الدرس في كتاب البيوع 3، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يناقش تحريم الربا في الإسلام وأنواعه، مستندًا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. يُفصّل العلامة السعدي رحمه الله شروط البيع ويُعرّف الربا لغة وشرعًا.
يشرح شروط بيع الأصناف الربوية، حيث يشترط التماثل والتقابض عند بيع الصنف الربوي بجنسه، ويجوز التفاضل مع التقابض عند بيع صنف ربوي بغير جنسه. يُبين ضوابط التعامل مع الأصناف الربوية المختلفة.
يتناول أحكام الربا في الأصناف الربوية الستة المذكورة في الحديث النبوي، ويشرح آراء أهل العلم حول علة الربا في هذه الأصناف، ويخلص إلى أن الربا لا يجري إلا في هذه الأصناف فقط.
لا يجوز بيع التمر بتمر إلا إذا كان هناك تماثل في الكمية، ويحرم بيع صبرة أو كوم من التمر بصاع من التمر. الجهل بالتساوي في الكمية يعتبر مثل العلم بالتفاضل في التحريم.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في كتابه "منهج السالكين" في كتاب البيوع: قال، ومن شروط البيع أيضا ألا يكون فيه ربا. عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد. فمن زاد أو استزاد فقد أربى". رواه مسلم. قال، فلا يباع مكيل بمكيل من جنسه إلا بهذين الشرطين، ولا موزون بجنسه إلا كذلك. وإن بيع مكيل بمكيل من غير جنسه، أو موزون بموزون من غير جنسه، جاز بشرط التقابض قبل التفرق. وإن بيع مكيل بموزون، أو عكسه، جاز ولو كان القبض بعد التفرق. ذكر رحمه الله في هذا الموضع من شروطية من شروط البيع ألا يكون فيه ربا. وبعد أن ذكر من شروط البيع الرضا، والعلم بالمبيع، وألا يكون فيه غرر وجهالة، وأن يكون البائع مالكا للسلعة، وأن يكون بالغا رشيدا، ذكر من شروط البيع ألا يكون فيه ربا. الربا في اللغة: النمو والزيادة. قال الله جل وعلا: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ يعني نمت وزادت. وفي قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ يعني لا يزيد عند الله جل وعلا. وفي حديث أبي هريرة: "من تصدق من كسب طيب، والله لا يقبل إلا الطيب، إلا تقبلها الرحمن بيمينه، فيربيها لصاحبها" يعني ينميها ويزيدها. فالربا لغة: النمو والزيادة. وشرعا: هي الزيادة في الصنفين الذين يجب فيهما التماثل، أو تأخير قبض ما يجب قبضه. فمن هذا التعريف يتبين أن الربا على قسمين: ربا الفضل، وربا النسيئة. ربا الفضل: هو الزيادة أن يزيد الإنسان في الصنف الذي يجب فيه التماثل والتساوي، مثل أن تبيع ذهبا بذهب، يجب التماثل. تبيع عشر جرام من الذهب بعشر جرام من الذهب، إذا زدت في أحد الصنفين وهما من جنس واحد، بأن تبيع مثلا عشر جرامات بخمس جرامات من الذهب، عشر جرامات من الذهب الردي بخمس جرامات من الذهب الجيد، هذا ربا يسمى ربا الفضل. وربا النسيئة: هو تأخير ما يجب فيه التقابض. فالذهب بالذهب يجب فيه التماثل ويجب فيه التقابض. لو أنك بعت ذهبا بذهب ولو كان متماثلين، لكن أخرت القبض وقعت في ربا النسيئة. لو اشتريت عشر جرامات من الذهب بعشر جرامات من الذهب، لكن هي مؤخرة، تقول: سأتيك بها بعد ساعة، هذا ربا النسيئة. هذان النوعان من أنواع الربا: ربا الفضل، وربا النسيئة. وهناك أيضا نوع آخر ثالث، وهو ربا القرض، وهو أن يزيد الإنسان في قيمة الدين، أو أن يزيد المقرض في قيمة القرض، ويكون ذلك مشترطا في العقد. تعطي إنسانا دينا، يقول: أريد منك دينا، تقول: أبشر، هذه عشرة آلاف، لكن تردها إحدى عشر ألفا أو اثنى عشر ألفا، هذا يسمى ربا القرض أو ربا الدين. والربا بجميع أنواعه محرم، والتعامل به من كبائر الذنوب. قال الله جل وعلا: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وهكذا أحاديث كثيرة في السنة، كحديث أبي هريرة في البخاري: "اجتنموا السبع الموبقات" وذكر منها: "أكل الربا". وهكذا حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم في بيان عقوبة آكل الربا يوم القيامة، وأنه يلقم الحجر في فمه، وغيرها من الأحاديث الكثيرة في بيان تحريم الربا. وقد قال صلى الله عليه وسلم: "درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية". وفي حديث آخر: "الربا سبعون بابا، أدناها مثل أن يأتي الرجل أمه". أحاديث كثيرة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في بيان حرمة الربا. قال، عن عبادة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة" الحديث. هذا الحديث يدل على جريان الربا في هذه الأصناف الستة: الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح. وأنه يجب إذا بيعت بجنسها التماثل والتقابض. وإذا اختلفت فيجوز التماثل ويجب التقابض. ويدل على تحريم كلا نوعي الربا: ربا الفضل، وربا النسيئة. لقوله: "مثلا بمثل، سواء بسواء" هذا تحريم ربا الفضل. وقوله: "فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد" هذا تحريم ربا النسيئة. وهناك أحاديث أخرى في الباب، حديث عمر رضي الله عنه في الصحيحين: "الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء" يعني إلا أن تأخذ وتعطي. والفضة بالفضة ربا إلا هاء وهاء. الحديث أيضا جاء في حديث أبي بكرة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الذهب بالذهب، مثلا يعني سواء بسواء، والفضة بالفضة سواء بسواء، والذهب بالفضة والفضة بالذهب فبيعوا كيف شئتم". وأيضا جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وفي الصحيحين أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الذهب بالذهب ربا، الذهب بالذهب مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض". والمعنى: لا تزيدوا. وقالوا: لا تبيعوا غائبا بناجز، يعني حاضر بغائب. فهو يدل على تحريم ربا الفضل وربا النسيئة. وهناك أحاديث أخرى كثيرة في الصحيحين وفي السنن في هذا المعنى في تحريم الربا: ربا الفضل وربا النسيئة. وأما حديث زيد بن ثابت أو سلمة بن زيد، عن ابن عباس: "لا ربا إلا في النسيئة". هذا المراد به: يعني أعظم الربا وأشده ربا النسيئة، وليس معنى نفي ربا الفضل. وإلا ربا الفضل ثابت في هذه الأحاديث وغيرها من الأحاديث. فقوله: "لا ربا إلا في النسيئة" يعني لا ربا أولى بالتحريم وأشد تحريما من ربا النسيئة. واستدلال بعض العلماء على أن لا ربا إلا في النسيئة بهذا الحديث خطأ. فاستدلالهم بهذا الحديث على أنه لا ربا إلا في النسيئة فقط، فاستدلال خاطئ. والأحاديث التي ذكرنا وحديث الباب تدل على جريان الربا في ربا الفضل. فقوله عليه الصلاة والسلام: "الذهب بالذهب" يعني إذا بعت ذهبا بذهب. والفضة بالفضة إذا بعت فضة بفضة. يعني بعت الشيء بجنسه. الذهب جنس تحت أنواع متعددة، هناك عيار واحد وعشرين، وهناك عيار ثمانية عشر، وهناك ذهب رديء، وهناك ذهب جيد، وهناك ذهب يعني كمان نسميه محلي وذهب خارجي، هذه أنواع. والجنس واحد: ذهب. إذا بعت ذهبا بذهب، أو بعت فضة بفضة، أو بعت برا ببر، البر جنس تحت أنواع: بر محلي، وبر خارجي، كذلك الشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح. قال: "مثلا بمثل، سواء بسواء" يعني إذا بعت الصنف الربوي بجنسه، ولو اختلف النوع، لابد من التماثل، ولابد من التقابض. إذا بيع الصنف الربوي بجنسه فلابد من شرطين حتى يصح البيع وتسلم من الربا: الشرط الأول التماثل والتساوي، والشرط الثاني حصول التقابض. مثلا الذهب بالذهب، إذا أردت أن تبيع ذهبا بذهب فلابد أن تبيع مثلا مئة جرام من الذهب بمئة جرام من الذهب، ولو اختلفا في النوع، لابد من التماثل. فلا تقول: هذا الذهب رديء وقديم أو مكسر، وهذا الذهب مصنع، فننقص من الجيد ونزيد في الرديء، فنبيع مثلا مئة جرام من الذهب الرديء بخمسين جراما من الذهب الجيد، هذا ربا. لماذا؟ لعدم التماثل وتساوي. ولابد أيضا من التقابض، لا يجوز أن تعطيه مئة جرام من الذهب على أن يعطيك مئة جرام من الذهب في وقت آخر، في غير مجلس العقد، هذا ربا النسيئة. لابد من التماثل ولابد من التقابض. هكذا أيضا الفضة بالفضة، كذلك لابد أن تبيع فضة بفضة متماثلين، تبيع عشر جرامات من الفضة بعشر جرامات من الفضة، ويحصل التقابض قبل التفرق. هكذا أيضا البر بالبر، لو عندك بر جديد وبر قديم، تقول: سأشتري منك البر الجديد بكيسين من البر القديم، هذا ربا، ربا الفضل. عندك بر قديم، تقول: سأشتري منك كيسا من البر الجيد الجديد بكيسين من البر القديم، هذا ربا الفضل. لابد من التماثل لأن الجنس واحد وهو البر، ولو اختلف النوع اختلفت الجودة، لابد من حصول التماثل. فإذا حصل التماثل، قل: سأشتري منك برا قديما ببر جديد، كيسا بكيس، مثلا خمسين كيلو بخمسين كيلو، لكن سأتيك بالبر في وقت آخر، هذا ربا النسيئة، لأن الجنس واحد، فلابد من التماثل ولابد من التقابض. وهكذا بقيت الأصناف: الشعير والتمر بجنسه، والتمر بجنسه، والملح بجنسه، لابد من التماثل ولابد من التقابض. قال: "مثلا بمثل، سواء بسواء". فإذا اختلفت هذه الأصناف، إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد. إذا اختلفت هذه الأصناف، يعني بعت ذهبا بفضة، هل يجب التماثل؟ الجواب: لا، لأنك الآن بعت هذا الصنف بغير جنسه. إذا اختلف الجنس جاز التماثل ووجب التقابض. إذا بعت الصنف الربوي بغير جنسه جاز التماثل ووجب التقابض. قال: "فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم" يعني ما يجب التماثل، لك أن تزيد في إحدى النوعين. فمثلا تشتري مئة جرام من الفضة بخمسين جراما من الذهب، هذا جائز، لكن يشترط التقابض. يشترط التقابض. فإذا بعت برا بشعير، هل يجوز أن تبيع كيسا من البر بكيسين من الشعير؟ يجوز، لأن البر جنس والشعير جنس آخر. وهذا هو الصحيح أن البر جنس والشعير جنس، كما في هذا الحديث: "البر بالبر، والشعير بالشعير". لأن بعض العلماء يقول: البر والشعير جنس واحد. والصواب أنهما جنسان مختلفان: البر جنس والشعير جنس. على القول بأنهما جنس واحد، هل يجري فيهما الربا؟ نعم، يجري فيهما ربا الفضل وربا النسيئة. إذا بيع البر بالشعير على القول بأنهما جنس واحد، فلابد من التماثل ولابد من التقابض. لكن على القول بأنهما جنسان مختلفان، على القول الصحيح، فيجب فيهما التقابض فقط، ويجوز التماثل. قال: "وإن بيع مكيل بمكيل من جنسه، أو موزون بجنسه، إلا كذلك". كما ذكرنا الآن، المراد بالمكيل بالمكيل: أي البر والشعير والتمر والملح، لأنها كانت تباع بالكيل. كانت هذه الأشياء مكيلة. الكيل يعني مقدار معين، وعاء معين يوضع فيه البر أو الشعير أو التمر أو الملح. أما اليوم فهي تباع بالوزن، فكذلك الموزون. المراد به: الذهب والفضة، لأنها تباع بالوزن. يقول: إذا بيع المكيل بمكيل من جنسه لابد من هذين الشرطين، وهما التماثل والتقابض. إذا بيع البر بالبر، أو الشعير بالشعير، أو التمر بالتمر، أو الملح بالملح. ولا موزون بجنسه إلا كذلك، يعني الذهب بالذهب والفضة بالفضة، فلابد من التماثل ولابد من التقابض. قال: "وإن بيع مكيل بمكيل من غير جنسه، أو موزون بموزون" يعني ذهبا بفضة، أو فضة بذهب. أو موزون بموزون من غير جنسه، جاز بشرط التقابض قبل التفرق. يعني جاز التفاضل بشرط التقابض قبل التفرق. فتبيع كما سمعنا برا، يعني كيسا من البر بكيسين من الشعير، هذا جائز، لكن يشترط التقابض قبل التفرق. لو قال: آتيك بكيسين من الشعير، وقال: أريد كيسا من البر، قال له: الآن البر غير موجود، سيأتي إن شاء الله، قد اشتريت منك البر، وهذا الشعير سلمه إياه، هذا ربا النسيئة، ما يجوز، لعدم حصول التقابض يدا بيد. فلابد من التقابض قبل التفرق. إذا أراد الإنسان أن يشتري جنسا نوعا جيدا بنوع قديم من نفس الجنس، مثلا تمرا جيدا يريد أن يشتريه بتمر قديم، أو برا جيدا ببر قديم، كيف يفعل؟ إذا كان ما يجوز أن يشتري كيسين بكيس، أو يشتري الصاع من التمر الرديء الجيد بصاعين من التمر الرديء، كيف يفعل؟ جاء في حديث أبي سعيد في الصحيحين أن بلالا رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني، نوع من أنواع التمر الجيد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أكل تمر خيبر هكذا؟" فقال: لا يا رسول الله، إننا نشتري عندنا تمرا رديئا، فنشرى منه الصاعين بالصاع. يعني الصاعين من التمر الرديء بصاع من التمر الجيد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أوه أوه، عين الربا، لا تفعل، ولكن بيع التمر بالدراهم، ثم اشتر بالدراهم جنيبا". فأرشده النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يشتري تمرا جيدا ومعه تمر رديء، أن يبيع التمر الرديء بالدراهم، بالمال، ثم يشتري بالمال التمر الجيد. وبهذا يسلم من الربا. قال: "وإن بيع مكيل بموزون، أو عكسه، جاز ولو كان القبض بعد التفرق". وإن بيع مكيل بموزون، يعني ذهبا ببر، أو بشعير، أو بتمر، أو بملح، على أن هذه الأشياء الأربعة مكيلة. والذهب والفضة موزون. أو فضة ببر، أو فضة بشعير، أو بتمر، أو بملح. يقول: إن بيع مكيل بموزون، أو عكسه، يعني بيع المكيل موزونا بالمكيل، جاز. يعني جاز هذا البيع، ولو لم يحصل التقابض. قال: "ولو كان القبض بعد التفرق" يعني يجوز تأخير القبض. ما هو الدليل؟ طبعا هذه المسألة بالإجماع أنها جائزة، لكن ما هو الدليل؟ مع أن ظاهر الحديث في قول عمر والسلام: "فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد" أنه يشمل كذلك بيع الموزون بالمكيل، أنه يجوز، لكن بالتقابض. لكن دل الحديث، وقام الإجماع على جواز بيع الموزون بالمكيل، وحصول ذلك من غير تقابض. وضعف على ذلك بيع السلم. بيع السلم جائز باتفاق أهل العلم، يعني بيع موصوف في الذمة، بثمن مقدم في مجلس العقد. يأتي إنسان يريد مثلا مئة كيلو من التمر، يقول لصاحب مزرعة: أنا أريد مئة كيلو من التمر بعد سنة، النوع الفلاني، يقول: أبشر، كم قيمته؟ قال: قيمة مثلا خمسين ألفا، يقول: هذه خمسين ألفا مقدمة، يدفع الثمن مقدم. الآن قدم الثمن وأخر المثمن. وما هو المثمن؟ التمر. والتمر صنف ربوي. ومع هذا جاز هذا البيع. دل هذا على جواز تأخير القبض إذا كان الثمن ذهبا أو فضة، وكان المثمن أحد أصناف الربوية من المكيلات التي هي البر أو الشعير أو التمر أو الملح. وأيضا حديث أنس في الصحيحين في قوله: "مات النبي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهون عند يهودي على ثلاثين صاعا من شعير". والشعير صنف ربوي. معنى أخذه النبي صلى الله عليه وسلم بالدين، ما أعطوا قيمة البر الشعير، ورهن الدرع مقابل تأخير قيمة الشعير. دل هذا على جواز شراء هذه الأصناف الربوية دينا، متأخر القبض، إذا كان الثمن ذهبا أو فضة. قوله: "مكيل لمكيل، موزون بموزون" هل هذا يشمل الأصناف المذكورة في الحديث فقط، أو أنه يشمل كل مكيل وكل موزون؟ يعني هل هذه الأصناف الربوية هي خاصة بهذه الأصناف الستة فقط، أو أنه يلحق بها غيرها؟ هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم. من أهل العلم من قال: الذهب والفضة جرى فيهما الربا لأنهما موزونان، إذن كل موزون فيجري فيه الربا. كل موزون يجري فيه الربا. فقالوا: يجري الربا في الحديد والنحاس ونحو ذلك من الموزونات، قياسا على الذهب والفضة، لأن علة الربا فيها هي الوزن. وكذلك أيضا في بقية الأصناف: البر والشعير والتمر والملح، قالوا: علة فيها هي كونها مكيلة. كونها مكيلة. إذن كل ما يكال فيجري فيه الربا. كل ما يكال فيجري فيه الربا. قالوا: إذن يجري الربا في الذرة وفي الأرز وفي الدخن وفي العدس، وغيرها من الأطعمة التي تكال، فتلحق بهذه الأصناف الأربعة. ومن أهل العلم قال: لا، ليس العلة هي الوزن والكيل، وإنما العلة في الذهب والفضة هي النقدية والثمنية، كونها ثمنا للأشياء. كونها ثمنا للأشياء. فكل ما يكون ثمنا فإنه يجري فيه الربا، قياسا على الذهب والفضة. كل ما يكون ثمنا ونقدا تشترى به الأشياء والسلع، فإنه يجري فيه الربا. وأما بقية الأصناف الأربعة: البر والشعير والتمر والزبيب والملح، فالعلة فيها هي الطعم، كونها مطعومة. فكل مطعوم يجري فيه الربا. كل مطعوم يجري فيه الربا، وعلى هذا فيجري الربا في كل ما يطعم: الألبان والأجبان والفواكه والخضار، وغيرها من الأطعمة التي تطعم، فتلحق بهذه الأصناف الأربعة. وقال آخرون: لا، ليس العلة هي الطعم، العلة هي الاقتيات والادخار، كونها تقتات وتدخر. فيجري الربا في كل ما يقتات تقتاته الناس ويدخرونه، يعني يمكن أن يحفظ، يمكن أن يحفظ هذه الأصناف. البر والشعير والتمر والملح تخزن وتبقى ولا تتلف. فكل ما كان كذلك فيلحق بهذه الأصناف الأربعة، مثل الأرز والذرة والدخن والفاصوليا والفول والتين، وغيرها من الأصناف الأطعمة التي تدخر. واختلف أهل العلم اختلافا كثيرا في علة الربا. ونحن نعلم أنه ليس عندنا في هذه الأحاديث ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم العلة، ما ذكر ما هي العلة في جريان الربا في هذه الأصناف. وإنما أخبر أن الربا يجري في هذه الأصناف. وعلى هذا، في القول الصحيح: أن الربا لا يجري إلا في هذه الأصناف الستة فقط. الربا لا يجري إلا في هذه الأصناف الستة فقط. ولو كان ربا يجري في غيرها، لبين ذلك النبي عليه الصلاة والسلام. لكن ما ذكر ذلك. ولهذا اختلف أهل العلم اختلافا كبيرا في بيان علة الربا، لأنها غير منصوصة، وغير مجمع عليها. فحصل الاختلاف في استنباط العلة وتحقيق المناط، فوقع بينهم الخلاف الكبير. وعلى هذا، في القول الراجح: أن الربا لا يجري إلا في هذه الأصناف الستة فقط. لكن من نُسب للذهب والفضة فيلحق بها الأوراق النقدية، الأوراق النقدية تلحق بالذهب والفضة بعلة الثمنية، بعلة الثمنية. يعني كونها ثمنا. فكل ما يكون ثمنا للسلع فيلحق بالذهب والفضة، ويجري فيه الربا. والقول بعدم جريان الربا في الأوراق النقدية، كما قال بعض أهل العلم، يفتح باب الربا على مصرعيه. إذن نقول: الربا يجري في هذه الأصناف الستة، وكذلك بالأوراق النقدية. فتكون الأصناف الربوية سبعة: هذه الستة المذكورة، والأوراق النقدية الملحقة بالذهب والفضة. وعلى هذا، إذن الأوراق النقدية تعتبر جنسا من أجناس الأصناف الربوية. فإذا بيعت بجنسها، يعني مثلا عملة العملة اليمنية إذا أردت أن تبيع ألفا بألف، لابد من التماثل والتقابض. لا يجوز أن تبيع ألفا بألف ومائتين، هذا ربا الفضل. أو تبيع ألفا بألف وتؤخر القبض، هذا ربا النسيئة. إذا بيعت بنوع آخر، بيعت ريالا يمنيا بريال سعودي، يشترط التقابض، ويجوز التماثل. ما يجوز التفاضل ويجب التقابض. يعني تبيع مائة ريال يمني بخمسين ريالا سعوديا، مثلا بثلاثين ألف يمني، هذا التفاضل، لكن نشترط التقابض يدا بيد. إذا جرى الربا في الأوراق النقدية. طيب إذا اشتريت ذهبا بأوراق نقدية، ماذا يشترط؟ اشتريت ذهبا بأوراق نقدية، قال: هذا الذهب بمائة ألف ريال يمني، تقول: سيأتيك إن شاء الله بالمبلغ في العصر، وتأخذ الذهب، يجب التقابض، لأنها تعتبر اختلفت الأصناف، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد، لابد من التقابض. هذه الأصناف مكيلة الآن، قلنا: تباع اليوم أصبحت توزن. البر والشعير والتمر والملح فيجوز بيعها بالوزن، والوزن أضبط من الكيل. حيث الضبط أضبط من الكيل. إذن يجوز بيع المكيل موزونا. طيب لكن هل يجوز بيع الموزون كيلا؟ هل يجوز بيع الموزون كيلا؟ الذهب ستبيع ذهبا بذهب، تأتي بقصعة فيها ذهب، بقصعة فيها ذهب، كيلا بكيل، لا يجوز. لأن الموزون ما يمكن أن يكال، إنما يباع بالوزن. أن الوزن يضبطه. والعلم بالجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، هذه قاعدة في باب الربا. ذكر المؤلف هنا قال: "والجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل". إذا جهل التماثل فهو كالعلم بوجود التفاضل والفرق والزيادة. فإذا بعت قصعة من الذهب بقصعة من الذهب، وأنت الآن تجهل تساوي، وجهلك بالتساوي معناه علمك بالتفاضل، بحصول المفاضلة والفرق والزيادة، وهذا لا يجوز. الجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل. وعلى هذا لا يجوز بيع البر بالبر جزافا من غير كيل، تقول: أشتري منك هذا البر بهذا الكيس من البر، ما يجوز. لأن الجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل. وهنا ستبيع هذا الكوم من البر جزافا، وأنت تجهل مقداره، وستبيعه بجنسه من البر، ولابد من التماثل، والتماثل هنا غير معلوم، فلا يجوز. إلا أن يكال ويتأكد من كيله، أو يوزن ويباع بمثله، ويباع بوزنه من مثله. أما يباع جزافا من غير التماثل فلا يجوز. ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الصبرة من التمر بالكيل المعلوم من التمر. بيع الصبرة بالتمر بالكيل المعلوم من التمر، يعني لو كان الكيل المعلوم عندك مثلا صاع من التمر، تريد أن تشتري به كوما من التمر، ما يجوز. لأن الجنس واحد: تمر بتمر، لا بد من حصول التماثل بين يعني هذا الصاع وما تشتري به من التمر. لكن تبيع صبرة من التمر أو كوما من التمر بصاع من التمر، هذا لا يجوز. الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل. صلى الله وسلم على نبينا محمد، عليه الصلاة والسلام، وعلى آله وصحبه أجمعين.