الدرس في كتاب الحدود من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 4، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع التدابير الشرعية للوقاية من جريمة الزنا، مبيناً أن تقوى الله والدعاء هما الأساس، ثم المبادرة بالزواج أو الصوم لمن لم يستطع. كما يؤكد على غض البصر والابتعاد عن مواطن الفتنة بما فيها الشاشات والجوالات، وسد الذرائع بحجاب النساء وتجنب الخلوة واللمس.
يستعرض المقطع وسائل الشرع لسد الذرائع المؤدية للزنا كغض البصر، والحجاب، ومنع الخلوة والمصافحة، ولين الكلام، مع الترغيب في صحبة الصالحين وقصة يوسف. ثم ينتقل لبيان شناعة جريمة اللواط، وأنها فاحشة لم تسبق إليها الأمم قبل قوم لوط، وعقوبتها الشديدة في الدنيا والآخرة، واختلاف العلماء في حد مرتكبها.
استعرض المقطع ثلاثة أقوال في عقوبة اللواط: الأول يساويها بالزنا، والثاني يقضي بالقتل مطلقاً وهو قول الجمهور، والثالث يجعلها تعزيراً. كما بيّن خلاف الصحابة في كيفية القتل، ثم انتقل لعقوبة الزنا بذات محرم حيث ذهب الجمهور لحكم الزنا، ورجّح ابن القيم القتل مطلقاً لانتهاك حرمتين.
بيّن الشيخ أن السحاق لا حد فيه بل تعزير، بينما اللواط يوجب القتل مطلقاً بإجماع الصحابة مع اختلاف في كيفيته. ثم انتقل لشرح لفظ «دون» مبيناً أنه ظرف مكان منصوب أو مجرور بمن وملازم للإضافة.
الحمد لله، وصلاة السلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: نأخذ ما ذكره الشارح في قوله: "التدابير الوقائية" -بإذن الله- من الوقوع في جريمة الزنا. ومعنى كلامه هذا: ما هي الأسباب التي تقي المسلم من عدم الوقوع في الزنا؟ لأن الوقوع في الزنا له أسباب، وللأسف انتشر هذا بين المسلمين، وذلك لعدم قيامهم بمثل هذه الأسباب والتدابير. فمن أولها: تقوى الله والدعاء. قال الله تعالى: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾، وقال صلى الله عليه وسلم: «إنك لن تدع شيئاً لله -أي بسبب تقوى الله، بسبب خوف الله سبحانه وتعالى- إلا أبدلك الله به ما هو خير لك منه». ودليل تقوى الله سبحانه وتعالى قوله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾، وهكذا قول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾، وغير ذلك من الأدلة. فتقوى الله يشمل الخوف من الله، ويشمل مراقبة الله عز وجل. فمن راقب الله، وعلم أن الله عز وجل يراه، وأن الله مطلع عليه، ويخاف من عذاب الله، وأن الزنا فيه من الوعيد الشديد، كقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾، سبحان الله! يعني عقوبات عظيمة. فلو آمن المؤمن بمثل هذه العقوبات وخاف الله عز وجل، لما وقع في ذلك. كذلك قول يوسف لما دعته امرأة العزيز إلى هذه الفاحشة، قال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾، يعني: كيف أفعل هذا والله عز وجل يراني، والله عز وجل يراقبني؟ ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾. ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾. قالوا: برهان ربه، أي: الدلائل والبراهين على عظمة الله، وعلى الخوف من الله سبحانه وتعالى. فتقوى الله يا رأس الأمر تحجز العبد عن كل جريمة، وعن كل مصيبة، وعن كل معصية. فمن أعظم الأسباب أن يتقي العبد ربه. ولذلك قال الله عز وجل كما سمعتم: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾. وهكذا الدعاء، لأن الإنسان ضعيف، ولولا عصمة الله عز وجل لما استطاع أن يقاوم هذه الفتن وهذه الشهوات. فإذن يلجأ إلى الله بالدعاء، ليس في الزنا فحسب، بل في كل شهوة ابتلي بها الإنسان، يدعو الله عز وجل أن يخلصه منها. فهذا نبي الله يوسف عليه السلام يقول: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾، أي: كيد النساء، أميل إليهن، والعياذ بالله. إذن لجأ إلى الله سبحانه وتعالى، لجأ إلى الله عز وجل. نعم، وهكذا أنت تترك المعاصي لله سبحانه وتعالى. فإذا تركت الزنا لله، لربما عوضك الله عز وجل بالحلال: بامرأة صالحة، امرأة جميلة، امرأة كذلك عفيفة، فبإذن الله عز وجل تغضي شهوتك في الحلال. ﴿إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا لِلَّهِ إِلَّا أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ﴾. فالحرام إنما هو لذة ساعة، ثم يعقب هذه اللذة العار والشنار والعذاب، فما هي الفائدة من هذا؟ أما الحلال فاستمتاع دائم، استمتاع دائم في حياتك. فالعاقل لا يفكر في هذه المصائب، في هذه الرذائل، لما جعل الله عز وجل في قلبه من التقوى، ومن المراقبة لله عز وجل، ونحو ذلك. فالوازع الديني من أهم الأسباب في عصمة الإنسان من الوقوع في الفواحش أو المنكرات. ثم ثانياً: قال: المبادرة بالزواج. فإن لم يستطع فعليه بالصوم، كما جاء في حديث ابن مسعود، خصوصاً من خشي على نفسه... من خشي على نفسه... من خشي على نفسه الوقوع في الزنا، أو الوقوع في اللواط، أو الوقوع في العادة السرية. كل هذه محرمة. فما قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾. استدل الإمام الشافعي بهذه الآية على تحريم العادة السرية، لأنها مما فيه قضاء الشهوة في غير زوجة ولا ملكة يمين، فيدخل في عموم الآية: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود يخاطب الشباب، فقال: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فمن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء». فما دل على غير الصيام، دل ذلك على تحريم ما سواه. نعم، فمن استطاع أن يتزوج وهو يخشى على نفسه الوقوع في الزنا، أو في النظر المحرم، أو في الحرام، فيبادر... يبادر إلى الزواج، حتى يعف نفسه، وحتى يحصن نفسه. إن الزواج كما قال النبي صلى الله عليه وسلم... فإنه... نعم، فقال عليه الصلاة والسلام: «فليتزوج، فإنه غض للبصر، وأحصن للفرج، وأحصن للفرج». وإن لم يستطع، فيصوم، فإن الصوم يضعف الشهوة، ويزيد في الإيمان والمراقبة لله عز وجل. فالشاب إذا لم يستطع ويخشى على نفسه، يحاول يصوم، ولو الاثنين والخميس، أو ما يسر الله له. فهذا أيضاً مما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. الأمر الثالث: الأمر بغض البصر، والبعد عن مواطن تواجد النساء، كالأسواق، وكذلك الجوالات. هذه الفتنة العصرية التي كثرت فيها صور النساء، ومواقع الرذيلة، ومسلسلات كذلك الرذيلة التي فيها صور النساء، وفيها تكشف النساء. فيبتعد المسلم عن ذلك، فإن البصر بوابة... بوابة إلى الوقوع في هذه الجريمة. وكما يقال: النظر بريد الزنا، النظر بريد الزنا، يعني: يوصل إلى الزنا، يوصل إلى الزنا. ولذلك قال الله عز وجل: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾، فقرن بين غض البصر وبين حفظ الفرج، لأن بينهما تلازماً. فمن أطلق بصره تحركت شهوته، فوقع فيما حرم الله سبحانه وتعالى، فيما حرم الله عز وجل. ولذلك كل المصائب إنما تكون بسبب إطلاق البصر، إطلاق البصر. ويبتعد المسلم عن مواطن وجود النساء. الآن في عصرنا هذا... يعني انتشر تبرج النساء وتواجد النساء في الأعمال، في الأسواق، في الشوارع، خصوصاً في البلاد التي... يعني فيها من المسلمين، وفيها من غير المسلمين، كم لا يتقيدون، أو في البلاد المسلمة التي كثر فيها الجهل. وأما البلاد التي فيها من العلم، وفيها من الدين، فربما يقل هذا... شيء لا نقول إن عدم، ولكنه يقل: تواجد النساء، وتبرج النساء، وتكشف النساء، ونحو ذلك. فيبتعد الشاب من مواطن تواجد النساء، سواء كان بطريقة مباشرة، أو بطريقة الجوالات والشاشات، ونحو ذلك. فكل هذا مما يثير... وكذلك يستثير شهوة الشاب، شهوة الشاب، فيبتعد عن هذه المواطن. وذكر منها أيضاً: أمر النساء بالحجاب، وعدم لين الكلام معهن، أو الخلوة، أو مصافحة النساء. سبحان الله! يعني جاء الشرع بسد أي باب يؤدي إلى هذه الفتنة. فأمر بغض البصر حتى لا يقع الشاف في هذه الفتنة، وأمر بعدم اختلاط الرجال بالنساء، فقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، لا تختلطوا بهن. وهكذا قوله عليه الصلاة والسلام: «إياكم والدخول على النساء، إياكم والدخول على النساء». فلا يختلط الرجل بالمرأة، جاء النهي عن ذلك سداً لهذا الباب. وأيضاً جاء النهي عن الخلوة بالمرأة، وهذا أعظم. قال عليه الصلاة والسلام: «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما، إلا كان الشيطان ثالثهما». فالخلوة مع المرأة هذا سبيل وطريق إلى الوقوع في هذه الفاحشة. كذلك جاء الأمر بالحجاب، حجاب المرأة، في آيات كثيرة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾، ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم كذلك في أمر النساء بالحجاب: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾، وفي الآية الأخرى أيضاً: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، إلى غير ذلك مما فيه تحفظ المرأة عن إظهار زينتها، وكذلك عن إظهار عورتها. والمرأة كلها عورة، كما جاء عند الترمذي من حديث أبي هريرة، يعني: النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان»، يعني: زينها... زينها للرجال، وإن كانت خبيثة، وإن كانت امرأة سوداء، فإذا خرجت فإنه يزينها لدى الرجال، يزينها لدى الرجال. نعم، ويوقع في قلب الرجل أن هذه من أجمل النساء، وأن هذه كذا وكذا، وهي في الحقيقة امرأة قبيحة، لكن الشيطان يزين ذلك. وهكذا جاء عدم لين الكلام: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾. المرأة إذا لينت صوتها، فصوتها فتنة، ليس صوتها عورة كما يقال، إنما يقال: صوتها فتنة. فإذا لينت صوتها للرجل، فإن هذا يفتتن به الرجل. وهكذا الكلام مع الرجال، والاسترسال في الكلام، أو الخلوة كما مر معنا، أو مصافحة النساء. النبي صلى الله عليه وسلم لما كان يبايع النساء، يبايعهن مشافهة من غير مصافحة. وعائشة تقول رضي الله عنها: «ما مست يد النبي صلى الله عليه وسلم يد امرأة لا تحل له». ويقول عليه الصلاة والسلام: «لأن يطعن أحدكم بمخيط في رأسه، خير له من أن يمس يد امرأة لا تحل له». وهكذا قال: قراءة سورة وقصة يوسف عليه السلام، لأن فيها ذكر هذه الفتنة، وكيف عصم الله عز وجل نبيه يوسف منها، فالقارئ يستفيد من هذه القصة. ومنها: صحبة الصالحين، لأن الرجل الصالح تستحي منه أن تنظر إلى الحرام، أو أن تذهب إلى الحرام، فيكون هذا الرجل الصالح عوناً لك على البعد عن هذه الفاحشة. لا شك: ﴿الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ﴾. وسابعاً: كما تدين وتدان. فالزنا دين، ومعنى دين: يعني إذا فعلت الزنا بنساء الناس، فسيفعل الناس الزنا في أهلك. سيفعل الناس الزنا في أهلك. إن الزنا دين، إذا أقرطته كان الوفاء من أهل... كان الوفاء من أهل بيتك، فاعلمي. هكذا يقول أهل العلم. فكما تدين تدان. فكما أنك لا ترضى بالزنا لأهلك، فكذلك الناس لا يرضون بالزنا لأهاليهم. تعرفون حديث ذلك الفتى الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: «يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، ائذن لي بالزنا». فقام الصحابة ينهرونه ويسجرونه: كيف يتجرأ أن يقول هذا الكلام أمام النبي صلى الله عليه وسلم؟ فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: «ائذن له»، يعني: قرب مني. فقال له: «أترضاه لأمك؟» فهذا الفتى يقول: «لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك، لا أرضاه لأمي». قال: «وكذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم». ثم قال: «أترضاه لأختك؟» قال: «لا يا رسول الله، جعلني الله فداك، لا أرضاه لأختي». قال: «وكذلك الناس لا يرضونه لأخواتهم». «أترضاه لعمتك؟» «أترضاه لخالتك؟» وهذا يقول: «لا والله يا رسول الله». والنبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك وضع يده على صدر هذا الفتى، وقال: «اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه». دعا له بهذه الدعوات الثلاث، فقام هذا الرجل وليس في قلبه شيء من هذا الذي جاء من أجله. فانظروا كيف أقنعه النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأسلوب الحكيم، وبهذه الطريقة الدعوية الرائعة، التي هي من أساليب الإقناع في مثل هذه الأمور. طيب، قبل ما ندخل في حد القذف، نأخذ أيضاً مسألة مهمة، وقد نحتاجها في دعوتنا لكثرة السؤال عنها مثلاً، أو نحو ذلك، وهي مسألة حكم اللواط. واللواط هو إتيان الذكر للذكر. نقل الإمام الذهبي الاتفاق على أن هذه الفعلة كبيرة من كبائر الذنوب، كبيرة من كبائر الذنوب. وهذه الفاحشة لم تكن معروفة قبل قوم لوط، فأول من وقع فيها هم قوم لوط. ولذلك فإن الله عز وجل بيّن في كتابه أنها فاحشة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذْ قَالَ لُوطٌ لِقَوْمِهِ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾، ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾، فسماها فاحشة. وأنزل الله عز وجل أشد عقوبته على هؤلاء، إذ قلب عليهم قريتهم، فجعل عاليها سافلها، ثم أمطر عليهم حجارة من سجيل منضود. وقد ورد في القرآن في أكثر من عشر سور ذكر قصة هؤلاء المجرمين، قوم لوط، وأنهم ابتلوا بهذه الفاحشة التي هي انتكاس للفطرة، انتكاس للفطرة. ولذلك لوط كان يقول لهم: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾، ﴿أَطَارَ لَكُمُ اللَّهُ﴾... الله عز وجل خلق للرجال النساء، ولم يخلق الرجل للرجل، فهذا فيه انعكاس وانتكاس للفطرة، للفطرة. والشرع لم يأتِ نص من الكتاب... لم يأتِ نص من الكتاب في ماذا؟ حد للمسلم إذا فعل هذا. لكن جاء في السنة، وجاء كذلك من كلام الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كما سيأتي معنا. يقول ابن القيم رحمه الله: «لم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قضى في اللواط»، يعني: جاءت إليه قضية في اللواط... ما جاءت، هي قضايا في اللواط في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك لم يقضي النبي صلى الله عليه وسلم بشيء، لأن هذا... يقول ابن القيم: بعدين يقول ابن القيم: «لأن هذا لم تكن تعرفه العرب، هذا الشيء ما كانت تعرفه العرب، عيب عندهم هذا الشيء، وهم يعني سبحان الله قبل الإسلام، وهم قبل الإسلام ما كانت العرب تعرف هذا الشيء، وما كان متواجداً بينهم، ما كان متواجداً بينهم، لم تكن تعرفه العرب، ولم يرفع إليه صلى الله عليه وسلم». لكن قال: «ولكن ثبت عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: من رأيتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به، فاقتلوا الفاعل والمفعول به». هذا حديث ابن عباس، رواه الترمذي وغيره، وحسنه العلامة الألباني، عليه رحمة الله، عليه رحمة الله. وقد اختلف العلماء في عقوبة اللواط على أقوال: من فعل هذه العقوبة، فماذا الحد الذي عليه؟ ما هو الحد الذي عليه؟ اختلف العلماء إلى أقوال عدة. القول الأول: أن عقوبته كالزنا. معنى كالزنا: أن المحصن يقتل، يرجم حتى يموت، وأن غير المحصن يجلد ويغرب، يجلد ويغرب. هذا القول الأول، وهو قول الشافعي، مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد. لكن الرواية هذه ضعيفة، الرواية الأصح عنه الرواية التي ستأتي معنا. واستدل الإمام الشافعي والإمام أحمد في هذه الرواية: أن الله عز وجل سمى اللواط فاحشة، وسما الزنا فاحشة. ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾، صح هذا في الزنا. وفي اللواط قال لوط لقومه: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾. فقال الإمام الشافعي: لأن الله سماه فاحشة، والزنا فاحشة، فاشتراكهما في الاسم يدل على اشتراكهما في الحكم، يدل على اشتراكهما في الحكم. قال: ولأن كل منهما إيلاج، الزنا إيلاج، واللواط إيلاج، فهو إيلاج محرم في فرج محرم، فيعطى حكمه. طالما أن الزنا إيلاج، فاللواط إيلاج، فيعطى اللواط حكم الزنا لجامع الإيلاج، وقضاء الشهوة بذلك، وقضاء الشهوة بذلك. هذه هي حجة الإمام الشافعي. والقول الثاني: أن عقوبته القتل مطلقاً، سواء كان محصناً أو غير محصن، يقتل مطلقاً، لا يفرق بين المحصن وغيره. وهذا القول رواية عن أحمد، وكذلك يرجحه ابن القيم عليه رحمة الله، عليه رحمة، وهو مذهب مالك أيضاً، مذهب الإمام مالك. وهذا المذهب هو مذهب عامة الصحابة، كما ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى. نعم، واستدلوا بحديث ابن عباس: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به». فقالوا: النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ما فصل بين المحصن وغير المحصن، واللواط أشد من الزنا، ولذلك عاقب الله عز وجل قوم لوط أشد عقوبة، أشد عقوبة. فقالوا: هذا الذي يفعل هذه الفاحشة يقتل مطلقاً، سواء كان محصناً أو غير محصن، أو غير محصن. وقد نقل ابن القيم، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وغيرهم، إجماع الصحابة على قتله، إجماع الصحابة على قتله. وإنما اختلفوا في طريقة القتل فقط. اختلف الصحابة في طريقة وكيفية قتل اللوطي، أما في قتله أصلاً، فهذا نقل أكثر من عالم من العلماء: الإجماع والاتفاق من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. وهذا هو القول الأقرب والله أعلم، لعموم الحديث، ولشناعة هذا الفعل، ولشناعة هذا الفعل. والقول الثالث: أن فيه التعزير. وهذا مذهب أبي حنيفة، قال: لأنه معصية من المعاصي لم يقدر الله ولا رسوله فيه حداً مقدراً، فكان فيه التعزير. وهذا كلام يناقض ويعارض الدليل: حديث ابن عباس عندنا، كيف ما لا يوجد عن الرسول؟ لم يقدر... إلا قدر: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول». إذن هذا حكم، هذا حد. فقول أبي حنيفة قول ضعيف. والقول الأقرب والله أعلم كما تقدم: أنه ماذا؟ أنه يقتل مطلقاً، أنه يقتل مطلقاً، والله تعالى أعلم. واختلف الصحابة كما تقدم في كيفية قتله. فقيل: يحرق، وهذا منقول عن أبي بكر، وعلي، وابن الزبير. ولكن هذا القول رده جميع أهل العلم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يعذب بالنار إلا أهل النار». فلا يعذب الإنسان بالنار، والله تعالى أعلم. وما ورد عن الصحابة، فهذا اجتهاد منهم، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. وقيل: يرجم بالحجارة حتى الموت، وهو قول عمر، وعلي، وابن عباس، وابن عباس. وقيل: يرمى من أعلى بناء في البلد، قياساً على ما عوقب به قوم لوط، فالله عز وجل رفع قريتهم إلى الأعلى، ثم رمى بهم إلى الأسفل. فقالوا: إذن هذا شبيه بقوم لوط، فيوضع في أعلى مرتفع في المدينة، ثم يرمى من هذا المرتفع حتى يموت. وقول ثالث: أنه يرمى من أعلى بناء في البلد، ثم يتبع بالحجارة. وهذا منقول كذلك عن أبي بكر الصديق، وكذلك ابن عباس في رواية أخرى عنه، في رواية أخرى عنه. والأظهر والله أعلم: أن ذلك راجع إلى اجتهاد الإمام، كيفية قتل من فعل هذا الفعل، يرجع إلى ما يراه الإمام حسب مصلحة الردع والزجر. إذا رأى أن هذا الأمر انتشر، ويريد أن يسجر الناس عن هذا الفعل، فله أن يصعد بهذا الفاعل والمفعول في أعلى قمة، ويرمى حتى يكون عبرة للآخرين، حتى يكون عبرة للآخرين. وإن رأى أن يرمى بالرصاص، أو أن يرمى بالحجارة، لأنه لم يرد في الشرع كيفية القتل، وإنما هو اجتهاد، وإنما هو اجتهاد من الصحابة، فلا بأس لولي الأمر أن يجتهد بما يراه مناسباً مما ورد عن الصحابة، أو مما لم يرد كذلك من كيفية القتل الحديث، كالقتل بالرصاص، أو بالسيف، أو نحو ذلك، والله تعالى أعلم. فإذا هذه الفاحشة جريمة عظمى. ولذلك رواية عن الإمام أحمد، والإمام مالك، وقترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية، وترييخ ابن القيم، وكذلك كان شيخنا المقبل الوادي يرجح هذا القول، أنه لا يفرق بين المحصن وغير المحصن، وكان يشدد شيخنا في هذا الأمر، ويسجر الطالب الذي يرى منهم يول إلى هذا الشيء، ويطرد من أجل ذلك. فهذا لا ينبغي، هذه جريمة شنعاء، فيها انعكاس للفطرة، وفيها انتكاس للفطرة، فما ينبغي للمسلم أن يميل إلى مثل ذلك. مسألة أخرى، ونختم بها هذا الباب: من زنى بذات محرم، والعياذ بالله. وهذا للأسف الشديد قد وجد في عصرنا هذا، خصوصاً ممن يتعاطى المخدرات، أو ممن كذلك لا دين له، ونحو ذلك. فهذه المسألة تكلم عليها أهل العلم من قديم، من قديم. فمن زنى بذات محرم كعمته، أو خالته، أو أخته، أو بنته، فجمهور العلماء أن حكمه حكم الزنا، واستدلوا بالأدلة العامة في حكم الزنا. فقالوا: إذا كان محصناً يرجم، وإن كان غير محصن يجلد ويغرب. وذهب بعض العلماء، وهو ترجيح ابن القيم عليه رحمة الله، إلى أنه يقتل بكل حال، يقتل الذي زنى بذات محرم بكل حال، سواء كان محصناً أو غير محصن. واستدل بحديث البراء، قال: «لقيت خالي أبا بردة، ومعه الراية، فقال: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه، والعياذ بالله، أن أقتله وآخذ ماله». أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتله، وأن يأخذ ماله. رواه النسائي وأحمد. فاستدلوا بهذا الحديث على أنه يسجر بهذا، لأن هذا فيه انتهاك حرمتين: فيه انتهاك حرمتين، أولاً: الوقوع في الزنا، وثانياً: الوقوع في ذات المحرم. وذات المحرم ما يجوز، ما يجوز، هذا أيضاً من انتكاس الفطرة، كيف تميل إلى محرم لك؟ فلذلك ذهب من ذهب إلى هذا الأمر. وأما عموم الأدلة، فهذا الحديث يخصصها، والله تعالى أعلم. هذا الحديث يخصصها، والله تعالى أعلم. ثم إن ذلك أيضاً فيه زجر، وفيه كذلك تنكين بمن يفعل مثل ذلك، بمن يفعل مثل ذلك. فلو علم الناس أن عقوب ذلك القتل مطلقاً، لارتدعوا عن مثل هذا الفعل، والله تعالى أعلم. طيب، اليوم نكتفي بهذا، وإلى هنا، والحمد لله. هذا ما يقع فيه إيلاج أصلاً، ومشترطوا في الزنا أو اللواط أن يكون فيه إيلاج. وهذا المرأة مع المرأة ما يكون هناك إيلاج، لكن يكون تعزير، إذا علم هذا، تعزر هذه المرأة بما يراه الحاكم من سجن، أو من ضرب، أو الذي يرى. أما الحد لا، لأن الحد إنما يكون بالإيلاج، وهذا لا إيلاج فيه، والله أعلم. ها؟ على إيش؟ على إيش؟ رفع صوتك. هذا ابن القيم وابن تيمية، شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، نقلوا الإجماع بين الصحابة على أنه يقتل مطلقاً. نعم، لا، ما هو مثل الزنا. الزنا قلنا يفصل فيه بين المحصن وغير المحصن، صح. لكن اللواط لا يفصل فيه، ولو كان غير محصن، ما تزوج، عادى، فعلى اللواط يقتل مطلقاً. في كيفية القتل، طريقة القتل: هل يرمى من أعلى؟ هل يحرق؟ هل يرجم؟ هذا الذي اختلفوا فيه فقط. الحمد لله، وصلاة السلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله، له لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال: «دون»... «دون» ظرف مكان منصوب على الظرفية في أكثر استعمالاته، أو مجرور بمن، وهو ملازم للإضافة في أكثرها، أو في أكثر حالاته، يعني: ظرف في أكثر استعمالاته أفضل.