الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 543، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي المقطع قصة رجل من بني تميم جاء إلى المدينة والتقى بطلحة بن عبيد الله، وطلب منه كتابة كتاب من النبي ﷺ يضمن عدم التعدي على صدقاتهم. يُظهر المقطع تفاصيل اللقاء والمشورة التي قدمها طلحة.
يروي الراوي كيف استشار رجل من البادية طلحة بن عبيد الله في بيع إبله، ثم ذهبا إلى السوق وباعا الإبل، بعدها طلب الرجل كتابًا من النبي ﷺ يضمن حقوقه في الصدقات.
يشرح المقطع أحكام الصدقات وحدود أخذها، ويبين جواز الإشارة في البيع للمشاورة، مع التأكيد على عدم أخذ أفضل الأموال أو أرداها في الصدقات، وجواز التبرع الطوعي بأفضل الأموال إذا كانت النفس طيبة.
يستخلص المقطع غرض كتابة الكتاب لضمان عدم التعدي على الصدقات، ويبين أن الله تعالى أعلم بالغرض الحقيقي من وراء ذلك.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا يعقوب، وهو إبراهيم الزهري، قال: حدثنا أبي، وهو إبراهيم بن سعد الزهري، وهو أوثق من روى عن إسحاق السيرة، أو أثبت من روى عن ابن إسحاق السيرة، قال: عن ابن إسحاق، وهو محمد بن إسحاق بن يسار، موسوعة في علم التاريخ والأنساب والسيرة النبوية، وهو العمدة في هذا الباب. وأما في الحديث، فهو حسن الحديث، ويدلس أحيانًا، أو تدليسه مما يضر، لكن إذا حدث وصرح بالتحديث، يقبل حديثه، فهو كما قال الإمام الذهبي: من قبيل الحسان أحاديثه التي صرح فيها. قال: عن ابن إسحاق، قال: حدثنا سالم بن أبي أمية، أبو النضر، وهو أموي، ثقة، قال: جلس إلي شيخ من بني تميم في مسجد البصرة، ومعه صحيفة له في يده، قالوا: في زمان الحجاج، فقال لي: يا عبد الله، أترى هذا الكتاب مغنيًا عني شيئًا عند هذا السلطان؟ قال: قلت: وما هذا الكتاب؟ قال: هذا كتاب من رسول الله ﷺ كتبه لنا أن لا يتعدى علينا في صدقاتنا. قال: فقلت: لا والله، ما أظن أن يغني عنك شيئًا. وكيف كان شأن هذا الكتاب؟ وأين قصة هذا الكتاب؟ كيف كتب لك رسول الله ﷺ هذا الكتاب؟ قال: قدمت المدينة مع أبي، وأنا غلام شاب، بإبل لنا نبيعها، وكان أبي صديقًا لطلحة بن عبيد الله، فنزلنا عليه. فقال له أبي: أخرج معي فبع لي إبلي هذه. قال: فقال: إن رسول الله ﷺ قد نهى أن يبيع حاضر لباد، أي لا يبيع سلعته، ولا يأتي ويوكل حاضرًا لبيع سلعته، أو يكون دلالًا عليها، وإنما هو الذي يبيعها، أي هذا الباد الذي جاء من البدو ومعه بضاعة من الجلب أو من غيره، فإنه هو الذي يبيعها، ولا يجعل أحدًا من الحضر يبيع له. وهذا إذا كان في سلعة أدخلها، أما إذا كانت بضاعة قائمة، كدكان أو ما شابه ذلك، فهذا لا بأس به. فقال الرجل لطلحة بن عبيد الله: أخرج معي فبع لي إبلي. فقال له طلحة: إن النبي ﷺ نهانا أن يبيع حاضر لباد، ولكن سأخرج معك، فأجلس، وتعرض إبلك، فإذا رضيت من رجل وفاء وصدقًا ممن ساومك، أمرتك ببيعه. قال: فخرجنا إلى السوق، فوقفنا بظهرنا، وجلس طلحة قريبًا منا. قال: فساومنا الرجال، حتى إذا أعطانا رجل ما نرضى، قال له أبي: أبايعه؟ قال: نعم، رضيت لكم وفاءه. فبايعناه. فلما قبضنا مالنا وفرغنا من حاجتنا، قال أبي لطلحة: خذ لنا من رسول الله ﷺ كتابًا أن لا يتعدى علينا في صدقاتنا. قال: فقال: «هذا لكم ولكل مسلم». قال: على ذلك إني أحب أن يكون عندي من رسول الله ﷺ كتاب أن لا يتعدى على صدقاتنا. قال: فخرج طلحة حتى جاء إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، إن هذا الرجل من أهل البادية، صديق لنا، وقد أحب أن تكتب له كتابًا لا يتعدى عليه في صدقته. فقال رسول الله ﷺ: «هذا له ولكل مسلم». قال: يا رسول الله، إني قد أحببت أن يكون عندي منك كتاب على ذلك. قال: فكتب لنا رسول الله ﷺ هذا الكتاب. قال: وهذا حديث حسن. والحديث أخرجه أبو يعلى، فقال: حدثنا القواريري، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا محمد بن سحاق، قال: حدثنا سالم أبو النضر. وفيه: أن الشيخ قال لسالم: «فتراه نافعًا عند صاحبكم هذا؟» -أي في رواية يزيد بن زريع- فقال: «فقد والله تعدى علينا، فقد والله تعدى علينا في صدقاتنا». قال: قلت: لا أظن والله. فهذا الحديث حديث طلحة بن عبيد الله، لكن الأصل أن هذا الحديث ليس من مسند طلحة، لكن الشيخ ذكره لأجل ذكر طلحة بن عبيد الله فيه. وأيضًا فيه ما فعله طلحة من الإشارة إلى البادي، أو المشاورة له، أي يكون من الحضر، فإنها لا تدخل في البيع، وإنما من باب المشاورة فقط. وقد جاء أيضًا عن رجل من أصحاب النبي ﷺ، كما ذكر حميد بن عبد الرحمن: أنهم وجدوا مع رجل كتابًا فيه أنه أجاز النبي ﷺ لهم الإشارة من الحضر، أن يشير له، لا بأس، مثلًا يكون حاضر موجود عندهم من المدينة، فإن كان السعر صحيحًا، وافق عليه بالإشارة؛ لأجل أن لا يهضمون حقه. وفي هذا الحديث أن طلحة أشار عليهم بالكلام، وقال لهم: «نعم، رضيت لكم وفاءه، فبايعوه». وفي الحديث الذي ذكرنا أيضًا فيه الجواز الإشارة له، وهذا أيضًا يدخل في المشاورة، فدل على جواز مشاورة البدوي للحاضر في مسألة البيع، لذلك السعر الذي عرض عليه، وهذا من باب المشاورة للبيع. وأما يجعله يبيع، فهذا منهي عنه. وقال النبي ﷺ: «هذا لكل مسلم»، أي لكل مسلم أنه لا يجوز أن يتعدى على صدقاته، سواء كان من الحاكم أو من المحكوم أو من الرعية أو من أحد الناس، فلا يجوز الحاكم أن يتعدى على صدقات الناس. ومن التعدي أن يأخذ أفضل أموالهم، كما قال النبي ﷺ: «وإياك وكرائم أموالهم»، كرائم الأموال أي أفضل الأموال، لا يأخذ الأفضل، ولا أيضًا يأخذ أردى المال، وإنما يأخذ الوسط. وهذا في كل الصدقات، كما ذكره النبي ﷺ في الماشية، صدقة الماشية، فذكر النبي ﷺ في صدقة الماشية أفضل الصدقة، وكذلك أرداها، وأمر أن لا تؤخذ مثل هذه، سواء كانت من أردى المال أو أفضله. لكن لو تبرع الإنسان من عند نفسه، فأعطى أكثر وأفضل مما عنده، فهذا من عند نفسه طيبة به نفسه، ويدخل في قول الله جل وعلا: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. فهذا إذا طابت نفسه بذلك. أما أنه يلزم بأن يعطي في الصدقة من أكرم الأموال وأفضل أمواله، فهذا منهي عنه. وهذا أيضًا من التعدي في الصدقة. وكذلك أيضًا من التعدي في الصدقة أن يتعدى عليها في أماكنها وأماكن رعيها، وغيرها من هذه التعديات التي قد تكون من الحاكم أو من أحد الرعية. فهذا الكتاب أراد هذا العرابي أن يضمن نفسه بهذا الكتاب، أو يضمن صدقاته حتى لا يتعدى عليها. فهذا ما يؤخذ من هذا الحديث. ونكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.