الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  40

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 40

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 40، ألقاها

انتقاد أحاديث عبد الرزاق بعد العمى وتأثيره على روايته

يتناول انتقاد أحاديث عبد الرزاق بن همام الصنعاني بعد إصابته بالعمى، حيث أدخلت عليه أحاديث باطلة. استنكر الإمام أحمد وابن معين هذه الأحاديث لما فيها من موضوعات للتشيع. عبد الرزاق لم يتغير حفظه بل كان يتلقن.

أحوال الإمام عبد الرزاق ومعمر بن راشد في رواية الحديث

يفصل المقطع أحوال الإمام عبد الرزاق ومعمر بن راشد في رواية الحديث، مشيراً إلى أن معمر كان حافظا جوالا في طلب العلم. الإمام أحمد قرنه بمعمر في طلب العلم، بينما كان عبد الرزاق يتلقن بعد عماه.

الإشارة في الصلاة ومدلولها الفقهي

يشرح حديث أنس بن مالك حول إشارة النبي ﷺ في الصلاة، ويبين أن المقصود بالإشارة هي الإشارة المفهمة. يشير إلى جواز الإشارة في الصلاة إذا كانت لحاجة، مستندا إلى آراء العلماء.

أهمية الخشوع في الصلاة وتأكيد النبي ﷺ عليها

يذكر أحاديث نبوية تشير إلى ضرورة الخشوع في الصلاة وعدم الانشغال أثناءها. النبي ﷺ يؤكد على أن الصلاة تحتوي على ما يشغل المصلي، ويوصي بالسكون فيها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. أما بعد، قال شيخنا مقبل من هذه الوعدة -رحمه الله-: قال أبو داود -رحمه الله تعالى-: حدثنا أحمد بن محمد بن شبوي المروزي، ومحمد بن رافع، أي القشيري، وكلاهما من الثقات الحفاظ. أحمد بن محمد بن شبوي كان يوصف بالحفظ، قال: أخبرنا عبد الرزاق. وعبد الرزاق بن همام الصنعاني، أبو بكر، كان رأسا من رؤوس الحفظ، ورحل الناس إليه لسعة علمه، جاءه الناس من كل مكان إلى صنعاء، وجاءه أئمة الإسلام: أحمد، وابن المديني، وكذلك أيضا إسحاق بن إبراهيم، ويحيى بن معين، وإما آخرون جاءوا إلى اليمن لطلب العلم من عبد الرزاق. وقال بعضهم: العلم أنه لم يرحل إلى شخص مثل ما رحل إلى عبد الرزاق -رحمة الله عليه- وهذا لسعة علمه، لأنه قد كان يجول البلاد ويذهب منها هنا وهناك لأجل حديث رسول الله ﷺ، ذهب إلى الشام وسمع من الأوزاعي، وذهب كذلك إلى الكوفة، وذهب إلى البصرة، وسمع من جماعات، وسمع من الثوري في مكة، ثم جاءهم إلى اليمن، وغيرهم من أئمة الإسلام الذين سمع منهم، فاحتاج الناس إلى حديثه فرحل إليه أولئك الأئمة. وكان عبد الرزاق حافظ الحفاظ الحديث. وأيضا كذلك إن ما حصل له أنه لما عمي في آخر عمره، بعد سنة مئتين، فحصل له شيء من العمى، فكان يلقن الحديث، يلقنه بعض الناس، وكان من أهله من ابتلي بالتشيع، فكان يدخل عليه حديث التشيع، ولهذا استنكر الإمام أحمد، وأيضا كذلك ابن معين، وجماعة من الأئمة استنكروا بعض الأحاديث التي حدث بها عبد الرزاق في آخر حياته، فبعضها باطلة، وبعضها وضعها للتشيع، فأدخلت على عبد الرزاق -رحمه الله-. وقد روى الحاكم بعض هذه الأحاديث من طريق عبد الرزاق، ومنها الحديث الذي ذكره أحمد بن الأزهر بن نيسابوري أنه حدث عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أنس: أن النبي ﷺ قال: «يا علي، حبيبك حبيبي، وحبيبي حبيب الله، وعدوك عدوي، وعدوي عدو الله». فهذا الحديث لما سمعه ابن معين، فقال: من الكتاب الذي روى هذا الحديث؟ فقال: أحمد بن الأزهر، أنا رويت هذا الحديث عن عبد الرزاق. قال: أما أنت فلست بكتاب، لكن الإمام ابن معين -رحمه الله- عرف أن هذا الحديث مما أدخل على عبد الرزاق، لأنه ليس في كتبه عن معمر. وهكذا أحاديث كثيرة جدا انتقدوها على عبد الرزاق، وخاصة كما قال الإمام أحمد: «عبد الرزاق بعد المائتين عمي، وكان يتلقن»، فالظاهر أن عبد الرزاق لم يتغير حفظه، وإنما أدخلت عليه أحاديث بعد المائتين، فإنه يلقن حديثا. وإلا أحمد بن شبوي ممن رحل إلى عبد الرزاق في آخر عمره، فلهذا لما ذكروا للإمام أحمد -رحمه الله- بعض الأحاديث التي رواها عبد الرزاق، فقال: من ذكر هذا؟ قالوا: أحمد بن شبوي. قال: هؤلاء رواه، أو ذهبوا إلى عبد الرزاق في آخر عمره، على أنه بعد أن كان يتلقن. وإلا عبد الرزاق -كما هو الصحيح- أنه لم يتغير حفظه، وإنما كان يتلقن، فظن بعضهم أنه تغير. لهذا لما قيل لابن معين: أن عبد الرزاق قد تغير، قال: «لو كفر عبد الرزاق ما رددنا حديثا»، لماذا؟ لأن عبد الرزاق عنده -ابن معين- كان عنده حديث عبد الرزاق مما سمعه من قبل، وأراد أن يبين أنه لم يتغير، إنما حصل له شيء غير هذا، وهو التلقين. وأيضا كذلك أدخل عليه التشيع، وخاصة في آخر عمره. وإلا الإمام أحمد لما سألوه عنه، قال: لم أسمع منه شيئا في هذا الأمر. وأما يحيى بن معين -أبو زكريا- لما سألوه عن ذلك، قال: قد سمعت من عبد الرزاق أكثر مما سمعت من عبيد الله الأشجعي، لأن الإمام أحمد كان لا يأخذ عن عبيد الله الأشجعي، ويصفه بالبدعة، وأنه غال في التشيع، فكان يقول: عبد الرزاق قد سمعت منه أكثر مما سمعت -أي من الكلمات في التشيع- أكثر مما سمعت من عبيد الله. فقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر. ومعمر بن راشد، أبو عروة، أيضا إمام وحافظ من الحفاظ الحديث، رحل إليه أئمة الإسلام: سفيان الثوري، وكذلك عبد الله بن المبارك، جاء إلى اليمن لأجل أخذ الحديث من معمر -رحمه الله-. وقال الإمام محمد -رحمه الله-: «ما قارنت أحدا في الطلب إلا وجدت معمرا أفضل منهم»، يعني كان معمر -رحمه الله- جوالا في العلم، ذهب إلى أماكن كثيرة، بل كان يطلب العلم وهو صغير، لما سمع من الزهري في المدينة، وكان صغيرا لم يتجاوز ستة عشر سنة، وكان يعمل في البز، يبيع البز لبعض أهل البصرة، فكان يذهب إلى المدينة فيجد الناس متحلقين على الزهري وعلى غيره، فكان يسمع الحديث. وسمع الحديث وهو صغير من قتادة، ومن أيوب، ومن غيرهم من أهل البصرة. وأيضا ذهب إلى أماكن كثيرة، ولهذا كان جوالا، وكان حريصا على طلب العلم. حتى قال الإمام أحمد مقالته تلك: «ما قارنت أحدا بمعمر إلا وجدته معمرا أفضل منه» -أي في طلب العلم وفي أخذ العلم-. وقال أيضا سفيان الثوري: لما قيل له: أسمعت من الزهري؟ قال: قلت: المال، فلم أذهب، لكن كفانا عن ذلك أبو عروة معمر بن راشد -رحمه الله-. قال: أنبأنا معمر، عن الزهري. ومعمر سمع من الزهري أكثر من سفيان بن عيينة، لأن معمرا لقي الزهري مرتين، ولازمه مرتين: مرة في المدينة -كما قلنا- ومرة في الرصافة في الشام. قال: عن الزهري، عن أنس بن مالك. والزهري هو حافظ الإسلام، وحافظ الحديث، الإمام محمد بن مسلم بن عبد الله الزهري، أبو بكر بن شهاب -رحمه الله-. قال: عن الزهري، عن أنس بن مالك: «أن النبي ﷺ كان يشير في الصلاة». قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. هذا الحديث قوله -قول أنس-: «أن النبي ﷺ كان يشير في الصلاة»، المقصود -كما ذكر الشراح- أن قوله: «كان يشير في الصلاة» أي إشارة مفهمة. والظاهر -كما رجحه بعض العلم، وذكر ذلك الإمام الدارقطني وغيره، وكذلك الإمام أبو حاتم قبله- أن هذا الاختصار كان إما من عبد الرزاق أو من معمر، لأن هذا الحديث قد رواه عن الزهري: مالك، وسفيان، ويونس، وشعيب، وغيرهم، ولم يذكروه على هذه الصيغة -أنا ما قالوا: «كان يشير في الصلاة»- وإنما ذكروا قصة النبي ﷺ لما سقط من على فرس، وجحش عليه الصلاة والسلام، فصلى جالسا، فجاء بعض الصحابة وصلوا معه أيضا، فأشار إليهم أن يجلسوا. فهذا الذي ثبت عن النبي ﷺ هو هذا الحديث. والظاهر أنه -كما قال أبو حاتم- إنما اختصر ذلك معمر، فقال: «كان يشير في الصلاة». والحديث نفسه أراد أنه أشار النبي ﷺ في صلاته لما كان جالسا، لما كانت رجله تؤذيه، ما استطاع أن يصلي وهو قائم، فجلس، فاقتدى به بعض الصحابة -رضي الله عنهم- فأشار إليهم أن يجلسوا. والحديث مشهور، لما قال لهم النبي ﷺ: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون». فهذا الحديث نفسه الظاهر أن معمرا اختصره، فقال: «كان يشير في الصلاة». ولهذا قال العلماء: هذا من حديثه. وأما من ناحية الفقه، فقد أجاز كثير من العلم -بل لعله إجماعا- أنه يجوز الإشارة في الصلاة إذا أراد أن يشير بإشارة مفهمة، إذا أراد أن يشير بإشارة مفهمة، ما لم تكن هذه الحركات كثيرة، فيشير إلى شيء أراد مثلا من إنسان في أمر مهم أن يجلس، فيقول له كذا، أو يقول مثلا هكذا، أو يشير إلى طفل لأجل مثلا ما يمس كهربا، وكذا يقول له هكذا، أو من هذه الإشارات التي تفهم، فإنها ليست كلاما. ويذكر عن مالك أنه جاءت رواية عنه: أن الإشارة كلام، وهذا غير صحيح. لكن الصحيح الذي عليه أكثر أهل العلم، وبعضهم يقول: أنه إجماع، أنه يجوز للإنسان أن يشير في الصلاة، ولو كانت إشارة مفهمة. والمراد -كما قلنا- إشارة مفهمة، أي: لحاجة يريد أن يفهمها من يشير إليه، يريد أن يفهم من يشير إليه بهذه الإشارة، مثل ما قال النبي ﷺ للصحابة، وأشار إليهم أن يجلسوا، فهذه إشارة مفهمة. فهو لم يقل: اجلسوا، وإنما أشار إليهم. ولهذا حتى أن بعض العلم يقول: أن رواية «أن يجلسوا» إنما جاءت في رواية أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أنس، أنه قال: «أجلسوا» بهذا اللفظ. لكن جاءت أيضا في طريق مالك وغيره بهذه اللفظة -والله أعلم-. فخلاصة ما يذكر في هذا الحديث من ناحية الفقهية: أنه يجوز للمسلم أو للمصلي أن يشير في صلاته، إذا احتاج إلى تلك الإشارة، احتاج إلى تلك الإشارة. أما إن كان يشير هكذا فهذا عبث، فهذا عبث لا ينبغي أن يكون في الصلاة. والنبي ﷺ قال: «أسكنوا في الصلاة». وفي الصحيحين، وهذا الحديث في المسلم، وفي الصحيحين: أن النبي ﷺ قال: «إن في الصلاة لشغلا». فإن شاء الله تعالى نكتب بهذا، والله تعالى أعلم.

شاركنا على