الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 97، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
بعد ثلاث سنوات من الدعوة السرية، أمر الله نبيه ﷺ بالجهار بالدعوة عبر آية الإنذار، فطمأنه الله بنصره وجمع النبي ﷺ عشيرته من قريش وبني هاشم تحت الصفا لتبليغ الرسالة. استهل النبي ﷺ كلامه بسؤال يثبت صدقه فأقروا به، ممهداً لإنذارهم بعذاب شديد إن لم يؤمنوا.
صعد النبي ﷺ على الصفا ونادى بطون قريش فاجتمعوا، فأنذرهم بعذاب شديد بعد إقرارهم بصدقه، فكفر أبو لهب وتوعده بالسوء فنزلت سورة تبت تكذيباً له وتخليداً لخيبه. كان ذلك أول إعلان جهرى بالدعوة ومواجهة علنية مع قريش.
يختتم المتحدث الدرس بالإشارة إلى أن حديث أبي هريرة سيأتي لاحقاً إن شاء الله، ويكتفي بالقدر الذي تم طرحه مختتماً بالحمد لله رب العالمين. تم ذكر اسم المترجمة نانسي قنقر في ختام التسجيل.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله: «باب: وأنذر عشيرتك الأقربين، واخفض جناحك»، أي: ألِن جناحك، أو جانبك. قال: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الأعمش، قال: حدثنا عمر بن مرة الحمداني، قال: حدثنا سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: لما نزلت ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214]، صعد النبي عليه الصلاة والسلام على الصفا، فجعل ينادي: «يا بني فهر»، «يا ابن مالك» - وهم قريش - «يا بني عدي» - أي بطون قريش - حتى اجتمعوا. قال: فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو. فاجتمع لهب وقريش، فقال: «أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟» قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا. قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد». فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: 1-2]. فهذه الآية لما نزلت ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، جهر النبي عليه الصلاة والسلام بدعوته، وقد كان ثلاث سنوات بعد نزول الوحي عليه وهو يدعو الناس سرًا، يدعوهم سرًا، يدعو من وثق به من أصحابه ومن يعرفه من أهله، فأسلم أناس كثير. ثم أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يجهر بهذه الدعوة، فأنزل الله عز وجل ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، أي: أنذر قريشًا. قريشًا قد جاء في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: إن الله عز وجل قال: «وأنذر قريشًا»، فقال: يا رب، إنهم يثلغوا رأسي، فيدعوه في الخبزة. فقال الله عز وجل: «بل نغزهم نغزهم، وأرسل جيشًا نرسل عشرة»، أنا لا تخاف أبدًا، فالله عز وجل معك. فالنبي عليه الصلاة والسلام هاب قريشًا في بداية الأمر، فطمنه الله عز وجل وأنه لا يخافهم، فإن كانوا جيشًا فنرسل أكثر منهم. فلهذا تعزم النبي عليه الصلاة والسلام وشد نفسه وأطمع، وأنذر عشيرته، وخص وعم من عشيرته من بطون قريش، من بني فهر، بن عدي، بن مخزوم، وكذلك أهله من بني هاشم، حتى اجتمع الناس تحت الصفا. الصفا هذا جبل معروف، وهو الآن داخل المسجد الحرام، الصفا الذي يطوف الناس أو يسعى الناس بين الصفا والمروة. فهذا الجبل اجتمع عنده الناس، فكلمهم النبي عليه الصلاة والسلام، وأول قدم لهم مقدمة حتى يتقبلوا كلامه، فقال: «أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟» قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا. وفي هذا الأسلوب أيضًا أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يقيم عليهم الحجة، وأنهم قالوا بألسنتهم أنهم ما جربوا عليه كذبًا، فإذا كان لا يكذب في حق الناس، فلا شك أنه ما سيكذب في حق الله سبحانه وتعالى، فحق الله أعظم. فلهذا لما قالوا: ما جربنا عليك إلا صدقًا، قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد». ولأنهم يعلمون صدق النبي عليه الصلاة والسلام، فما كذبه إلا هذا المدبر أبو لهب، فقال: تبا لك سائر اليوم، أجمعتنا لهذا؟ فقال: فنزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾، أنا صار توعده الله عز وجل بالعذاب وبالنار، وأن ما له هذا الذي معه ما يغني عنه. ولهذا منذ نزول تلك الآية وأبو لهب خائف على نفسه، حتى أنه لما عزم الناس إلى بدر خاف ولم يخرج، خاف أن يقتله النبي عليه الصلاة والسلام. وخلاصة هذا الحديث فيه - كما قلنا - أول بداية دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة الجهرية، أول ما جهر بهذا المكان. سيأتي إن شاء الله تعالى أيضًا حديث أبي هريرة، وفيه أيضًا بعض الأشياء التي غير هذا، فإن شاء الله تعالى نكتفي بهذا القدر، والحمد لله رب العالمين. ترجمة نانسي قنقر