الدرس في رمضان والعناية بالجنان 4، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يستعرض المحاضر تفسير قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ مبيناً أن العفو من أخلاق الأنبياء والصالحين، ومستدلاً بالأحاديث النبوية والآيات القرآنية التي تبرز عظيم أجر العافي عند الله. كما يسوق أمثلة عملية من سيرة أبي بكر وعائشة رضي الله عنهما في العفو عمن أساء إليهما تجسيداً لهذا الخلق العظيم.
يسرد المقطع قصة عائشة رضي الله عنها وهي تعفو عن ابن أختها عبدالله بن الزبير بعد هجران طويل ونذر أعتقت فيه أربعين رقبة، وقصة جبير بن مطعم رضي الله عنه الذي تنازل عن نصف المهر المستحق له اقتداءً بقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾. ويشير أيضاً إلى قصة الصحابي أبي ضمضم في العفو رغم فقره تأكيداً على تطبيق السلف لهذا الخلق.
يحث النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة فيعرض صحابي عرضه مسامحاً من يغتابه أو يسبه، مبيناً أن حقوق العباد مبنية على المشاحة وتؤخذ من الحسنات يوم القيامة إن لم تُسامح في الدنيا. والمفلس الحقيقي من يأتي بحسنات كثيرة لكن تُذهب في مظالم الناس ثم يُلقى في النار، لذا ينبغي العفو والصفح طلباً للسلامة والأجر العظيم.
يختتم المحاضر الدرس داعياً الله التوفيق والقبول، ويشير إلى أن الدرس القادم سيكمل ذكر أقوال الصحابة والتابعين في طهارة القلب وسلامته لنيل نعيم الله. ويؤكد على أهمية الاستمرار في طلب العلم والعمل به لتحقيق الفلاح.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أشرف الأنبياء والمرسلين، سيد الخلق أجمعين، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فأما درسنا -بارك الله في الجميع- فهو قول الله سبحانه وتعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. وهذه الآية الكريمة هي تطهير للقلوب، وعمل بالأخلاق. يقول ابن الزبير -وهو عبد الله بن الزبير رضي الله عنه-: "أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أخلاق الناس". من أخلاق الناس، يعني أن الناس لهم أخلاق، فيقابلونك ربما بأخلاق سيئة، فأنت تأخذ العفو. ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. فهذه الآية العظيمة، كما تقدم، كيف كان نبينا صلى الله عليه وسلم يعامل الناس بالعفو، يعاملهم بالأخلاق الطيبة؛ لأجل أن يكسبهم، ويدخلهم إذا لم يكونوا مؤمنين في دين الإسلام، أو أن هذه المواقف تؤثر فيهم. وهو خلق العفو والصفح والمسامحة. فكان النبي عليه الصلاة والسلام في جانب عظيم من هذا الأمر الإلهي: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «مَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ». وجاء أيضًا في حديث عن موسى عليه الصلاة والسلام أنه سأل ربه ست خصال، ومنها أنه قال: "يا رب، من أعز عبادك عندك؟ قال: الذي إذا قدر عفا". الذي إذا قدر، قدر أي: قدر على أن يأخذ بالشدة والقوة والرد، لكنه يعفو. الذي إذا قدر عفا. لهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. أجره على الله، مثل الصائم، مثل الصائم الذي أجره على الله. كذلك الذي يعفو عن الناس، فإن له أجرًا عظيمًا. وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. يعني: إذا أساءوا إليهم. والعافين عن الناس، والله يحب المحسنين. هؤلاء الذين يتخلقون بهذه الأخلاق الجميلة والحسنة، هم عند الله سبحانه وتعالى من أهل العز والرفع، وهم كذلك من أهل الجنة. وذكرنا أيضًا في دروسنا الماضية حال الصديق رضي الله تعالى عنه لما عفى عن مسطح، وقد تكلم فيمن تكلم، ورد له النفقة. وهكذا أيضًا لما كان بينه وبين عمر ما كان، وأيضًا ما كان بينه وبين ربيعة، وغيرها من المواقف للصديق رضي الله عنه التي تدل على أنه عمل بما في كتاب الله جل وعلا، وبما في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ومن هؤلاء أيضًا أمنا عائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها، إذ أنها كانت تكرم حسان بن ثابت، كانت تكرمه. دخل عليها ذات مرة وقد عمي، وقد عمي، وقد عمي، صار شيخًا كبيرًا وقد عمي. فدخل عليها يستأذنها، فأذنت له، فأذنت له، ولم تتذكر أو تذكره بما وقع منه في حادثة الإفك. وكان حسان ممن تكلم، رضي الله عنه وأرضاه، لكن قد تاب الله عز وجل عليه لأنه ندم وتاب مما قال. فكانت عائشة إذا دخل عليها حسان تضع له وسادة فيجلس عليها. يدخل عبد الرحمن بن أبي بكر أخو عائشة رضي الله عنها فيقول لها: "تضعين له وسادة وتأذنين له؟" فتقول له: "إنه كان ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويشفي صدره، ويشفي صدره". فعائشة ما ذكرت ما كان من حسان، وإنما ذكرت -يعني من الإساءة إليها مثلًا في حادثة الإفك- ولكنها ذكرت دفاعه عن النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا عندها أعظم، عندها هذا أعظم: أنه يدافع وينافح ويكافح عن النبي صلى الله عليه وسلم. فكانت تكرمه، كانت تكرمه. ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. وهكذا عائشة رضي الله عنها لما قال ابن الزبير -وهو ابن أختها أسماء-: "والله لا أحجرن عليها". وذلك أن عائشة كانت تقسم ما لها، وما وهبها به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال ابن الزبير: "والله لا أحجرن عليها، تقسم أريعها وأرباعها، تقسمها". رضي الله عنها وأرضاها. فقال ابن الزبير: "لا أحجرن عليها، لا أحجرن عليها". فلما بلغها ذلك، نذرت أنها ما تكلم ابن الزبير، ابن أختها، ما تكلمه أبدًا. فبعد ذلك طلب أن يكلم خالته، فأبت عليه، يستأذن فلا تأذن له. جاءت الوساطات: كلم فلان وفلان، فما في فائدة. عائشة رضي الله عنها مصرّة على ذلك، مصرّة على ذلك. وأرادت التأديب. طبعًا من هذا أن يتأدب ابن أختها مما قاله فيها. ثم إن المسور بن مخرمة، وكان أحد الوسطاء، ومعه عبد الرحمن بن الأسود، دخلا عليها واستأذنا، وكان خلفهم ابن الزبير. فقالوا: "أتأذنين لنا؟" قالت: "نعم". قالوا: "كلنا". وهنا الشاهد: قالوا "كلنا"، وأرادوا أن يدخل معهم ابن الزبير. وهي لم تره أنه خلفهم. قالت: "كلكم ادخلوا". فدخلوا ومعهم ابن الزبير. فأنكب عليها وقبل رأسها، وجعل يحتضن خالته ويبكي، وهي تبكي. ثم حصل في ذلك الموقف العفو من عائشة رضي الله عنها على ابن أختها. وكان النذر شديدًا، نذرت أن تعتق رقابًا، فعتقت في ذلك النذر أربعين رقبة. وكانت إذا ذكرت نذرها بكت، إذا ذكرت هذا النذر رضي الله عنها بكت. فعائشة رضي الله عنها عفت بعد مدة على ابن أختها. فمهما طال الخصام، أو طال مثلًا الهجران، لا بد أن يرجع الشخص ويعفو عمن أساء إليه. وهكذا أيضًا كثير من الصحابة رضي الله عنهم عملوا بما في كتاب الله جل وعلا، سلامة لقلوبهم، لأن قلوبهم صافية، وأن قلوبهم نقية، فهم يعملون بالقرآن. فهذا جبير بن مطعم رضي الله عنه تزوج امرأة، وكان قد أعطاها الصداق كاملًا، ثم طلقها من قبل أن يدخل بها وأن يمسها، فكان له نصف المهر. ولكنه ذكر قول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾. إلا أن يعفون. فقال: "أنا أحق بالعفو منها". يعني: هي سترد له نصف المهر. وقال: "أنا أحق بالعفو منها". فترك لها المهر كاملًا، ولم يأخذ منه شيئًا، لم يأخذ شيئًا من المهر، وترك المهر كاملًا لهذه المرأة. قلقة. هذا أيضًا من جانب العفو، العفو في المال، العفو في المال. وذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في تهذيب مدارج السالكين قصة عن أبي ضمضم، وهو صحابي، لكنه ليس لديه شيء من المال، فقير. وحث النبي عليه الصلاة والسلام ذات يوم على الصدقة. فقال -وهو في بيته-: "يا رب، ليس لي ما أتصدق به إلا عرضي، وإني وهبت عرضي، وإني وهبت عرضي، فمن تكلم فيّ، أو سبني، أو غير ذلك، فقد جعلته في حل، فقد جعلته في حل". أي: أنا مسامح. لأن تحصل أحيانًا الغيبة وغير ذلك في المجالس. قال: "من تكلم عليّ فهو في حل". أنا باعتبار أني ما آخذ حقي يوم القيامة من ظلمني، من سبني. هذا عرضي وحقي. لأن الشخص إذا تكلمت أنت فيه بغير حق، اغتبت أو بهتت، أو غير ذلك من أنواع الظلم، فإنه سيأخذ حقه إذا لم يسامحك في الدنيا. إذا لم يسامحك في الدنيا، لأن حقوق العباد مبنية على المشاحة، ما فيها إذا مت أو مات، ولم يحصل هناك مسامحة وعفو وصفح في الدنيا، فإن الحق سيؤخذ يوم القيامة. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟» قالوا: "المفلس من لا درهم له ولا دينار، ولا متاع". قال: «الْمُفْلِسُ مَنْ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَلَكِنَّهُ ضَرَبَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَأَخَذَ مَالَ هَذَا، وَظَلَمَ هَذَا، فَيَأْخُذُونَ مِنْ حَسَنَاتِكَ، يَأْخُذُونَ مِنْ الْحَسَنَاتِ». هؤلاء، هؤلاء هم الخصوم الحقيقيون. لا الخصم الذي يأخذ منك شيئًا من حطام الدنيا. خصم الحقيقي يوم القيامة من يأخذ حسناتك، وأنت لا تستطيع أن تفعل شيئًا. لا بد أن ترد لهم المظالم. مقابل السب، مقابل الشتم، مقابل الظلم، أخذ المال، وغير ذلك، هتك العرض. وصبر هذا. ولكن هناك يوم سيأتي، هذا الشخص أنت وهو، ويأخذ من حقه، يأخذ من الحسنات، يأخذ من الحسنات. قال: «حَتَّى إِذَا فَنِيَتْ، أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ، فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ». والعياذ بالله. يعني: انظروا، حسنات من الصلاة، من الصيام، من غير ذلك من الأعمال الصالحة، كلها تروح. مفلس. هذا هو المفلس الحقيقي الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيح من حديث أبي هريرة، أو في الصحيحين من حديث أبي هريرة. فلهذا يحذر المرء من ظلم الآخرين، وعليه أن يعفو، وأن يصفح، وأن يسامح، وأن يطلب العفو والمسامحة. مهم: هذا ما ذكره ابن القيم رحمه الله عن هذا الصحابي، وهو أنه قال: "جعلت الناس في حل". من تكلم عليه، اعتبرها صدقة منه على ماذا؟ على الناس. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مِنْكُمْ يَكُونُ -أَيْ: لَمَّا أَصْبَحَ- يَكُونُ مِثْلَ أَبِي، مِثْلَ أَبِي ضَمْضَمْ». ولكن الحديث هذا الذي ذكره ابن القيم، ضعفه الإمام العراقي، وضعفه كذلك الإمام الألباني، وهو في سنن أبي داود، ضعفه في أبي داود. وربما يؤخذ من باب ماذا؟ من باب العفو والمسامحة. يعني: أنه قد يكون معناه صحيحًا، وإن كان الحديث ضعيفًا. إن كان الحديث ضعيفًا، فيؤخذ به كما عند الإمام أحمد رحمه الله تعالى في الفضائل، يؤخذ عنه في ماذا؟ في الفضائل، دون أن يكون ذلك في الأحكام. فيتسامح بهذا. والشاهد من هذا: أن الشخص يتمثل بالآيات القرآنية، فيكون له الأجر العظيم عند الله تبارك وتعالى. ولعلنا إن شاء الله تعالى في الدرس القادم نكمل ما جاء عن السلف الصالح من الصحابة، أو التابعين، ومن تبعهم بإحسان في هذا الباب، وهو سلامة القلوب وطهارتها، لأجل أن ينال المرء ما عند الله سبحانه وتعالى من النعيم. وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى. إلى هنا، والحمد لله رب العالمين. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.