الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 641

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 641

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 641، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حديث ابن عباس في انشغال النبي بجبريل

يروي ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يناجي جبريل عليه السلام فبدا معرضاً عن عمه العباس، فلما استفسر العباس أخبره النبي أن جبريل هو الذي شغله. ويوضح الشيخ الفرق بين مصطلحي "نحوه" و"مثله" في رواية الحديث، مبيناً أن "نحوه" يعني اتفاق المعنى مع اختلاف اللفظ، بينما "مثله" يعني اتفاق اللفظ والمعنى.

آداب مخاطبة النبي وعذر المشغول في رد السلام

يبيّن المقطع التزام الصحابة بآداب مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم بلقب «يا رسول الله» امتثالاً للآية الكريمة، ويذكر قصة اليهودي الذي ناداه باسمه فدفعه ثوبان. كما يسوق حديث عمه الذي انشغل عنه النبي لوحي جبريل، وقصة عثمان بن عفان الذي لم يرد سلام سعد بن أبي وقاص لانشغاله، مستخلصاً قاعدة ألا يُحمل التقصير على العمد إذا كان صاحبه على وئام ومودة.

حرص النبي على تلقي الوحي ودعوة ذي النون

يروي المقطع قصة دعوة ذي النون (يونس عليه السلام) وحرص الصحابة على سماع تمامها من النبي ﷺ، كما يبرز شدة حرص النبي ﷺ على تلقي الوحي من جبريل دون انشغال، مستدلاً بآيات قرآنية تأمره بالأناة، وقصة تأخر جبريل بسبب وجود كلب وتمثال في البيت.

رؤية ابن عباس لجبريل وحكمة عدم رؤية العباس

يروي المقطع أن ابن عباس رأى جبريل عليه السلام يكلم النبي صلى الله عليه وسلم بينما لم يرَ أبوه العباس ذلك، ويُشير إلى حكمة في ذلك لئلا يقع في نفس العباس شيء تجاه النبي. ويختتم المتحدث بالاكتفاء بهذا القدر من الحديث.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا أبو كامل وعفان المعنى. أبو كامل هو الجحدري، وعفان بن مسلم الصفار أبو عثمان البصري، وأيضًا أبو كامل البصري. قال: حدثنا حماد، وهو ابن سلمة بن دينار البصري، قال: أخبرنا عمار بن أبي عمار، وهو الدهني، عن ابن عباس قال: قال: كنت مع أبي عند النبي عليه الصلاة والسلام، وعنده رجل يناجيه. قال عفان: وهو كالمعرض عن العباس. فخرجنا من عنده، فقال: «ألم تر إلى ابن عمك كالمعرض عني؟» فقلت: إنه كان عنده رجل يناجيه. قال عفان: فقال: «أو كان عنده أحد؟» قلت: نعم. طال فرجع إليه، فقال: «يا رسول الله، هل كان عندك أحد؟ فإن عبد الله أخبرني أن عندك رجلًا تناجيه.» فقال عليه الصلاة والسلام: «هل رأيته يا عبد الله؟» قال: نعم. قال: «ذاك جبريل، وهو الذي شغلني عنك.» قال: حدثنا عفان: أنه كان عندك رجل أناجيك. قال: وحدثنا هدبة بن خالد، وهو من حفاظ البصرة أيضًا، قال: حدثنا حماد بن سلمة عن عمار عن ابن عباس عن النبي عليه الصلاة والسلام نحوه. «نحوه» و«مثله» تختلف: إذا قال «نحوه» فمعنى نفس المعنى لكن اللفظ يختلف، وإذا قال العالم أو صاحب الحديث «مثله» فأي نفس اللفظ. وهذه الكلمة تكثر كثيرًا في صحيح مسلم، فتجد يذكر الإسناد ثم يقول: «مثله» أو «نحوه». فإن كان المعنى واحدًا يقول «نحوه»، وإن كان اللفظ واحدًا يقول «مثله». قال: هذا حديث حسن. الحديث أخرجه عبد بن حميد، هو الكشي، له كتاب المسند. قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا حسن، وهو ابن الشبيب، قال: حدثنا حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار أن ابن عباس قال: كنت مع أبي عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعنده رجل يناجيه، فكان كالمعرض عن أبي. فخرجنا من عنده، فقال لي أبي: «يا بني، ألم تر إلى ابن عمك كالمعرض عني؟» ما نستنكر هذا؛ لأنه ليس معتادًا عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه يعرض عنه. قد كان النبي عليه الصلاة والسلام يحب عمه العباس كثيرًا، حتى أنه مع كفره كان النبي عليه الصلاة والسلام يأتي به ويطلعه على بعض الأسرار. فبيعة العقبة ما كان أحد يعلمها لا من أهل المدينة ولا من أهل مكة، وجاء النبي عليه الصلاة والسلام معه عمه العباس، مع أنه كان في ذلك الوقت على دين قومه، وعقد البيعة وهو موجود. وهذا يدل على أنه يأمنه، وأيضًا شدة العلاقة التي بينهما. ولهذا استنكر العباس رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام وهو ابن أخيه يعرض عنه. فلما عرف السبب قال: «ألم تر إلى ابن عمك كالمعرض عني؟» قلت: يا أبتي، إنه كان عنده رجل يناجيه. قال: فرجعنا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال أبي: «يا رسول الله، قلت لعبد الله كذا وكذا، فأخبرني أنه كان عندك...» سبحان الله! ما عنه عمه إلا أنه كان يناديه بالرسالة، وهذا امتثال لأمر الله عز وجل: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾. «لا تجعلوا دعاء الرسول» أي: لا تقولوا يا محمد يا كذا، لكن قولوا: يا رسول الله، يا نبي الله. ولهذا الصحابة كانوا يلتزمون هذه الكلمة، فما كان أحد ينادي النبي عليه الصلاة والسلام باسمه، ما كان أحد يقول: يا محمد. وإنما يأتي هذا من بعض الأعراب أو بعض من لم يسلم بعد. ولهذا لما جاء اليهودي، كما في صحيح مسلم في حديث ثوبان، جاء اليهودي ووقف عند النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا محمد. فدفعه ثوبان حتى أسقطه. دفعه ثوبان رضي الله عنه وهو مولى رسول الله حتى أسقطه. قال: ما لك؟ قال: قل: يا رسول الله ويا نبي الله. أنا كانوا يخاطبون النبي صلى الله عليه وسلم ويدعونه بهذا. فهذا عمه فكان يقول: يا رسول الله، ما كان يقول: يا محمد. قال: قلت لعبد الله كذا، فأخبرني أنه كان عندك رجل يناجيك. فهل كان عندك أحد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم: «وهل رأيته يا عبد الله؟» قال: قلت: نعم. قال: «فإن ذاك جبريل، وهو الذي شغلني عنك.» وحسن هو ابن موسى الأشيب، ليس ابن الشبيب. حسن ابن الأشيب، ابن موسى الأشيب. وهذا الحديث فيه عدة فوائد، كما ذكرنا منها في خلال الكلام على هذا الحديث: فيما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام من خلق عظيم مع عمه. لكن أحيانًا الإنسان ينشغل، وتشغله أشياء أهم وأعظم، فقد لا يلتفت لمن عنده، وقد أيضًا لا ينظر إليهم أو لا يحس بهم. فليس كل أحد فعل ذلك يؤخذ عليه، وقد يكون أحيانًا ليس عن تعمد. فبعض الناس مثلًا يصاب بشيء، يفكر في شيء، فتمر عليه وتسلم وهو لا يدري: هل سلمت أو لا؟ فلهذا لا ينبغي للإنسان أن يحمل على أخيه مادام يعلم أو مادام يعلم أنه على وئام معه وعلى مودة. لكن قد تعتري للإنسان أشياء قد تشغله كما قلنا. وقد جاء عند أحمد، ذكره في مسند سعد بن أبي وقاص، أن عثمان... أو أن سعدًا مر على عثمان بن عفان وهو جالس، فسلم عليه سعد. سلم على عثمان، فنظر... نظر إليه عثمان ولم يرد عليه السلام. نظر إليه ولم يرد عليه السلام. فاستغرب سعد من هذا الفعل، وكان ذاهبًا إلى عمر، فأخبر عمر بذلك. فأرسل عمر إلى عثمان وقال: «ما لك على أخيك يرد أو يسلم عليك ولا ترد عليه وتنظر إليه؟» قال: والله ما رأيته. قال عثمان: والله ما رأيته ولا سمعت أنه سلم عليه. أنا أقول: ما رأيته، كيف أرد؟ فقال سعد: سبحان الله! فأنا أتعجب كيف نظرت إلي ولما سلمت عليك وتقول: ما رأيته؟ قال: ثم إن عثمان ذكر، قال: نعم، لم يذكر أن سعد مر عليه، لكن ذكر أنه كان مشغولًا. فقال: نعم، كنت إذا ذكرت قول النبي عليه الصلاة والسلام: «دعوة ذي النون وهو في بطن الحوت: سبحانك اللهم سبحانك، لا إله إلا أنت، أو قال: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.» قال: «دعوة ذي النون وهو في بطن الحوت: سبحانك لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. لا يقولها عبد مسلم...» ثم شغل النبي صلى الله عليه وسلم شغله الأعرابي فلم يتمم الحديث. فقال عثمان: فإذا فكرت في هذا أخذني مثل هذا... قال عمر: فقال سعد: مادام هكذا فأنا أخبرك. لما قال النبي عليه الصلاة والسلام هذا الكلام: «دعوة ذي النون وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.» قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقولها مسلم...» ثم شغل شغله الأعرابي. فلما ذهب قال: تتبعت أنا، سرت خلفه. قال: فلما رأيت أنه سيفوتني، فأنا أدخل بيته ولا أكلمه، فضربت رجلي في العرض حتى أعلمه أني خلفه. قال سعد: فضربت رجلي في العرض، فالتفت النبي عليه الصلاة والسلام فقال: «يا أبا إسحاق، ما لك؟» فقال: يا رسول الله، قلت: دعوة ذي النون وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، لا يدعو بها مسلم... ثم شغلك الأعرابي ولم تقل. قال: نعم، دعوة ذي النون وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك، سبحانك، إني كنت من الظالمين. قال: «لا يقولها عبد المسلم إلا استجاب الله له، لا يقولها عبد المسلم إلا استجاب الله له.» فهذه القصة حصلت بين الصحابة رضي الله عنهم. فقد يحصل للإنسان هذا الأمر. والنبي عليه الصلاة والسلام لما كان يأتيه جبريل كان يلتفت بكله، لأنه يحرص على أن لا يفوت على نفسه أو أن ينشغل بشيء مما يأتي به جبريل لأنه وحي. حتى أنه من حرصه عليه الصلاة والسلام كان إذا قرأ عليه جبريل القرآن كان يقرأ خلفه حتى لا ينساه. فأنزل الله عز وجل: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾. وقال أيضًا في سورة الإسراء: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾. فأمر الله عز وجل نبيه أنه لا يعجل، يستمع، ثم تكفل الله عز وجل بأن يجمعه في صدره: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾. إذا قرأته وحفظته فاتبع ما أمرك الله عز وجل به. فلهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يحرص على أن لا ينشغل بشيء إذا جاء جبريل. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما وعده جبريل أنه سيأتي مرة، فالنبي عليه الصلاة والسلام شغل حتى أنه ضاق عليه الصلاة والسلام لما رآه تأخر. ثم جاءه وقال له جبريل: «إني لم أدخل بيتك لأن فيه جرو، جرو أي كلب صغير. الكلاب سُمِّيَ جرو. فأخرج هذا الجرو من تحت السرير. وقال: ولأنه فيه تمثال، فقطع التمثال حتى صار كهيئة الشجرة.» فلهذا كما قلنا كان النبي عليه الصلاة والسلام يحرص على أن يتلقى الوحي دون أن ينشغل بشيء. فلهذا انشغل عن عمه، انشغل عن عمه رضي الله تعالى عنه. فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر. وأيضًا فيه فضيلة ابن عباس أنه رأى الشخص الذي يكلم نبي صلى الله عليه وسلم وهو جبريل، وأبوه لم يرَ. أبوه لم يرَ، لعل في ذلك حكمة حتى لا يأخذ في نفسه أي العباس على النبي عليه الصلاة والسلام. فإن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. شكرًا.