الخطبة بعنوان رمضان شهر القرآن، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 12 رمضان 1437هـ ألقاها
يُبين فضل القرآن الكريم ومكانته، حيث نزل في شهر رمضان وهو هدى للناس ومعجزة خالدة للنبي محمد. كما يتحدث عن التحدي الإلهي للعرب الفصحاء بإتيان مثله أو بعشر سور أو بصورة واحدة.
النبي يشير إلى فضل قراءة القرآن وأهمية الاهتمام به، ويبين أن قراءة القرآن من أسباب نيل المنزلة العظيمة والدرجة الرفيعة في الدنيا والآخرة، كما يشفع لصاحبه يوم القيامة.
يُشدد على أهمية تلاوة القرآن والعمل به، حيث يُعد شفيعًا لأصحابه يوم القيامة، ويُحث على اغتنام الأجور العظيمة من خلال تلاوته، ويُبين أن هجران القرآن يُعتبر من الأمور المذمومة.
يتضمن دعاءً إلى الله بطلب التوفيق لطاعته وجعل القرآن ربيعًا للقلوب، مع طلب العلم بالقرآن والتوفيق لتلاوته على الوجه الذي يرضي الله، وينتهي بالثناء على الله والصلاة على النبي محمد.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن من عظيم مميزات هذا الشهر وقصائصه التي ميزه الله جل وعلا بها أن أنزل فيه القرآن، قال الله جل وعلا: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان﴾، وقال جل وعلا: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾. هذا الكتاب العظيم وهذه المعجزة الخالدة والآية العظيمة التي أنزلها الله جل وعلا على نبيه محمد عليه الصلاة والسلام، أيده بها، وكانت من أعظم الدلائل الدالة على صدقه عليه الصلاة والسلام، وهو القائل: «ما من نبي إلا وأوتي من الآيات ما على مثله يؤمن البشر، وكان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة»، متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. ما من الأنبياء إلا وأيده الله جل وعلا من الآيات ما يدل على صدق رسالته وعلى صدق نبوته، وهكذا أيد النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية العظيمة التي هي من أعظم آيات الأنبياء، فإن آيات الأنبياء تنتهي بموتهم وتفنى بانتقالهم من هذه الدنيا، أما هذه الآية هذا الكتاب العظيم فهو آية باقية ومعجزة خالدة ما بقيت الدنيا. هذا الكتاب عباد الله الذي جعله الله سبحانه وتعالى هدى للناس، وهو القائل جل وعلا: ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين﴾، فقال سبحانه: ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا﴾. عباد الله، إن لهذا الكتاب ميزة عظيمة وشرف كبير، فالله جل وعلا أنزله في شهر رمضان، وأنزله في البلد الحرام، فاجتمع له شرف الزمان والمكان، اجتمع له شرف الزمان والمكان، ولذلك كان لكتاب الله جل وعلا في شهر رمضان من العناية ما هو أعظم من سائر الشهور. فهذا نبينا عليه الصلاة والسلام كان يدارسه جبريل القرآن في كل ليلة من رمضان، حتى كان العام الذي توفي فيه عليه الصلاة والسلام فدارسه فيه مرتين، قال ابن عباس: «كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة»، رواه البخاري عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما. فهكذا عباد الله ينبغي أن نجعل لكتاب الله جل وعلا أن نجعل له منزلة عظيمة في قلوبنا واهتماما كبيرا تجاه بتلاوته وقراءته وحفظه وتعلمه وتعليمه حتى ننال شرف هذا الكتاب العظيم. عباد الله، إن الله جل وعلا تحدى العرب الفصحاء البلغاء الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد عرفوا ببلاغتهم وعرفوا بفصاحتهم وعرفوا بقوة تعبيرهم في كلامهم وأشعارهم، فأتاهم الله جل وعلا بهذا الكتاب العظيم وتحداهم أن يأتوا بمثله. قل إن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، أي ولو كان بعضهم معينا لبعض لم يستطيعوا ذلك، ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سور من مثله: «أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين»، فلم يستطيعوا ذلك. فتحداهم الله أن يأتوا بصورة، وقصر التحدي على ذلك: «وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بصورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين»، فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين. هذا عباد الله مع كونهم ما هم فيه من قوة الفصاحة والبلاغة، فأتاهم الله جل وعلا بما لا قبل لأحد من البشر أن يقف تجاهه أو أن يكذبه أو كذلك أن يأتي بصورة من مثله، فقد اجتمع القرآن العظيم على العلوم النافعة والأخبار الغيبية الصادقة في الأمور الماضية والآتية، واجتمع على الأحكام العادلة المحكمة. والله جل وعلا يقول: ﴿وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا صدقا في الأقوال وعدلا في الأحكام﴾، هذا الكتاب العظيم الذي هو أحسن الكلام وأصدق الحديث، والله يقول: ﴿ومن أصدق من الله حديثا﴾، ويقول: ﴿ومن أصدق من الله قيلا﴾، ويقول الله جل وعلا: ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها﴾. جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمر لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة لا ريح لها وطعمها مر». انظروا عباد الله كيف جعل النبي صلى الله عليه وسلم الكمال والفضيلة في من كان قارئا لكتاب الله جل وعلا، فجعل ماذا فضيلة كراهة كلام الله، وبين أن كلام الله جل وعلا هو أفضل الكلام وأحسن الكلام بغض النظر عن من كان قارئه، وإن كان الذي ينبغي أن يكون المؤمن مخلصا في عبادته ومخلصا في طاعته. فالمنافق لو قرأ لم ينفعه لأنه لا يفعل ذلك إلا على جهة الرياء، والله عز وجل يقول: ﴿وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا﴾. فما أحسن المسلم الذي يقرأ كتاب الله فيكون كاملا طاهرا في ظاهره وباطنه، وأما إن كان تاركا لكلام الله ولقراءته وتلاوته فهذا نقص فيه، وإن كان باطنه سالما. عباد الله، إن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر بشرف حملة كتاب الله والمعتنين بكلام الله جل وعلا، وما لهم من المنزلة العظيمة والدرجة الرفيعة، جاء عند ابن حبان من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن لله أهلين من الناس»، قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: «أهل القرآن هم أهل الله وخاصته، هم أهل القرآن هم أهل الله وخاصته». فما أعظم هذا الشرف وما أعظم هذه المزية التي ينالها أهل القرآن الذين يعتنون بكتاب الله جل وعلا تلاوة وقراءة وحفظا وتعلما وعملا، هم أخص الخلق بالله جل وعلا، وأي شرف وأي منزلة أعظم من ذلك؟ جاء في السنن الترمذي من حديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقال لقارئ القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها»، تقرأها درجات ورفعة ومنزلة عظيمة بسبب اعتنائهم بكتاب الله جل وعلا. وفي حديث عمر في صحيح مسلم قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله ليرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين»، وفي اسم ذلك الصحيحين من حديث عمر أو بمعنى من حديث عمر مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار». فالنبي عليه الصلاة والسلام يخبر أنه لا حسد أي لا يحسد أحد على شيء كان عليه ويغبط على ذلك، بمعنى أن يتمنى المرء أن يكون له مثل ما عند فلان، إلا من كان على هاتين الخصلتين وهذين العملين الفاضلين. من آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار يتلوه ويتقرب إلى الله جل وعلا بذلك، فهذا يغبط على هذه النعمة التي امتن الله جل وعلا بها عليه، ومن آتاه الله مالا فينفقه في وجوه الخير وفي وجوه البر، فإنه كذلك يغبط على ذلك. فجمع النبي صلى الله عليه وسلم بين نعمتين عظيمتين، أحدهما قاصرة والأخرى متعدية، فتلاوة القرآن نعمة قاصرة على الإنسان على نفسه، وإنفاق المال نعمة متعدية إلى الخلق، لكن يستطيع المسلم أن يجعل من كتاب الله جل وعلا عملا متعديا إلى الخلق، وذلك بأن يعلم الناس كتاب الله. قال عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري من حديث عثمان بن عفان: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، جعل النبي صلى الله عليه وسلم الخيرية فيمن تعلم القرآن تعلم تلاوته، تعلم قراءته، تعلم تفسيره، تعلم أحكامه، ثم علمه لغيره كما تعلمه، فهذا من خير الناس. نعم عباد الله، لأن القرآن هو أشرف العلوم وأفضل العلوم على جهة الإطلاق، فلذلك كادت أن تكون الخيرية منحصرة فيمن تعلم كتاب الله جل وعلا القرآن. عباد الله، يشفع لصاحبه يوم القيامة، يوم أن يأتي المرء وهو محمل بالذنوب والخطايا، يريد الحسنة الواحدة التي تنجيه من عذاب الله والتي تنجيه من غضب الله جل وعلا، فيأتي القرآن الذي كان يعتني به في الدنيا يشفع له عند الله ويدافع عنه عند الله جل وعلا. جاء في السنن من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «القرآن شافع مشفع، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره قاده إلى النار»، من جعله أمامه أي عمل به وطبق أحكامه وأحل حلاله وحرم حرامه، فإنه يقوده إلى الجنة وإلى الفوز بنعيم الدار الآخرة. ومن جعله خلف ظهره أعرض عنه ولم يبال به ولم يعمل به قاده إلى النار، وفي حديث أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه»، وفي حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام: «اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، يؤتى بالقرآن وأه، الذين كانوا يعملون به في الدنيا، تقدمهم سورة البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبهما». تقدمهم سورة البقرة من هؤلاء أهل القرآن الذين يعملون به، يؤتى بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا، ليس مجرد من يتلوه تلاوة وهو يخالف أحكامه ويعرض عن عموم ما فيه. فالقرآن الذي كنت تعتني به في الدنيا يشفع لك عند الله، يشفع لك عند الله يوم القيامة. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، لقد جعل الله جل وعلا في تلاوة هذا القرآن أجورا عظيمة وحسنات مضاعفة، ترغيبا للعباد أن يقبلوا على كتاب الله جل وعلا. جاء في السنن من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ألف لام ميم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف»، كل حرف تقرؤه من كتاب الله فلك فيه حسنة، والحسنة بعشر أمثالها. فكم ستجد من مئات وآلاف الحسنات كلما أكثرت من تلاوة كتاب الله جل وعلا؟ وفي الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به فهو مع السفرة الكرام البررة، ومن يقرأه ويتتعتع فيه وهو عليه شاق فله أجران: أجر على تلاوته، وأجر على المشقة التي يجدها في قراءته». ما أعظمها من أجور وما أعظمها من حسنات ينبغي عباد الله أن نقبل على كتاب الله جل وعلا، وأن نعتني به عناية عظيمة في هذا الشهر على جهة الخصوص، وفي سائر شهور السنة. لا نكون ممن يهجره بتركه وعدم تلاوته وعدم تعلمه وتدبره، والله جل وعلا يقول: ﴿وقال الرسول يا رب إن قوما اتخذوا هذا القرآن مهجورا﴾، هجروا تلاوته وهجروا قراءته وهجروا حفظه وهجروا تعلمه وهجروا العمل به. فكل معنى من معاني الهجر فهو داخل في هذه الآية، ولذلك قال من قال من أهل العلم: إن من لم يقرأ القرآن في شهر فهو يعتبر هاجرا لكتاب الله، يعتبر هاجرا لكتاب الله، فكيف بمن لا يقرأه في خلال السنة، فضلا عمن لا يقرأه في شهر واحد؟ فلذلك يا عباد الله ينبغي أن نغذي هذه القلوب بتلاوة كتاب الله جل وعلا، والله جل وعلا يقول: ﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم لذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾، نعم تطمئن قلوب أهل الإيمان بسماع كلام الرحمن جل وعلا. ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون﴾، والله جل وعلا يقول: ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله﴾. هكذا عباد الله يخبر الله جل وعلا عن قلوب أهل الإيمان كيف تلين لكلام الرحمن، وكيف تقشعر إذا سمعت كلام الله سبحانه وتعالى، ينبغي عباد الله أن نداوي هذه القلوب وما فيها من قسوة بقراءة كتاب الله جل وعلا. والله يقول: ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون﴾، إذا كان الجبل الصلب يتصدع ويتشقق لو أنزل عليه هذا القرآن، لو أنزل عليه كلام الرحمن لما تحمله ولما كذلك صبر على قوته وصلابته. فكيف بهذه القلوب وكيف بهذه المضغ الضعيفة؟ كيف لا تخشع ولا تتصدع لكلام الله جل وعلا؟ عباد الله ينبغي أن نكون محافظين وحافظين على تلاوة كتاب الله جل وعلا. والله يقول: ﴿إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله﴾، هذه التجارة العظيمة التي ينبغي أن يتنافس فيها المتنافسون وأن يتسابق فيها المتسابقون، تجارة الآخرة وما يقربك إلى الله سبحانه وتعالى. والله جل وعلا لما ذكر ما أنعم به على أهل الجنة من النعيم قال: ﴿وفي ذلك فليتنافس المتنافسون﴾، قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: «القرآن مائدة الله، فتعلم من مائدة الله ما استطعت»، نعم عباد الله ينبغي أن نتعلم من كتاب الله ما استطعنا، نحرص على ذلك. كان الصحابة رضي الله عنهم إذا نزلت الآيات من القرآن لا يتجاوزون العشر منها، يحفظونها ويتعلمون ماذا معناها وتفسيرها، ثم يعملون بها، وهكذا جمعوا بين الحفظ والعلم والعمل. فهكذا عباد الله فلنحرص حرصا عظيما على الاعتناء بكتاب الله جل وعلا، ولنحذر أن نكون من المعرضين عنه، وكذلك أيضا لنخلص العبادة لله في تلاوته وفي قراءته وفي حفظه، ولا نكون ممن يتعجل به أو يتأجل أو يريد به عرضا من الحياة الدنيا. أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأن يجعلنا سبحانه من المقبلين على مرضاته. اللهم إنا نسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا وجلاء همومنا وغمومنا، اللهم ذكرنا منه ما نسينا وعلمنا منه ما جهلنا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنا، برحمتك يا أرحم الراحمين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.