التعليق على منظومة الزمزمي  3

التعليق على منظومة الزمزمي 3

الدرس في التعليق على منظومة الزمزمي 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في شرح منظومة الزمزمي

يبدأ الشرح ببيان معنى البيت الأول من المنظومة، وهو ثناء على الله تعالى، ويوضح معنى "تبارك" و"المنزل". يُعتبر هذا البيت مثالاً على الاقتباس في الشعر.

بيان معنى النبي والرسول

يناقش الفرق بين النبي والرسول، ويبين آراء العلماء في هذا الشأن، حيث يرى البعض أن النبي لم يؤمر بالتبليغ بينما الرسول أمر بذلك، لكن الصواب أن الأنبياء أمروا بالتبليغ.

معنى الصلاة والسلام على النبي

يتناول معنى الصلاة والسلام على النبي محمد، ويشرح آراء العلماء في تفسير معنى الصلاة، ويبين أهمية فهم هذه المفاهيم لطالب العلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، وكما قد ذكر في درس أمس، إخواني في الله، فنحن في دخول في منظومة مشهورة بمنظومة الزمزمي للشيخ الإمام عبدالعزيز بن علي المكي الشرازي الزمزمي الشافعي، رحمه الله تعالى، في هذه المنظومة، والتي هي متعلقة بأصول التفسير. وكان المتفق أن نأتي بنسخ في هذا اليوم وفي هذا المقام، لكن الحمد لله النسخ موجودة، لكن سنأتي بها بإذن الله في وقت لاحق. على كل، الإخواني في الله، نشرع في المنظومة حتى لا نخوض بكثرة، نأخذ بعض الأبيات، وهي بداية الأبيات، وعبارة عن ثناء وعن حمد، نذكره ونذكر بعض المسائل المتعلقة فيه. قال مؤلفنا، رحمه الله تعالى: تبارك المنزل للفرقان على النبي عطر الأرداني محمد عليه صلى الله مع سلام دائما يغشاه وآله وصحبه. فقوله، رحمه الله تعالى: تبارك المنزل للفرقان على النبي عطر الأرداني، فقوله تبارك، تبارك تفاعل، وتبارك مأخوذ من البركة. ومعاني البركة تدور، كما يقول العلماء، بمعنى دوام الخير الالهي واستمراره، أو قل ثبوت الخير الالهي واستمراره. هذه معاني البركة. عندما تقول: ما شاء الله، هذا شيء فيه بركة، بمعنى فيه ثبوت الخير الالهي، فيه ثبوت الخير الالهي. فهناك أشياء تكون فيها بركة، والبركة غير محصورة. فهناك أزمان مباركة، وهناك أماكن مباركة، حتى الأشخاص، حتى الذوات، قد يكون إنسان مبارك، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنْتُ﴾، وجعلني مباركاً. فالإنسان والذوات قد تكون فيها بركة. لكن علينا أن نعلم أين البركة من أين؟ من الله سبحانه وتعالى. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «البركة من الله». البركة من الله، فلا أحد يدعي أنه بإمكانه يعطي بركة لغيره، هذا ليس لأحد. إنما البركة بيد الله سبحانه وتعالى. وهنا في قوله: تبارك، على وزن تفاعل، وهو الذي قد بلغ المبلغ العظيم. وهذا الوصف لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى. فلا يجوز أن تقول لأحد من الناس: أن فلان تبارك، تبارك فلان، لا. وإنما يقال: تبارك الله، هذا إنما يكون وصفاً لربنا عز وجل. من هنا ونحن في هذا المقام، مقام ثناء على الله، وما معنى تبارك؟ إذن، تبارك، فسر العلماء، كابن جرير الطبري وجماعة، بأنه هو الذي تعظم وتقدس، تعظم وتقدس. هذا معنى تبارك. ولها معاني، لكنها متقاربة. المعاني في هذا الباب متقاربة. قول رحمه الله تعالى: تبارك المنزل للفرقان على النبي عطر الأرداني. لو تلاحظ في هذا البيت، أن هذا البيت مقارب لآية قرآنية. هنا: تبارك المنزل للفرقان على النبي، هذا شبه بقول: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾. هذا البيت مشابه لتلكم الآية. فانظر: تبارك المنزل للفرقان على النبي، وفي الآية القرآنية: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾، تجد الكلمات متقاربة جدا. وهذا يسميه علماء البيان بالاقتباس. يسميه علماء البيان بالاقتباس، أنك تضمن كلامك كتابا مما في القرآن أو من السنة، تضمن كلامك شيئا من آيات القرآن، ومن السنة، على أنه ليس من القرآن. على أنه ليس من القرآن. لأنك لو صرحت أنه من القرآن، ما يسمى اقتباس، ما يسمى اقتباس. وإنما الاقتباس أنك تضمن كلامك شيء من القرآن والسنة. ومذهب جماهير العلماء: هذا جائز. هذا جائز. يستدلون بما جاء في الصحيح: أن نبينا عليه الصلاة والسلام، عندما دخل خيبر، قال: «الله أكبر، خربت خيبر، إن إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين». هكذا قال عليه الصلاة والسلام. وهذا مقتبس من آية، فيسمى هذا اقتباس. هذا اقتباس. طبعا، الجمهور من العلماء لهم شروط في هذا الباب. من شروطهم: أن لا يكون التغير كثيرا حتى يسمى اقتباسا، لا يكون تغير في الألفاظ كثيرا، لأنه قد خرج بمعنى الاقتباس. وأن يكون له معاني صحيحة، يطرح لمعاني صحيحة. هذا مذهب جماهير العلماء. وأما الإمام مالك، فقد منع، رحمه الله تعالى، منع هذا الأسلوب، ما يرتضي ما يسمى بالاقتباس. وإنما تذكر الآية على أنها آية، تذكر الحديث على أنه الحديث. أما أنك تطعم كلامك وتضمنه بشيء من القرآن والسنة على هذا النحو، فلا يرتضيه. والصحيح: كما سمعتم، ما عليه جمهور العلماء. وأن هذا أثر من فعله، وقوله عليه الصلاة والسلام: «الله أكبر، خربت خيبر، إن إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين». فقوله، رحمه الله تعالى: تبارك المنزل للفرقان. المنزل، وهو الله جل في علاه. والمنزل: اسم فاعل، أي أن الله هو الذي قام بهذا الفعل، هو الذي أنزل القرآن من لدنه جل في علاه. المنزل: اسم فاعل، وليس من شرط اسم الفاعل أن يكون على هذا الوزن: فاعل. جالس، ضارب، قاتل، هذا نعم، أسماء فاعل. لكن يحكمك أصل الفعل. إذا كان الفعل ثلاثي، فيكون اسم الفاعل منه على وزن فاعل: ضرب، ضارب، جلس، جالس، أكل، آكل، نصر، ناصر. فاسم الفاعل إذا كان من الثلاثي يكون على هذا الوزن. لكن إذا كان الفعل رباعي، فإن اسم الفاعل يكون على الوزن: مفعل: نزل، منزل، منزل. أكرم، مكرم، مكرم. اسم فاعل. لماذا؟ لأن الفعل ماذا؟ ثلاثي. قال رحمه الله تعالى: تبارك المنزل للفرقان. ومن باب الفائدة: إنزال القرآن، دلت لدلة كثيرة على أن الله عز وجل أنزل القرآن. وهذا يدل على علو الله. يدل كذلك على علو الله. فأي آية فيها إثبات النزول للشيء من عند الله، إثبات العلو الله سبحانه وتعالى. ويذكر في هذا الباب، وهذا في نصر القرآن: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾، نزل. وهذا يستفاد فيه التكثير. وفيه دلالة على أن القرآن إنما نزل مقطعا. وهذا على خلاف الكتب السماوية، فإنها أنزلت جملة واحدة. الإنجيل، والتوراة، والزبور، والصحف، تنزل جملة واحدة على نبيها. لكن القرآن نزل منجما، بمعنى مقطعا. ولهذا يعبر القرآن: نزل، أي ماذا؟ فترات. تبارك المنزل للفرقان. الفرقان: اسم من أسماء القرآن. الفرقان: اسم من أسماء القرآن. قد مر هذا، تذكرون، عندما تكلمنا في اختلاف التنوع. عندما تكلم شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى، عما يكون من اختلاف التنوع، ذكر ما يكون من الأسماء: المتكافئة. الأسماء المتكافئة. فعبر عن ذلك بأسماء القرآن. وهكذا أسماء النبي. وهكذا الأسماء الحسنى لله سبحانه وتعالى. فهذه أسماء كلها تقول إلى أمر واحد. فالقرآن يقال عنه: القرآن، يقال عنه: الكتاب، يقال عنه: الفرقان، إلى آخر هذه الأسماء. والفرقان: بمعنى أن القرآن قد فرق، فرق في ماذا؟ فرق بين الحق والباطل. فرق بين الحق والباطل. فهذا من مميزات القرآن: أن الله عز وجل فرق به بين الحق والباطل. ولهذا كان من أسماء القرآن: الفرقان. تبارك المنزل للفرقان على النبي عطر الأردان. على النبي، أي على رسول الله عليه الصلاة والسلام. النبي، ومحمد، صلوات ربي وسلامه عليه. والنبي، بما هذا مشتقه؟ قيل: إما أنه مشتقه من النبأ، بمعنى الخبر. أو قيل: أنه مشتقه من النبوة، أو من النبوة بالتشديد: النبوة، أو بالتخفيف. وما معنى النبوة؟ بمعنى الارتفاع. النبوة، أي شيء المرتفع. فقيل هذا، وقيل ذاك. أن أصل النبي: إما مشتقه من النبأ، وإما مشتقه من النبوة. ثم بعد ذاك تأتي التصاريف. فقيل: أن النبي إذا قيل: أصلها من النبأ، فهي: نبي، بمعنى نبيء، على الوزن: فعيل. فقلبت الهمزة ياء، ثم أضغمت الياء مع الياء، فشددت: النبي. ولهذا تجد في بعض القراءات، على ما أظهر قراءات نافع، أنهم يذكرون كلمة: نبي، بالهمز: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّؤُمْ﴾، ﴿إِنَّ النَّبِيِّينَ﴾، ﴿إِنَّ النَّبِيِّينَ﴾، بإظهار الهمز، يرجع إلى الأصل. لأن أصلها من النبأ، وهو النبيء، وهو النبي. وقيل: أنها من النبوة. والكفى أمر في ذلك سهل. لكن قيل: أن النبي من النبأ، لأن الله أوحى إليه ماذا؟ بخبر عظيم، وهو الوحي. أو أن النبي من النبوة، وهو الارتفاع، لأن الإنسان ارتفع بما آتاه الله بالوحي عن غير الناس. فهو ليس كسائر نفس، بل أرفعه الله عز وجل عن خلقه. لهذا هم الصفوة، هم الصفوة من خلق الله. وما معنى نبي؟ طبعا، النقاش في هذه طويل. ولعلكم قد درستم ما يدور في كتب العقيدة، مسألة النبي والرسول، وما الفرق بينهما؟ لا شك أن هناك فرق بين النبي والرسول. لكن أشير، وعلى هذا، لا يخفاكم كطلبة علم: أنه قد أثر عند كثير من العلماء على أن النبي هو الرجل الذي أوحى الله إليه بشرع، ولم يؤمر بتبليغه. وأن الرسول هو الذي أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه. هذا الذي درج عليه كثير من العلماء. وأظن حتى أصبح الكثير يتعلمونه في المدارس: بأن الفرق بين الرسول والنبي من هذه الحيثية، من حيثية التبليغ. وهذا صحيح، منتقد. والصحيح أنه منتقد. فلا يقال: أن النبي هو الذي أوحى الله إليه بشرع، وما أمر بتبليغه، ليس بصحيح. بل الصحيح: أن الأنبياء أمروا بالتبليغ. الأنبياء أمروا بالتبليغ. وأدلة كثيرة من ذلك: ما جاء من حديث عمر بن عبسة، عندما سأل رسول الله، قال: من أنت؟ قال: أنا نبي. قال: وما نبي؟ قال: أرسلني الله، أرسلني الله، أرسل. وهكذا يراجع مبحث نفيس للإمام الشنقيطي، رحمه الله تعالى، في سورة الحج، وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي. عند هذا المبحث استفاض الشيخ، رحمه الله تعالى، حول هذه المسألة، وبيّن من خلال هذه الآية: على أن الله عز وجل قد أرسل الأنبياء، وأرسل الرسول. وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي. وأيضا، هكذا شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى، في كتاب النبوات، أشار إلى هذه المسألة: التفريق بين النبي والرسول. فإذا قلنا هذا: التفريق ليس بصحيح. فما هو الصواب؟ إذا، ما الفارق بين النبي والرسول؟ اختلف العلماء. وكما قلنا، وهذا ليس مقام ذكر الأقوال مع الترجيح. لكن ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن: لا فرق بين النبي والرسول. أن النبي هو الذي يبعث إلى قوم موافقين له. والرسول هو الذي يبعث إلى قوم معادين له. هذا الفرق بين النبي وبين الرسول. وهو من خلال النظر إلى الموافقة والمعارضة. وهذا قول نعم، قال به جماعة، وهو قول آخر، وهو قوي. وكأنه هو الذي رجحه شيخ الإسلام، وجماعة من أهل العلم: على أن النبي هو الذي، أن الرسول هو الذي يأتي بشريعة مستقلة. هذا الرسول الذي يأتي بشريعة مستقلة. وأما النبي هو الذي يجدد شريعة رسول قبله فقط. فمثلا نقول في حق عيسى عليه السلام: أنه رسول. في حق موسى: أنه رسول. لماذا نثبت لهم الرسالة؟ لأنهم جاءوا بأديان، شرائع مستقلة، شرائع مستقلة. وأما النبي: هو الذي يأتي ويجدد، ويجدد شريعة موجودة، يجددها. هذا هو الفارق. وهذا كذلك من الأقوال القوية جدا في هذا الباب. وله حظ من النظر. وقد قال به جماعة من أهل العلم. فقوله، رحمه الله تعالى: تبارك المنزل للفرقان على النبي عطر الأردان. عطر، بمعنى طيب. قال: امرأة تعطرت، بمعنى تطيبت. ورجل عطر، أي استخدم العطر، بمعنى استخدم الطيب، وتطيب. قال: على النبي عطر الأردان. الأردان، وهو جمع ردن. وما معنى؟ معنى الكم، الكم هو طرف الثوب. هذا الذي يسمى ردن. وجمعه: أردان. وأظن في بلادنا نحن، هذه اللغة معمولة. معمولة. قال: انظر لأردانك، أي انظر لطرف ثوبك، انظر لطرف الثوب من جهة اليد، هذه الأردان. طيب، ما الذي أراد المؤلف بقوله: تبارك المنزل للفرقان على النبي عطر الأرداني؟ ما من الأثواب قصده؟ لا. هنا ما أراد الثوب. وإذا ما أراد النسب، أراد الأصل، أي نسب الرسول، وأصل الرسول. فقوله: على النبي عطر الأرداني، أي عطر الأصل، وطيب النسب. هذا الذي أراده المؤلف، رحمه الله تعالى. ثم قال: محمد عليه صلى الله مع سلام دائما يغشاه. محمد، بالكسر، على أنها بدل من قوله: على النبي، محمد. جرت على البدل. ولك، إذا أردت نية القطع، لك أن ترفعها. لكن هو الأكمل أنك تأتي على الجملة واحدة. محمد، اسم مفعول. هذا من قول العلماء. وأصله من حمد، وهو الذي كثر حمد الحامدين له، كثر حمد الحامدين له. محمد، أي لكثرة ما يحمده الناس، لكثرة ما يحمده الناس. ولما يحمدونه؟ يحمدونه لخصال الخير الذي فيه. فيقال عنه: محمد، أي كثر كثر حمد الحامدين له. أو الذي يستحق أن يحمد، لكثرة خصاله وخلاله. قد يقول قائل: وكيف صار هذا لرسول الله؟ وإنما سمي محمدا في صغره، خرج من بطن أمه، عن قول المشهور: أن جده هو الذي سماه محمدا. طيب، ما أحد إلى الآن مدحه؟ ما أحد إلى الآن حمد له؟ أن لا زال في المهد، فمن أين جاءت محمد الناس حتى يقال عنه: محمد، أي كثر له حمد الحامدين؟ يقال: هذا كان أمر يعرف في العرب، أنهم كانوا يأتون بالأسماء، ويقصدون فيها هذا المعنى، يرجون له هذا المعنى. فليس أمره مثل حالة أننا في هذه الأزمان قد تأتي بالأسماء جزافا، قرعة، أو هكذا، أو تنظر ثم ترمي بأي اسم، لا. كان العرب يهتمون بالأسماء. فكانوا مثل يسمون الصغير: خالد، هل لقصد؟ نعم، لقصد. تجد أن أهله يودون أن هذا يخلد، يمكث العمر الطويل في الأرض، فيسمونه خالد، علّ وعسى أن يخلد، فيطال عمره. أو يسمونه كذا: العاص، عاص، بما يكون عاص عن الأعداء، عاص عن الأعداء. وهكذا. فكان العرب يختارون الأسماء، ويرجون فيها المعاني. فسمي محمد، محمدا، صلوات ربي والسلام عليه، حتى ماذا؟ يستحق أن تكثر منه خصال الخير. ثم تأتي محمد الناس إليه، فيقال: محمد، لكثرة محمدة الناس له. وهذا الذي صار لنبينا عليه الصلاة والسلام. فقوله: محمد عليه صلى الله مع سلام. محمد عليه صلى الله، مع سلام، دائما يغشاه. محمد عليه صلى الله، صلى الله على نبينا عليه الصلاة والسلام. ما معنى صلاة الله على رسول الله؟ طبعا، أولا، الأكمل، كما سيأتي ذكره، أنك تأتي بوصفين اثنين، بوصف الصلاة والسلام. ولهذا المؤلف، رحمه الله تعالى، هنا ماذا قارن بينهما؟ قارن بين الصلاة والسلام، قال: محمد عليه صلى الله مع سلام. مع سلام، ولماذا نقول هذا الأكمل والأفضل؟ لأن هذا جاء ذكره في القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا﴾، صلوا عليه وسلموا. فأرشد ربنا عز وجل إلى أمرين اثنين لمقام النبوة: الصلاة والسلام، الصلاة والسلام. وهل هذا لو حكم الحكم؟ قال علماء: أن هذا هو الأكمل، أن هذا هو الأفضل، أن هذا هو الأولى، أنك إذا ذكرت الرسول عليه الصلاة والسلام تجمع بين الصلاة والسلام. هذا الأكمل، لنص القرآن. لكن تأتي مسألة وهي الأخص من هذا: ما لو أن أحدا من الناس ما أتى بالإثنين، أتى بواحد، مثل أتى بالصلاة: اللهم صل على محمد، سكت، صل على محمد، أتيت بالصلاة ولم تأتي بالسلام. هل في شيء؟ عند المتأخرين شددوا في هذا الباب، وأتوا بحكم شرعي، قالوا: أن إفراد الصلاة دون السلام، من غير السلام، هذا كراهة، وكروه. وممن شدد: الشافعية، الشافعية شددوا في هذا الباب، ويصرحون أن إفراد الصلاة دون السلام هذا مكروه. ولهم تجدون مثاله: الإمام النووي، رحمه الله تعالى، وهم من شدد في هذه المسألة، عندما علق على شرح مسلم. إمام مسلم، هو من هو؟ رحمه الله تعالى، جبل في الحفظ، عندما ذكر المقدمة في صحيحه، ذكر الصلاة، وما أتى بالسلام، أتى بالصلاة وما أتى بالسلام، مباشرة قام النووي ويعقب عليه، قالوا: هذا ينتقد على مسلم، ينتقد عليه. فالشافعية كانت تشديد في هذا الباب، تشدد. ثم أصرع أن هناك قول بالكراهة. والصحيح: ما في كراهة. والصحيح: ما في كراهة. نقول: الأفضل، والأكمل، وهكذا. ابن الجزري، رحمه الله تعالى، في منظومته: «الحمد لله وصلى الله على نبيه ومصطفاه». الحمد لله وصلى الله، أهمل بالصلاة، أين السلام؟ ما ذكر السلام، مباشرة. قام الأنصاري في الدقائق المحكمة، وهكذا مل على القاري، معالم الشافية، لما شرحوا الجزرية، مباشرة مسكوا هذا البيت، وانتقدوا على الجزري، لماذا أتى بالصلاة وما أتى بالسلام؟ وأشاروا إلى الكراهة. والصحيح: ما في كراهة. والصحيح: أنه لا كراهة في هذا الباب. والعجيب: أن النوع الذي قدّع على مسلم، وقع في نفس الشيء. وجد في بعض الرسائل: أنه أتى بالصلاة وما أتى بالسلام. إسماعيل الأنصاري، الذي قدّع على الجزري أنه أتى بالصلاة دون السلام، في رسالة: «تحفة النجباء العصر»، للأنصاري نفسه، أتى بالرسالة، ما أتى لا بالصلاة ولا بالسلام، لا أتى لا بالصلاة ولا بالسلام. فالأمر في ذلك واسع. ونقول: الأكمل، والأفضل، والأولى، أنك تأتي بالصلاة والسلام. الحافظ ابن حجر، رحمه الله تعالى، ذكر أن الكراهة تكمن في مسألة لها وجه، وهو أن يكون ذلك لمن كان ديدنه ديدنه دائما، يعني دائما ما يذكر الرسول إلا بالصلاة فقط: اللهم صل على محمد، دائما، دائما ما يأتي بالسلام. ابن حجر: أن هذه المسألة، نعم، إذا دائما تأتي به على هذا المنوال، تأتي بالصلاة دون السلام، يرى أن هذا فيه كراهة. وأنك الأفضل أن تأتي بالصلاة والسلام، حتى تنتفي عنك الكراهة. أو إلا جمهور العلماء ما يرون الكراهة، يرى الأمر عادي في هذا الباب. وأن الأكمل أنك تجمع بين الأمرين. أشاهد أن المؤلف، رحمه الله تعالى، ماذا فعل؟ أتى بالأمرين، أتى بالصلاة وأتى بالسلام، فقال: محمد صلى الله مع سلام، أتى بالصلاة والسلام. وهذا الأكمل، هو الأفضل. قولوا: صلى الله، كيف تكون صلاة الله على نبيه؟ لأن الله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾، ثم أمر بقية الخلق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾، فكيف تكون الصلاة؟ كيف تكون صلاة الله على نبيه؟ كيف تكون صلاة الملائكة على رسول الله؟ كيف تكون صلاة الخلق على رسول الله؟ مسألة طويلة. اختصارها: ذهب جماعة من المتأخرين، كالأزهري، رحمه الله تعالى، إلى أن صلاة الله على نبيه بمعنى الرحمة. وصلاة الملائكة على نبيه، على رسول الله، بمعنى الاستغفار. وأن صلاة الملائكة، صلاة الله على الرسول بمعنى الرحمة. صلاة الملائكة على رسول الله بمعنى الاستغفار. صلاة الخلق على رسول الله بمعنى الدعاء. إذن، عندي: رحمة، استغفار، دعاء. هذه معنى الصلاة، كل له معنى. هذا ذهب إليه الأزهري، وكثير، تشر عند كثير من المتأخرين. ابن القيم، رحمه الله تعالى، رد هذا، انتقد هذا، قال: هذا ليس بصحيح، ليس هذا بصحيح. ما نقول: أن الصلاة، صلاة الله، بمعنى الرحمة، لا. ما نقول بهذا. ويرجع في هذا توسع، رحمه الله تعالى، في كتابه: «بدائع الفوائد». وفي كتابه: «جلاء الأفهام»، «الصلاة على خير الأنام»، انتقد هذا التعريف، ورد عليه بأوجه كثيرة. مثلا، حتى تطبح الصورة: ابن القيم يقول، رحمه الله تعالى: يا من تقولون بأن الله صلى على نبيه بمعنى رحم نبيه، تجعل الصلاة بمعنى الرحمة، ما يمكن. قال: لماذا؟ قال: لأن هناك نصوص تدل على الفرق بين الصلاة والرحمة. الصلاة شيء، والرحمة شيء ثاني. هل في هناك نصوص؟ نعم، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾، أولئك ماذا؟ عليهم صلوات، وماذا؟ عليهم رحمة. إذن، الصلاة شيء، والرحمة شيء آخر. فكيف نجعل الصلاة هي الرحمة؟ لا، ما هي شيء واحد. فكيف نقول: الله صلى على نبيه، بما أن الله رحم نبيه؟ ما يمكن. هذا أولئك. وقاعد عند البلاغيين: أن العطف، الأصل يقتضي المغايرة. العطف، الأصل في أنه يقتضي المغايرة. ففرق بين الصلاة: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾، فالصلاة شيء، والرحمة شيء آخر. كذلك، بن قيم، علّ لقاء بقوله: الفرق بين الصلاة والرحمة، قال: حتى عند الخطاب، أنا بإمكاني، بإمكاني أن أقول لأحد من الناس: أدعو الله لك بالرحمة: اللهم ارحم فلانا، ارحم فلانا، سواء كان من الأحياء أو من الأموات. لكن هل لي أن أتجاسر، يقول: اللهم صل على فلان؟ لهذه المسألة الأولى، هذا بالإجماع. الدعاء بالرحمة بالإجماع. لكن مسألة ثانية فيها خلاف. فإذا كنا الصلاة بنفس الرحمة، بمعنى الرحمة، إذا ما في خلاف. لكن لا، في الواقع في خلاف. فكما تقول: اللهم ارحم فلانا، جائز إجماعا. اللهم صل على فلان، هذا فيه خلاف. من العلماء منهم المنع. دل ذلك على أن الصلاة شيء، والرحمة شيء آخر. وهكذا، بن قيم، رحمه الله تعالى، عندما قال على قول من قال، كالأزهري، على أن الصلاة الخلق على رسول الله بمعنى الدعاء، قال: ما يمكن. فرق بين الصلاة والدعاء. فرق بين الصلاة والدعاء. ووضح أن الصلاة لا تكون إلا بخير. وأما الدعاء، تكون بخير، ويكون بشر: ادعوا لفلان، هذا خير. وادعوا على فلان، هذا شر. والصلاة ما تأتي إلا على وجه واحد، على وجه واحد. وهذا تقع، ذكر أدلة كثيرة جدا. ويراجع هذا، كما سمعتم، في «جلاء الأفهام». فقد استفاض في هذا المبحث. ولهذا تجد بعض المحققين من العلماء تركوا هذا القول، لما فيه من اعتراضات كثيرة. وأخذوا بقول آخر، وهو الذي ذكره البخاري، رحمه الله تعالى، معلقا في صحيحه، عن أبي العالية، بأن صلاة الله بمعنى الثناء، بمعنى الثناء. وهكذا الملائكة، بمعنى الثناء، تصلي على رسول الله. وهذا وجه، وهذا قريب. وهذا قريب بأن الصلاة بمعنى الثناء. ابن قيم أتى بمعنى لا بأس، وهو أن الصلاة بمعنى الحنو والعطف، بمعنى الحنو والعطف. وكل على حسبه. فصلاة الله على نبيه بمعنى الحنو والعطف، يليق بجلال الله. صلاة الملائكة على رسول الله بمعنى الحنو والعطف، بما يليق بمقامها. والخلق كذلك يصلون على رسول الله بمعنى الحنو والعطف، بمعنى ما، لأنهم يدعون له. وكل بحسبه. فهذا ذكر ابن القيم، رحمه الله تعالى، في «جلاء الأفهام». والأمر يحتاج إلى بصر. فقوله، رحمه الله تعالى: محمد عليه صلى الله مع سلام دائما يغشاه. دائما يغشاه، هذا وصف، وصف السلام. فأكد على أن مسألة السلام، وهي السلامة، السلامة تدعو لرسوله بالسلامة. قيل: السلام، إما مأخوذ من اسم الرب، بأن الله هو السلام. أو أن السلام مأخوذ من السلامة، بمعنى أن الله يسلمه من النقائص والرذائل. أو أن الله يسلمه، أن يؤمنه من الخوف، أو يؤمنه من الخوف. فعبر هنا: مع سلام دائما يغشاه، فخص السلام بهذا الوصف. وفيه دلالة على أن السلام آكد من الصلاة، أن السلام آكد من الصلاة. وهذا وجد بنص القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، صلوا وسلموا تسليما. فجاء تأكيد السلام دون الصلاة، جاء تأكيد لفظ السلام دون الصلاة: ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، في المطلق، مؤكد لعامله، مؤكد لعامله. هذا تأكيد للفظ السلام. ومن هنا راعى المؤلف، رحمه الله تعالى، فجعل لكلمة السلام زيادة تأكيد، قال: مع سلام دائما يغشاه. وأظن استفضنا في هذا الباب. نمشي حتى تكون معكم الرسالة، حتى نقطع بها شوطا. وباقي مباحث كذا في المقدمة. وآله وصحبه. وبعد، فهذه مثل الجمان عقد، إلى آخر ما سيأتي في المقدمة. يترك هذا إن شاء الله في درس غد. فأنبه إخوانا في الله، إن شاء الله، نحرص على اقتناء هذه الرسالة، وهي رسالة مهمة جدا، تفتح لطالب العلم آفاق المسائل المتعلقة بتفسير كتاب الله، وكلام الله. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.