الدرس في القواعد والاصول الجامعة 43، ألقاها
القاعدة الثامنة عشرة من كتاب القواعد والوصول للجامعة تنص على ضمان المثليات بمثلها والمتقومات بقيمتها. وتوضح كيفية تحديد المثليات والمتقومات وفقًا لآراء العلماء.
المثلي هو ما له مثل أو مشابه أو مقارب، وقد دلت السنة النبوية على ذلك من خلال أمثلة وقصص. مما يدل على أن المثليات لا تختص بالمكيلات والموزونات.
يُلزم من أتلف مالًا لغيره بضمانه بمثله إذا كان مثليًا أو بقيمته إذا كان متقومًا. كما يُلزم من استقرض أو تعدى على أمانة برد المثل أو القيمة حسب الحالة.
من يتعدى أو يفرط في حفظ المال أو الأمانات يضمن المثل أو القيمة. هذا الضمان يشمل التعويض عن الخسارة أو الضرر الناتج عن ذلك.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الأعلام السعد رحمه الله في كتابه "القواعد والوصول للجامعة": القاعدة الثامنة عشرة: "تضمن المثليات بمثلها والمتقومات بقيمتها". تضمن المثليات بمثلها، يعني الأشياء التي لها مثل، فإنها تضمن بمثلها إذا أتلفها الإنسان، فإنه يضمنها بمثلها. والمتقومات بقيمتها، أي الأشياء التي ليس لها مثل، فإنها تضمن بالقيمة، يضمن بقيمتها، فيدفع قيمتها إلى صاحبها. فهذه القاعدة هي ضابط من الضوابط، وتبين القاعدة التي مرت معنا في الأبواب أو القواعد السابقة، التي فيها بيان وجوب الضمان على من أتلف شيئًا إذا كان متعديًا أو مفرطًا. وفي هذه القاعدة يبين كيفية الضمان، إنسان وجب عليه الضمان، كيف يضمن؟ فيبين في هذه القاعدة أن المثل يضمن بمثله، وأن المتقوم يضمن بقيمته، وهي قاعدة متفق عليها بين أهل العلم، لكن الخلاف في معرفة وبيان معنى المثل والمتقوم، ما هي المثليات؟ وما هي المتقومات؟ قال رحمه الله: اختلف العلماء، ما هي المثليات؟ فقيل: إنها المكيلات والموزونات فقط، والمتقومات ما عداها. قيل: أن المثليات المكيلات والموزونات، يعني كل ما كان مكيلًا أو موزونًا فهو مثلي، فهو مثلي الشيء الذي يكال أو يوزن، فهذا من المثليات. وما كان غير مكيل ولا موزون فهو من المتقومات، فهو من المتقومات. مثلا الذهب من الموزونات، إذن هو من المثليات، الفضة كذلك، البر والشعير هذه من المكيلات، فهي من المثليات. طيب البهائم هل تكال أو توزن؟ لا، إذن هي من المتقومات، السيارة من المتقومات لأنها لا تكال ولا توزن، والأقلام مثلا قالوا: هذه من المتقومات لأنها من المعدودات. وهكذا جعلوا المثليات خاص بالمكيلات والموزونات، وما كان غير مكيل ولا موزون فهو من المتقومات، هذا قول الحنابلة، قول الحنابلة، بل وقول الجمهور. قال: وقيل: إن المثليات ما كان له مثل أو مشابه أو مقارب، وهو الصحيح: أن المثلي ما كان له مثل أو مشابه أو مقارب، وهذا هو الصحيح، وهو كما قال رحمه الله. وهذا قول رجحه شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله، وابن القيم: أن المثلي ما كان له مثل، يعني له عين مثله، له عين مثله، فهذا مثلي. مثلا قلم له أقلام مثله، إذن هذا مثلي، سيارة توجد السيارات مثلها، هذا مثلي، كتاب يوجد كتب مثله، هذا مثلي. أو مشابه، إن لم يكن عينه فهو مشابه له، المشابه هو ما كان يشبه المثل، أو يقال مثلا يشبه ما أتلف في أكثر الوجوه، ما أشبهه في أكثر الوجوه، يقال له مشابه. والمقارب ما شابهه في بعض الوجوه، ما شابهه في بعض الوجوه، فإذا كان هذا المثلي له مثل عين بعين، عين مثله سواء بسواء، أو مشابه أو مقارب، فهذا هو المثلي، هذا هو الصحيح. والدليل قال: لأنه صلى الله عليه وسلم استقرض بعيرًا، وقضى خيرًا منه، الحديث الصحيح. استقرض النبي عليه الصلاة والسلام بعيرًا، يعني استدان بعيرًا، ثم جاء صاحب البعير يطالب ببعيره وبقضاء الذي أعطى، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أعطوه مثله، يعني مشابهًا، أنه ربما يمكن أن يكون البعير مثل البعير عين بعينه، لكن مشابه له من حيث السن، من حيث الوصف. قالوا: يا رسول الله، لا نجد إلا أمثل من سنه، يعني أحسن منه، قال: أعطوه، فإن خيركم أحسنكم قضاء، فإن خيركم أحسنكم قضاء. فهنا قضى النبي عليه الصلاة والسلام بإعطاء هذا البعير بما هو أحسن منه، بما هو أحسن منه، ولم يعطه القيمة، لم يعطه قيمته، وإنما رد مثله بما هو مشابه له. وهذا يدل على أن المثليات لا تختص بالمكيلات والموزونات، لا تختص بالمكيلات والموزونات كما يقول أصحاب القول الأول. ولو كان كذلك لما أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يدفع له قيمته، قيمة هذا البعير، ولكن إنما أمر أن يرد له مثله. فلما لم يجد أمر بأن يعطوه أحسن منه. قال: ولأنه ضمن أم المؤمنين حين كسرت صحفة أم المؤمنين الأخرى، فأعطاها صحفتها الصحيحة، وقال: "إناء بإناء، وطعام بطعام". والحديث في الصحيح. أرسلت إحدى أمهات المؤمنين -في بعض الروايات أنها زينب- رضي الله عنها إلى النبي عليه الصلاة والسلام بصحفة فيها طعام، وكان عند عائشة، فلما رأتها غارت، فضربت الصحفة بيدها، فأسقطتها وكسرت كسرت الصحفة. فأخذ النبي عليه الصلاة والسلام صحفة عائشة وأعطاها إلى زينب، وضمن لها هذه الصحفة بمثلها، قال: "إناء بإناء"، يعني بدل هذا الإناء الذي تلف إناء مثله، "إناء بإناء، وطعام بطعام". والإناء ليس من المكيلات والموزونات، إنما هو من المعدودات، ومع ذلك ضمنه النبي عليه الصلاة والسلام بمثله. فدل هذا على أن المثليات لا تختص بالمكيلات والموزونات. ولا شك أن هذا القول هو الصحيح لدلالة هذه الأدلة عليه، بأن المثلي ما كان له مثل أو مشابه أو مقارب. قال: ولأن الضمان بالشبيه والمقارب يجمع الأمرين: القيمة وحصول مقصود صاحبه. الضمان بالشبيه والمقارب يجمع الأمرين: القيمة، أي قيمة هذا المتلف، فلا يذهب ماله هدر، لا يذهب ماله هدر. وكذلك أيضًا حصول مقصود صاحبه، وهو أن يجد بدل الذي ذهب عليه، أن يجد بدل من الذي قد تلف وذهب عليه، فيحصل هذا المقصود بضمان ماذا؟ المثليات بمثلها، أو ما شابها أو قاربها. قال: وعلى القولين، فمن أتلف مالًا لغيره، فإن كان مثليًا ضمينه بمثله، وإن كان متقومًا ضمينه بقيمته يوم تلفه. إن كان مثليًا ضمينه بمثله، أتلف شيء له مثل، وجب عليه أن يرد له مثله. أخذ عليه قلمًا فكسره، هذا القلم له مثل، يأتي له بقلم آخر مثله. طيب أتلف عليه مثلا كتابًا أو مسجلة، هذه المسجلة لها مثل في السوق، يأتي له بمثلها، بمثل هذه التي أتلفها. طيب إن لم يكن لها مثل، يدفع يدفع القيمة، أتلف شيئًا ليس له مثل ولا شبيه ولا مقارب، مثلا مسجلة ليس لها مثل في السوق، ولا ما يقاربها أو يشابهها، فهنا يضمن قيمتها، كم قيمتها؟ قيمتها كذا وكذا، فيدفع القيمة. قال: وكذلك من استقرض مثليًا رد بدله. أخذت من إنسان قرض ودين، فترد مثله. أخذت مثلا مالًا، ترد له مثل هذا المال. أخذت منه عشرة آلاف، فترد له عشرة آلاف مثلها. استقرضت منه شاة، فترد له مثلها، ليس المقصود المثل أن تكون بعينها، لكن مشابه ومقارب، يعني أخذت منه شاة مثلا عمرها سنة وهي سمينة، فترد له شاة مثلها عمرها سنة وهي سمينة، إذا لم يوجد مثل تدفع القيمة، تضمنها بقيمتها. قال: وإن كان متقومًا رد قيمته، يعني إن لم يكن له مثل، فهنا ترد القيمة. استغلطت منه شيء، أردت أن ترد مثله ما وجدت، فهنا تدفع له قيمته. قال: ومثل ذلك من أوجبنا عليه الضمان لكونه فرط في أمانته، أو تعدى فيها، أو كانت يده متعدية متعدية، فكل هؤلاء يضمنون المثل بمثله والمتقوم بقيمته. وأشباه ذلك كل من أوجبنا عليه الضمان لكونه فرط في أمانته أو تعدى فيها. إنسان وضع عندك أمانة، طيب مثلا وضع عندك سلاحًا مثلا، أخذت هذا السلاح فاستعملته حتى تلف، فهنا تضمن المثل، هذا السلاح له مثل، تأتي له بمثله، تأتي له بمثله. أو فرط في حفظه، فرط في حفظه فسرق، وهنا تضمن المثل، طيب ما أوجدت مثله، تضمن القيمة، تدفع له قيمته. وهكذا في كل تعدي أو تفريط في حفظ المال أو الأمانات، فإن صاحبها الذي تعدى أو فرط يضمن المثل بمثله والمتقوم بقيمته. صلى الله عليه وسلم على محمد، آله وصحبه أجمعين.