام عليكم، أأدخل؟ وذلك بعدما أسلم صفوان، أي صفوان بن أمية، وكان قبل ذلك كافرا، وصفوان أسلم بعد الفتح. قال عمر: وأخبرني أمية بن صفوان بهذا عن كلدة، ولم يقل سمعته من كلدة. هذا الحديث صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. والشاهد قوله: أنه استأذن ولم يسلم ولم يستأذن، أراد الدخول من غير استئذان ولا سلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ارجع فقل السلام عليكم، أدخل. والذي أرجعه النبي صلى الله عليه وسلم هو كلدة بن حنبل الذي أرسله صفوان بن أمية، أراد أن يدخل من غير السلام ولا استئذان، فأرجعه النبي عليه الصلاة والسلام، وقال له: قل السلام عليكم، أأدخل؟ يعني علمه كيفية الاستئذان، وسن بهذا الإمام البخاري رحمه الله على أن من دخل ولم يستأذن، فيقال له: ارجع، يقال له: ارجع، قل السلام عليكم، أأدخل؟ تعلمه الاستئذان والابتداء بالسلام، ثم الاستئذان، ثم يؤذن له. قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا سفيان بن حمزة، قال: حدثني كثير بن زيد عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أدبر البصر فلا إذن له. وهذا الحديث مرة معنا في الأبواب السابقة، وأنه حديث ضعيف لضعف كثير بن زيد. قال: باب إذا قال أدخل ولم يسلم، قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: أخبرني مخلد بن يزيد، قال: أخبرني ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، قال: سمعت أبا هريرة يقول: إذا قال أدخل ولم يسلم، فقل: لا حتى تأتي بالمفتاح. قلت: السلام؟ قال: نعم. وهذا الأثر صحيح، وقد مر معنا في الأبواب السابقة أن من أراد الدخول ولم يسلم، فلا يؤذن له حتى يأتي بمفتاح الدخول، وهو السلام. إذا سلم واستأذن بعد ذلك، يؤذن له. فمن أراد الدخول على شخص في بيته، أولا يبدأ بالسلام، يقول: السلام عليكم، ثم يستأذن: أدخل؟ فإذا قال ذلك وأراد أن يأذن له، أذن له في الدخول. وأما إن استأذن ولم يسلم، قال: أدخل؟ يقال له: أولا سلم، يأتي بالسلام، ثم يستأذن، ثم يؤذن له. قال: وأخبرنا جرير وابن عبد الحميد عن منصور وابن المعتمر عن ربعي بن حراش، قال: حدثني رجل من بني عامر، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أألج؟ يعني أدخل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم للجارية: أخرجي فقولي له: قل السلام عليكم، أأدخل؟ فإنه لم يحسن الاستئذان. قال: فسمعتها قبل أن تخرج إلي الجارية، يعني سمع كلام النبي عليه الصلاة والسلام حين أمرها أن تعلمه الاستئذان، أنه يسلم ثم يقول: أدخل؟ قال: فقلت: السلام عليكم، أأدخل؟ فقال: وعليك، أدخل. قال: فدخلت، فقلت: بأي شيء جئت؟ يقول النبي عليه الصلاة والسلام: لم آتكم إلا بخير، أتيتكم لتعبدوا الله وحده لا شريك له، وتدعوا عبادة اللات والعزة، وتصلوا في الليل والنهار خمس صلوات، وتأخذوا من مال أغنيائكم فتردوها على فقرائكم. قال: قلت له: هل من العلم شيء لا تعلمه؟ قال: لقد علم الله خيرا، وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله. قال: الخمس لا يعلمهن إلا الله، إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غدا، وما تدري نفس بأي أرض تموت. وهو الحديث صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. وهذا الحديث كما سمعنا أنه جاء رجل من بني عامر للنبي عليه الصلاة والسلام، فأراد أن يدخل ولم يسلم. وهنا لم يذكر هذا الرجل من هو، وهذا لا يضر في صحة الحديث، إذ لا علاقة له بصحة الحديث. وهذا الرجل المذكور هو صحابي، والصحابة كلهم عدول، لا يضر الجهالة بأسمائهم لأنهم عدول. فقال: آلج؟ يعني أدخل، من غير أن يسلم. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الجارية أن تعلمه كيفية الاستئذان، أن يبدأ بالسلام، ثم بعد ذلك يدخل ويستأذن بالدخول. فلما سمع كلام النبي عليه الصلاة والسلام، سارع إلى تطبيق ذلك، فسلم واستأذن بالدخول. وهذا فيه أن المسلم ينبغي إذا علم شيئا من سنة النبي عليه الصلاة والسلام مما كان يجهله، أنه يطبقه مباشرة ويعمل به، ولا يعارض في ذلك. ومن ذلك مثلاً، أو سمع أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بشيء ما، يقول: هذا الأمر للوجوب أو للاستحباب، لا يعمل به مباشرة، سواء كان للوجوب أو كان للاستحباب. أو نهى عن شيء ما، يقول: هذا النهي للتحريم أو للكراهة، لا يجتنبه ويبتعد عنه، سواء كان للتحريم أو كان للكراهة. هكذا كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم من أسرع الأمة استجابة لأمر النبي عليه الصلاة والسلام في فعل الأوامر أو في ترك النواهي. ثم لما دخل على النبي عليه الصلاة والسلام، سأله: بأي شيء جئت؟ أي ما هي دعوتك التي جئت بها؟ وبماذا تأمر؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لم آتكم إلا بخير. فدعوة النبي عليه الصلاة والسلام دعوة خير، وما من خير إلا ودلنا عليه عليه الصلاة والسلام، وهو القائل: وكان حقا على كل نبي أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وأن ينذرهم شر ما يعلمه لهم. فبين عليه الصلاة والسلام بعض هذا الخير الذي أتى به عليه الصلاة والسلام، وأوله أو توحيد الله وإفراده بالعبادة. قال: أتيتكم لتعبدوا الله وحده لا شريك له، وتدعوا عبادة اللات والعزة. بدأ بها لأنها من أهم الواجبات والفرائض التي أمر بها عليه الصلاة والسلام. ومن ذلك أهم أمر به عليه الصلاة والسلام توحيد الله جل وعلا، وإفراده بالعبادة، ونبذ الشرك بجميع أنواعه وصوره. فلذلك بدأ بها، لأن سائر الواجبات والفرائض لا تصح إلا بصحة التوحيد، إلا بتمام التوحيد وصحته. فإذا صحت توحيد الإنسان، صحت عباداته وأعماله وطاعاته. وإذا فسد توحيده، فسدت سائر الأعمال، فلا تنفعه صلاة، ولا ينفعه صيام، ولا ينفعه زكاة، إذا كان مشركا بالله جل وعلا، يصرف العبادة لغير الله، ويعتقد النفع والضر في غير الله جل وعلا. فلا تنفعه هذه الأعمال كلها. وأما إن كان موحدا لله جل وعلا، فإن هذه الأعمال تقبل منه، وهي من ثمرة التوحيد، وتكون متممة له. قال: وتدعوا عبادة اللات والعزة، وتصلوا في الليل والنهار خمس صلوات، ويصوموا في السنة شهرا، وهو شهر رمضان، وتحجوا هذا البيت، يعني مما وجب عليكم كذلك، حج بيت الله الحرام، وهو مما يجب على الإنسان في العمر مرة واحدة. قال: وتأخذوا من مال أغنيائكم فتردوها على فقرائكم. وهذا إشارة إلى وجوب الزكاة، وأنها تجب في أموال الأغنياء. قال: قلت له: هل من العلم شيء لا تعلمه؟ يعني هل هناك شيء أخفاه الله جل وعلا عليك لا تعلمه أنت؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لقد علم الله خيرا، وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله. قال: الخمس لا يعلمهن إلا الله، ما هذه الخمس؟ فأسرها بقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾. فعلم الساعة ومتى تقوم القيامة، هذا لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. وأما علاماتها وأماراتها، فقد أخبرنا النبي عليه الصلاة والسلام ببعضها، لكن متى تقوم الساعة، هذا لا يعلمه إلا الله. وينزل الغيث، يعني المطر، ولا يعلم متى ينزل إلا الله. ربما تجتمع السحب وتغيم السماء، وتعتقد وتظن أن المطر سينزل، ما ينزل شيء. فمعرفة متى ينزل الغيث لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. ويعلم ما في الأرحام، كذلك لا يعلم ما في الأرحام إلا الله، لا يعلم ما في الأرحام إلا الله، كالكونه ذكرا أو أنثى، حي أو ميت، واحد أو اثنان، لا يعلمه إلا الله. فإن قال قائل: أليس قد علم كما بالتطور في الطب، وعبر الأجهزة التي تفعل للمرأة الحامل، ينظر إلى ما في رحمها وما في الأجنة، هل فيها ذكر أو أنثى أو إلى آخر ذلك؟ يقال: هذا يعلم إذا قد تخلق، وظهر علامة الذكورة أو الأنوثة، فصار العلم بذلك شيء ظاهر. لكن قبل ذلك، هل يعلم ما في الرحم؟ هل هو ذكر أو أنثى؟ إلى آخر ذلك. الجواب: لا. قال: وما تدري نفس ماذا تكسب غدا، هذا من الأمور كذلك التي استأثر الله بعلمها، لا يعلم الإنسان ما الذي يحصل له في الغد من خير أو شر. وما تدري نفس بأي أرض تموت، ما يدري الإنسان أين يأتيه الموت، هل في بلده أو في خارج بلده؟ فهذا كذلك مما استأثر الله سبحانه وتعالى بعلمه. صلى الله عليه وسلم عن أبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.