التعليق على المنظومة الهائية للحكمي 1

التعليق على المنظومة الهائية للحكمي 1

الدرس في التعليق على المنظومة الهائية للحكمي 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مقدمة شرح المنظومة الهائية للعلامة حافظ الحكمي

يستهل المحاضر بشرح المنظومة الهائية للعلامة حافظ الحكمي مبيناً أهميتها في تزكية النفس والزهد في الدنيا. يستعرض سيرة الناظم ومؤلفاته ويبدأ بأول بيت «مالي وللدنيا» مستدلاً به على هجران القلب للدنيا.

زهد النبي في الدنيا وتشبيهها بالاستراحة تحت شجرة

يشرح حديث النبي ﷺ «مالي وللدنيا، ما أنا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها» موضحاً أن الدنيا دار ممر لا مقر. يؤكد أن التعلق بها يجلب الشقاء بينما الغاية الحقيقية هي عبادة الله والسعي للآخرة.

التحذير من إيثار الدنيا على الآخرة وضابط الكسب المشروع

يبين أن الزهد لا يعني ترك الكسب المشروع بل عدم جعل الدنيا أكبر همٍّ يُقدَّم على الواجبات أو يُسقِط في المحرمات. من ملك الدنيا وأقام شرع الله وصرف ماله في الطاعات فهو مغبوط، ومن شغله جمعها عن طاعة ربه فهو المذموم.

خاتمة الدرس والتذكير بأهل الطاعة

يؤكد أن التحذير من الدنيا لا يستهدف من يقوم بطاعة الله ويقبل على العبادات بل يخص المقبلين على الدنيا غافلين. يختم الدرس بالإشارة إلى استكماله في دروس قادمة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فإن شاء الله تعالى في هذه الأيام الأولى، يوم السبت والأحد والإثنين من كل أسبوع، في هذا الشهر المبارك نتذاكر وإياكم هذه المنظومة الهائية أو القصيدة الهائية للعلامة حافظ الحكمي رحمه الله تعالى. وهذه المنظومة يسميها بعضهم منظومة الترغيب والترهيب؛ لأن ناظمها رغب في الدار الآخرة والجنة، وهاب وزهد ورهب من الدنيا. وبعضهم يسميها القصيدة الهائية في الزهد؛ لأن ناظمها زهد في هذه الدنيا الفانية. وكما تعلمون أهمية الزهد في الدنيا والتحذير منها والاغترار بها؛ لأن في هذه الأزمان قد مالت النفوس إلى زخرف في هذه الدنيا. فلا شك أن المسلم على وجه العموم، وطالب العلم على وجه الخصوص، بحاجة ماسة إلى تربية نفسه وتزكية نفسه من البعد عن زخرف هذه الدنيا. فإن من تعلق بها أهلكته وأضعفته، وكذلك جعلت سيره إلى الله عز وجل سيرا ضعيفاً. فلذلك نحن في أمس الحاجة لمثل تلك المنظومات، ولمثل تلك النصائح والتوجيهات التي سنمر بها في هذه المنظومة. ونظم هذه القصيدة هو عالم من علماء جنوب المملكة، وقد ولد قبل ما يقارب مئة سنة، فقد ولد في عام اثنين وأربعين وثلاثمئة وألف، وتوفي عام سبعة وسبعين وثلاثمئة وألف، فعاش ما يقارب خمسة وثلاثين سنة. انظروا إلى هذا السن القصير، ومع هذا فقد خلف هذا الناظم، هذا المؤلف، للأمة ميراثاً عظيماً. فهو صاحب منظومة سلم الوصول إلى علم الأصول، أي في التوحيد، بل وقام بشرحها في كتابه معارج القبول. وله أيضاً مؤلفات كثيرة بلغت قرابة العشرين مؤلفاً، كلها مؤلفات في العقيدة وفي الفقه وفي الأصول، فهي مؤلفات علمية، وكذلك في التربية والتزكية له منظومات عدة، ومنها هذه المنظومة. فالبركة من الله، بارك الله عز وجل في عمر هذا العالم، وله طلبة مبرزون، ومنهم الشيخ العلامة زيد المدخلي رحمه الله تعالى. وهذه المنظومة وجدوها مخطوطة بعد موته رحمه الله، فاعتنى بها تلميذه زيد المدخلي وعلق عليها تعليقات نافعة، وكذلك اعتنى بعض العلماء المعاصرين بشرح هذه القصيدة، وقد شرحها أيضاً شيخنا عبد الله بن مرعي رحمه الله تعالى في هذا المركز لما كان مقيماً فيه. فهي منظومة حري بأن يعتنى بها لما اجتمعت عليه من الرقائق ومن النصائح، ومن كذلك تصحيح السير إلى الله سبحانه وتعالى. قال الناظم حافظ الحكمي رحمه الله في أول هذه القصيدة الهائية في الترغيب والترهيب، أو في الزهد: «مالي وللـدنيا وليست ببغيتي ولا منتهى قصدي ولست أنا لها ولست بميال إليها ولا إلى رئاستها نتنا وقبحا لحالها هي الدار دار الهم والغم والعنى سريع تقضيها قريب زوالها» إن شاء الله تعالى نأخذ في كل درس، أو في كل درس بعض أبيات هذه القصيدة، ونسأل الله أن يعيننا في هذا الشهر المبارك على إكمالها وإتمامها، فهي ثمانية وثلاثون بيتاً، ثمانية وثلاثون بيتاً. فنأخذ إن شاء الله كل يوم ما تيسر حتى نأتي إلى نهايتها وتمامها بإذن الله عز وجل. قال في أول هذه المنظومة: «مالي وللدنيا». صدر الناظم رحمه الله هذه القصيدة بهذا البيت، مبيناً أن الدنيا لم تأسر قلبه، ولم تستحوذ على نفسه، ولذلك قال: «مالي وللدنيا». وهي كلمة ثبتت عن النبي عليه الصلاة والسلام، فيما أخرجه الإمام الترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قام من نوم، وقد أثر الحصير على جنبه، نام على الحصير عليه الصلاة والسلام، وهما يصنع من سعف النخيل ونحوها. فقال له الصحابة: يا رسول الله، لو اتخذت لك وطاءً، أي فراشاً تنام عليه، حتى لا يؤثر عليك هذا الحصير. فقال عليه الصلاة والسلام: «مالي وللدنيا، ما أنا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها». ثم راح وتركها. «مالي وللدنيا» هي دنيا زائلة ذاهبة، فلا تستحق الاعتناء، ولا كذلك الميل إليها، وكذلك التعلق بملذاتها وشهواتها. فما لي وللدنيا؟ ما أنا إلا كراكب، راكب يعني مسافر يمشي في الطريق، فبلغ به عناء السفر مبلغه، فأراد أن يستريح، وأراد أن كذلك يستظل، فوجد شجرة ظليلة فاستظل تحت ظلها. كم سيجلس تحت هذه الشجرة وهو يحن ويئن إلى بلده وإلى وطنه؟ سيجلس لحظات يسيرة، ثم بعد ذلك يذهب ويتركها، يذهب ويترك هذه الشجرة وهذا المكان. فهكذا نحن في هذه الدنيا، ما نحن إلا كذاك المسافر استظل تحت الشجرة، والشجرة هي هذه الدنيا، الشجرة هي هذه الدنيا، فيوشك كل واحد منا أن يذهب من هذه الدنيا ويتركها، لأنه له موطن، موطن قرار، وموطن كذلك حياة أبدية سرمدية، وهو الدار الآخرة. فهذه ليست موطنة، هذه الدنيا ليست موطنة، فيوشك أن يتركها ويرحل، كذاك الذي ترك الشجرة وذهب إلى وطنه. فهذا معنى قوله: «مالي وللدنيا وليست ببغيتي»، أي ليست بمطلبي ولا مقصودي ولا همتي، إنما الهم والرغبة منصرفة للآخرة، منصرفة للآخرة، فهي البغية والرغبة، بل هي غاية المنى، بل هي غاية المنى. فمن كانت الدنيا همه، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «شتت الله شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له». فإذا كان الأمر كذلك، فلِمَ الاهتمام بها؟ ولم التعلق بها؟ وهي الكد فيها والسعي فيها والاجتهاد في نيلها؟ ندامة وحسرة. نعم، إذا كانت هذه الدنيا هم الإنسان ومبلغ علمه، فإن الله عز وجل يشتت شمله، وهذا من أليم عقوبة التعلق بالدنيا. شتت الله شمله، وجعل فقره بين عينيه، لا يبارك الله عز وجل له فيما يكسب، وفيما كذلك ينال من أموالها ومن متاعها، لأن البركة من الله. نعم، فجعل الله عز وجل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له. فلا تنال الدنيا بحرص حريص، ولا بكد كذلك حريص، وإنما الأمر لله سبحانه وتعالى. ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب. فلا تجعل الدنيا هي أكبر همك، ولا كذلك مبلغ علمك. فهذا معنى قوله: «وليست ببغيتي ولا منتهى قصدي»، أي أنها لم تكن يعني أكبر همي، لم تكن هذه الدنيا أكبر همي، وهي الغاية وهي المقصد من وجودي في هذه الدنيا. إنما وجد الإنسان في هذه الدنيا لتحقيق العبادة لله عز وجل، هذا هو المقصد الذي ينبغي أن يسعى إليه كل عاقل، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. من أجل العبادة، لا تجعل منتهى قصدك وغاية أمرك في هذه الدنيا هي نيل هذه الدنيا، وإنما اجعل منتهى قصدك هو عبادة الله عز وجل التي بها تنال السعادة في الدارين. فهذا معنى قوله: «ولست أنا لها»، لست يعني خلقت للدنيا ومن أجل أن أكون عبداً للدرهم والدينار، وإنما خلقت من أجل أن أكون عبداً لله سبحانه وتعالى الواحد القهار. ثم قال: «ولست بميال إليها ولا إلى رئاستها»، يعني ليس عندي ميل ولا انشراح صدر ولا رغبة في الدنيا وزينتها وزخرفها. ومن زخرف هذه الدنيا الرئاسة، ومن زخرف هذه الدنيا المال، ومن زخرف هذه الدنيا النساء، ومن زخرف هذه الدنيا كذلك الجاه ونحو ذلك. فالمؤلف هنا يقول: أنا لست بميال إلى هذه الدنيا بما فيها من زخرف، وبما فيها من زينة. ولذلك يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۚ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمْ ۚ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾. فهكذا يقول الناظم: «ولست بميال إليها ولا إلى رئاستها»، أن أكون رئيساً، وزيراً، مديراً، مسؤولاً، لا، لا أسعى إلى ذلك، لا أسعى إلى ذلك، ولا أميل إلى ذلك، ولا أرغب في ذلك، بل رغبتي وهمتي في نيل الآخرة، في نيل الآخرة. وقوله: «نتنا وقبحا لحالها»، يعني أن التعلق بتلك الأمور من أمور الدنيا سبب لخسارة الإنسان. فهذه الدنيا منتنة كالجيفة، يتقاتل عليها كلابها، يتقاتل عليها كلابها، فهي قبيحة ونتنة لمن عرف حقيقتها، لمن عرف حقيقتها. ولا يفهم مما تقدم أن الإنسان يترك تحصيل الدنيا بالكلية، ويترك ما يقيم دنياه، وما يكون سبباً في تكسبه، وفي رزقه، ومسكنه، وملبسه، ويبقى عالة على غيره. ليس هذا هو المراد. وإنما المراد من التحذير من هذه الدنيا أنك لا تجعلها أكبر همك، ولا مبلغ علمك، ولا تجعلها تؤثر في الغاية التي من أجلها خلقت، فلا تؤثرها على الآخرة، كما قال عز وجل: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾. وقد ذكر العلماء ضابطاً لإيثار الدنيا على الآخرة، فقالوا: إذا كانت الدنيا سبباً لترك واجب، أو فعل محرم، فقد آثر صاحبها، أو آثر هذا الذي هذا وصفه، آثر الدنيا على الآخرة. إذا قدم الدنيا على الآخرة، على واجب من الواجبات، أو على ترك محرم من المحرمات، فهذا الذي يذم، فهذا الذي يذم. أما من جعل الدنيا في يديه، ولو كان غنياً، ولو كان كثير المال، لكنه مقيم لشرع الله، لأوامر الله، مبتعداً عن المحرمات وعن الذنوب، فلا شك أن هذا لا يذم، بل ربما يغبط، كما قال النبي عليه صلى الله عليه وآله وسلم في حديث عبد الله بن عمر: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وأطراف النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه في حقه»، ينفقه في النفقات الواجبة والنفقات المستحبة، في أمور الخير والبر والإحسان. فهذا لشك أنه يغبط، أنه يغبط. وهكذا كان أغنياء الصحابة، كانوا يتنافسون بأموالهم في فعل الخيرات، في فعل الخيرات. فمن كانت الدنيا بين يديه وهو يسخرها في طاعة الله، فهذا لشك أنه لا يذم، لا يذم. إنما المراد بالتحذير والتزهيد من الدنيا أن تجرك هذه الدنيا إلى ملذاتها وشهواتها، فتبعدك عن الواجبات، وتوقعك في المحرمات، وتضعفك عن فعل الطاعات، وعن تقديم كذلك الكمال في العبادات، من طلب علم، أو من كذلك اجتهاد في عبادة ونحو ذلك. فهذا الذي يذم، من يشتغل بالدنيا عن الآخرة، من يشتغل بالدنيا عن الآخرة، هذا هو المذموم، وهذا هو تحذير العلماء، وكذلك بل قبل ذلك تحذير الله عز وجل في كتابه، والنبي صلى الله عليه وسلم بسنته من هذه الدنيا. إنما يحمل على هذا المعنى، يحمل على هذا المعنى. لأن بعض الناس فهم الترك الدنيا فهماً خاطئاً، فإذا رأى إنسان أراد أن يعف نفسه بوظيفة، أو بمهنة، أو بعمل، أنكر عليه، وهذا خطأ. إنما ينكر عليه إذا فرط في جنب الله، إذا فرط في أوامر الله، إذا ارتكب المخالفات الشرعية من أجل هذه الدنيا، ترك الصلوات، أو تعامل بالربا، أو كذلك ترك العلم النافع، وهكذا فرط في الواجبات، من صلة الأرحام، أو من بر الوالدين، أو من التفريط في تربية الأبناء، أو نحو ذلك من الحقوق. فهذا الذي يذم، هذا الذي يذم. أما من هو قائم بما أمر الله به، وهو كذلك مقبل على الطاعات والعبادات، فهذا لا شك أنه لا يقصد بمثل هذا التحذير والتزهيد من الدنيا. فينبغي أن نفهم الأمور كما أراد الله سبحانه وتعالى. لعلنا في هذا الدرس نكتفي بهذا، ونكمل إن شاء الله دروساً قادمة. إلى هنا والله تعالى أعلم.