الدرس في القواعد والأصول الجامعة 63، ألقاها
إذا التقط شخص حيوانا ضائعا، فعليه تعريفه ثم يكون مخيرا بين حفظه أو بيعه أو أكله مع الالتزام برد قيمته لصاحبه. يلزمه فعل الأصلح لمصلحة الغير.
الإمام مخير في التعامل مع أسرى الحرب بين القتل أو الاسترقاق أو الفداء أو المن عليهم، ويجب عليه اختيار الأصلح. طبق النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأحكام مع أسرى بدر ومكة.
يجب على ولي اليتيم وناظر الوقف والوصي التصرف بالأحسن لمصلحة الغير، مستدلين بآية قرآنية. يُبيّن المقطع أمثلة على ذلك، مثل اختيار التجارة الأكثر ربحا لمال اليتيم.
العبد يختار ما يريده إذا كان التخيير لمصلحته، ويختار الأفضل إذا كان لمصلحة الغير. يجتهد في اختيار الأصلح عندما يكون التخيير لمصلحة الآخرين.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في كتابه "القواعد والوصول الجامعة"، في ذكره للقاعدة الرابعة والثلاثين: إذا خير العبد بين شيئين فأكثر، فإن كان التخير لمصلحته، فهو تخير يرجع إلى شهوته واختياره، وإن كان لمصلحة الغير، فهو تخير يلزمه فيه الاجتهاد في الأصلح. قال رحمه الله: مثال الثاني -أي مما يرجع فيه التخير إلى مصلحة الغير فيلزمه الاجتهاد في الأصلح- قال: تخير الملتقط للحيوان في حول التعريف بين حفظه والإنفاق عليه ليرجع على صاحبه إذا وجده، وبين بيعه وحفظ ثمنه، وبين أكله بعد أن يقومه على نفسه، ويلزمه فعل الأصلح. يقول: تخير الملتقط للحيوان، إذا وجد الإنسان حيوانا ضائعا -كشاه مثلا- فإنه يأخذها، فإذا أخذها فعليه تعريفها لمدة سنة. وهذا معنى قوله: "في حول التعريف"، يعرفها سنة في مجامع الناس، فيقول: هذا الذي التقط هذا الحيوان. هو مخير في حول التعريف، يعني خلال هذه السنة التي عنده فيها هذه الشاه، إما أن يحفظها وينفق عليها، يبقيها عنده ويطعمها، حتى إذا رجع صاحبها طالبه بالنفقة، يرجع على صاحبها بالنفقة التي أنفق عليها خلال هذه المدة. وإما أن يبيعها ويحتفظ بثمنها، ينظر كم قيمتها، فيبيعها مثلا بقيمتها، ويحتفظ بالثمن. وإما أن يأكلها بعد أن يقومها على نفسه، يأتي بأحد من أهل الخبرة، فيقول: هذه الشاه كم تساوي؟ فيقول: مثلا تساوي ثلاثين ألفا، يقول: خلاص، يقومها على نفسه، ثم يذبحها ويأكلها، على أنه إذا وجد صاحبها فهو يرد له قيمتها، وهي الثلاثون الألف. ينظر ما هو الأصلح، يجتهد في الأصلح في ذلك، هل الأفضل والأصلح أن يبقيها وينفق عليها، أو الأصلح أن يبيعها ويحتفظ بثمنها، أو الأصلح أن يأكلها ويقومها على نفسه ويضمن ثمنها؟ فيجتهد في الأصلح في ذلك. قال: وكذلك يخير الإمام في الأسير الحربي بين قتله، ورقه وأخذ فدائه، والمنة عليه، ويلزمه الأصلح. هذا الآن اختيار يرجع فيه إلى الأصلح. إذا قاتل المسلمون الكفار، وانتصروا عليهم، وأخذوا الأسرى من هؤلاء الكفار، فالإمام -أي الحاكم والولي، ولي الأمر- مخير في هؤلاء الأسرى، أسرى الحرب، إما أن يقتله، وإما أن يسترقه -يعني يجعله رقيقا، عبدا مملوكا- وإما أن يأخذ الفداء، أن يأخذ الفداء كي يأخذ مقابله مالا، ويرده للكفار، أو يفدي به بعض الأسارى من المسلمين مثلا. أو كذلك أيضا أن يمن عليه، المن عليه أن يطلقه بلا مقابل، أن يمن عليه بلا مقابل. قال: يلزمه الأصلح، ينظر ما هو الأصلح، وما هو الأفضل والأحسن، فيفعله. إن كان الأحسن القتل، قتله، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام مع بعض أسرى أهل بدر، قتل عقبة بن أبي معيط، وأمثال هؤلاء من صناديد الكفر. وإن كان الأفضل أن يفدي، فيأخذ الفداء منهم، فعل، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام في بعض أسرى بدر كذلك. وكذا أيضا فعل كذلك مع زوج ابنته زينب. وإما أن يمن، أن يمن عليهم -يعني أن يطلقهم من غير أن يأخذ شيئا من مقابل ذلك- كما من النبي صلى الله عليه وسلم على أهل مكة. فينظر ولي الأمر الأصلح في ذلك، فيفعله، فيجتهد في ذلك في اختيار الأصلح. على أن جميع هذه الأمور جائزة، يعني هو مخير فيها، اختيار كلها أمور مباحة. إن أراد القتل، وإن أراد الأسر أو الاسترقاق، وإن أراد أخذ الفداء، وإن أراد المن، لكن هو ينظر الأصلح للمسلمين وللإسلام، فيفعله. قالوا: من ذلك تصرفات ولي اليتيم، وناظر الوقف، والوصي، ونحوهم، إذا تعارضت التصرفات، لزمه أحسن ما يراه. قال تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾. الله عز وجل يقول: لا تقربوا مال اليتيم، هذا نهي، والأصل في النهي أنه للتحريم، فالأصل أن مال اليتيم محرم. لكن إذا ولي الإنسان مال يتيم، وصار له ولاية عليه، فإنه لا يتصرف فيه إلا بالأحسن والأفضل، إلا بالتي هي أحسن. لو عندنا حسن، وعندنا أحسن، فإنه يفعل الأحسن. يفعل الأحسن، مثلا، لو أراد أن يدخل مال اليتيم في تجارة، إحدى التجارتين مثلا، سيجد فيها من الربح قدر الثلث، وتجارة أخرى سيجد فيها من الربح قدر النصف، فالتي سيجد فيها قدر الثلث هذا حسن، والتي سيجد فيها قدر النصف هذا أحسن، فيفعل الأحسن. هذا الاختيار الآن ليس لشهوته ورغبته وإرادة نفسه، وإنما هو لأجل مصلحة الغير، فيختار الأحسن والأفضل. وهكذا ناظر الوقف، الناظر على الوقف، ينظر ما هو الأصلح لهذا الوقف، فيفعله. وهكذا أيضا ناظر الوصي، فإنه يفعل الأفضل والأحسن. وهكذا أيضا ولي المرأة -مثلا في النكاح- إذا صار الرجل وليا لمرأة من أقاربه، فينظر الأصلح الأصلح لها. إذا تقدم لها اثنان مثلا، أحدهما غني، لكنه فاجر فاسق، والآخر مسكين، لكنه من أهل الصلاح والاستقامة، فأيهما أصلح؟ الثاني، فيختار الثاني، لأن هذا هو الأصلح لها والأحسن، فيكون الاختيار هنا لمصلحتها، وما هو أنفع لها، ليس لمصلحة نفسه وشهوة نفسه. هذا معنى هذه القاعدة، مع ذكر بعض هذه الأمثلة، في أن العبد إذا خير بين شيئين، فإن كان التخير يرجع لمصلحته، فإنه يختار الذي يريد، على حسب رغبته وشهوته. وإن كان التخير لمصلحة الغير، فإنه يختار الأحسن والأفضل والأكمل، ويجتهد في اختيار الأصلح. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.