شرح كتاب صفات النبي صلى الله عليه وسلم للعثيمين 12

شرح كتاب صفات النبي صلى الله عليه وسلم للعثيمين 12

الدرس في شرح كتاب صفات النبي صلى الله عليه وسلم للعثيمين 12، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

حلم النبي صلى الله عليه وسلم: تعريفه ونماذج عملية حية

يتناول هذا المحور خلق الحلم النبوي بتعريفه كظم للغيظ عند الاستفزاز مع الاستدلال بالآية الكريمة، ويسوق نماذج عملية بارزة كموقف الأعرابي الذي تقاضى النبي بخشونة فصفح عنه وأمر بإحسانه، وخدمة أنس بن مالك عشر سنين دون توبيخ واحد. كما يستعرض مواقف إضافية تدل على حلمه كالتسامح مع معاوية بن الحكم في الصلاة، والتعليم باللطف للشاب المستأذن في الزنا، والصفح عن الأعرابي الذي بال في المسجد.

عدل النبي صلى الله عليه وسلم: مظاهر وتطبيقات في الأقوال والأفعال

يسرد هذا المحور مظاهر عدل النبي صلى الله عليه وسلم من خلال مواقف متعددة كاقتصاصه من نفسه لرجل طعنه، وإنصافه بين زوجاته في القسمة والقرعة، ورفضه الشهادة على هبة جائرة، وإقراره الحق لأعدائه. ويختتم بتطبيقه حد السرقة على المرأة المخزومية رغم شفاعة أسامة بن زيد، مؤكداً أنه لو سرقت ابنته فاطمة لقطع يدها، مع ذكر ضربه لرجل اعتدى عليه في القسمة ردعاً دون ظلم.

خلق التفقد والسؤال عن الغائبين وخاتمة الكتاب

يستعرض هذا المحور خلق التفقد عند النبي صلى الله عليه وسلم بالسؤال عن أصحابه الغائبين ورعاية شؤونهم، مع نماذج كتفقد الأنصار وسؤال ثابت بن قيس وصلاته على المرأة السوداء وتعزيته لمن مات ابنه. ويبين أن من آداب الإسلام السؤال عن الغائب وزيارته مستدلاً بصلاة الجماعة وتفقد النبي لكعب بن مالك وجليبيب، مختتماً بدعوة الشيخ ابن عثيمين لاتخاذ أخلاق النبي نبراساً يقتدى به امتثالاً لأمر الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فأخذنا في الدرس الماضي من صفات النبي صلى الله عليه وسلم: الخشونة في العيش، والصبر، والزهد في الدنيا. وذكر المؤلف حديث عمر لما بكى. لماذا بكى عمر؟ نعم، لما رأى من أثر الحصير على جنب النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: "والله، والله، لا أعلم إلا أنك أكرم على الله من كسرى وقيصر، وهما يعبثان في الدنيا فيما يعبثان فيه، وأنت رسول الله بالمكان الذي أرى". فماذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: "أفلا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟" قالها مرتين: "لهم الدنيا ولنا الآخرة". وأخذنا أيضًا بعض الأحاديث التي تدل على زهده وعلى خشونة عيشه عليه الصلاة والسلام. من ذلك حديث النعمان بن بشير، لما ذكر عمر ما أصاب الناس في الدنيا. فماذا قال عمر؟ قال: "لقد رأيته صلى الله عليه وسلم يظل يلتوي...". ها؟ نعم، "يلتوي ما يجد من الدقل ما يملأ به بطنه". ما هو الدقل؟ الدقل: التمر العَجْوَة، التمر الرديء. أحسنت. هذا هو الدقل، فضلًا أن يجد التمر الطيب. ها؟ وهذا يدل على صبره عليه الصلاة والسلام. نعم، وكذا في حديث عائشة، وحديث كثيرة مرت معنا في بيان زهده عليه الصلاة والسلام، وخروجه أيضًا بسبب الجوع. هذا جاء في عدة أحاديث، ورهن درعه عند اليهود، مات ودرعه مرهونة عند اليهود، وغير ذلك. ثم أخذنا خلق الحياء، إضافة إلى بعض تلك الصفات، وذكرنا نماذج من حياء النبي صلى الله عليه وسلم. وقد وصف لنا أحد الصحابة حياء النبي عليه الصلاة والسلام، وهو أبو سعيد الخدري. فبماذا وصف حياء النبي صلى الله عليه وسلم؟ شبهه بماذا؟ عندك يا عكاش؟ كان صلى الله عليه وسلم أشد حياءً من... ماذا؟ كان رسول الله أشد حياءً من... من ماذا؟ كان نبي الله صلى الله عليه وسلم أشد حياءً من... ماذا؟ ما حضرت؟ عندك العذراء في خدرها. أشد حياءً من العذراء في خدرها. العذراء: البنت البالغة التي منتظرة للزواج، تكون في ناحية من البيت في حجر مستترة، تستحي أن يراها أحد. فالنبي صلى الله عليه وسلم حياؤه أشد من هذه العذراء في خدرها. وذكرنا نماذج أيضًا من حياء النبي صلى الله عليه وسلم، منها تلك المرأة التي سألته عن غسلها من الحيض، فأمرها أن تغتسل، قال: "خذي قرصة من مسك فتطهري بها". قالت: كيف أتطهر؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يعيد عليها، إلى أن استحى فأعرض بوجهه عنها. طيب، نأخذ بعض الصفات الأخرى ونخدم بها هذا الدرس في هذا اليوم. نأخذ في هذا الدرس أيضًا من الأخلاق: حلم النبي صلى الله عليه وسلم. والحلم هو كظم الغيظ عندما يستفز الإنسان، فإنه يكظم الغيظة. وهذه خصلة قد مدح الله عز وجل أهلها، كما قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. والكاظمين الغيظ: بمعنى أنهم يملكون أنفسهم عند الغضب، وهذا هو الحلم. وهذا هو الحلم. فقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام مواقف ونماذج كثيرة فيها بيان حلمه عليه الصلاة والسلام. من ذلك ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أنه قال: "إن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه". يعني: صلى الله عليه وسلم أخذ منه دينًا، فجاء هذا الرجل يريد دينه. طيب، يريد دينه يتقاضاه، فأغلظ. يعني: تكلم بشدة أمام النبي عليه الصلاة والسلام. كان يقول مثلًا: "أنت تأخرت علي، احصني حقي، أنت مماطل، أنت كذا، أنت...". يعني: أغلب في الكلام على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهم به أصحابه. الصحابة يعظمون النبي عليه الصلاة والسلام ويحترمونه، فعلموا أن هذا الأسلوب لا يليق بمقام النبي عليه الصلاة والسلام، فأرادوا أن يضربوه ويمنعوه. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "دعوه، اتركوه، فإن لصاحب الحق مقالًا". وصاحب الحق: اتركوه، لا يعني تسيء إليه. وهذا من حلمه عليه الصلاة والسلام. ثم مع هذا، هل غضب عليه؟ قال عليه الصلاة والسلام: "أعطوه سنًا مثل سنه". يعني: الشيء الذي أخذه منه النبي صلى الله عليه وسلم، كأنه من الإبل. فقال لهم: "أعطوه مثل حقه"، يعني: حتى يعطى ما أخذ منه. فقالوا: "يا رسول الله، لا نجد إلا أمثل من سنه". يعني: ما وجدنا إبل مثل سنه، يعني مثل الإبل التي أعطاك، ولكن وجدنا إبلًا أكبر، أكبر من سنه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أعطوه، فإن من خيركم أحسنكم قضاءً". "فإن من خيركم أحسنكم قضاءً". فانظر: النبي صلى الله عليه وسلم لم يأذن للصحابة بالاعتداء على هذا الرجل، وكذلك لم يبحث عن السن الذي أعطاه إياه، بل كافأه بأن أعطاه ما هو أكبر من سنه، أكبر من سنه. فلا شك أن هذا يدل على حلمه عليه الصلاة والسلام. وأيضًا نحن نسمع في حديث أنس: "خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، ما قال لي لشيء فعلته: لم فعلته، ولا لشيء لم أفعله: لم لم تفعل". هذا له قصة في بعض الأحاديث تدل كذلك على حلم النبي صلى الله عليه وسلم. ما هي هذه القصة؟ يقول أنس بن مالك: "كان النبي صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقًا". قال: "فأرسلني يومًا لحاجة"، يعني: وصاني، قال لي: "يا أنس، اذهب إلى مكان كذا وكذا". قال: "فقلت: والله لا أذهب". وفي نفسي أن أذهب. يعني: كأنه تقاعس وتأخر في القيام بهذه المهمة. قال: "وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله صلى الله عليه وسلم". قال: "فخرجت حتى مررت على صبيان وهم يلعبون". وأنس كان صغيرًا صبيًا، فكأن أنسًا جلس عند هؤلاء الصبيان، جلس عند هؤلاء الصبيان، قال: "وهم يلعبون في السوق". فإذا رسول الله قابض بقفاي، قبض قفاء أنس بن مالك من ورائي. قال: "فنظرت إليه وهو يضحك". انظر: ما غضب عليه. قال: "يا أنيس، اذهب حيث أمرتك". "يا أنيس": هذا تصغير، أيش؟ تصغير "أنس" من باب الملاعبة. فقال له: "يا أنيس، اذهب حيث أمرتك". قلت: "نعم، أنا أذهب يا رسول الله". فقال أنس بن مالك: "والله لقد خدمته سبع سنين أو تسع سنين، ما علمت قال لشيء صنعت: لم فعلت كذا وكذا، ولا لشيء تركت: لم لم تفعل كذا وكذا". هذا حديث رواه مسلم. ولا يتعارض هذا الحديث مع ما مر معنا من قوله: "خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين". هذا يحمل على تعدد المواقف التي تجعل أنسًا رضي الله تعالى عنه يذكر سن خدمته للنبي عليه الصلاة والسلام. فيقال مثلًا: في هذه الحادثة خدم أنس النبي صلى الله عليه وسلم سبع سنين أو تسع سنين، وفيما جاء في رواية العشر: "في رواية العشر"، فيه أن أنسًا رضي الله تعالى عنه لما قال ذاك الحديث قد خدم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عشر سنين. فلا تعارض بين هذه الأحاديث. ومما يدل كذلك على حلمه عليه الصلاة والسلام: حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله تعالى عنه وأرضاه. قال: "بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ عطس رجل". عطس يعني: معروف العطاس. قال: "عطس رجل من القوم". وهذا الرجل قال: "الحمد لله" بصوت منخفض. وهذا يجوز في حق العاطس، أما الراد فلا يرد هكذا، ذكر الفقهاء. فقلت: أي معاوية بن الحكم، قال: "مشمتًا له: يرحمك الله". ويحمل قوله ذلك على أن معاوية لم يبلغه النهي عن الكلام في الصلاة، لأن في أول الأمر كان الكلام في الصلاة لا بأس به، ربما يتكلمون، ويعطس العاطس فيحمدونه ونحو ذلك. ثم جاء النهي بقوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، كما في بعض الأحاديث. فكأن معاوية بن الحكم السلمي لم يبلغه النهي، لم يبلغه النهي، فشمت العاطس وقال له: "يرحمك الله". قال: "فرمان القوم بأبصارهم". كلهم نظروا إليه كالمنكرين له، كالمنكرين عليه. قال: "فرمان القوم بأبصارهم". فقلت: "وا ثكل أميه". وهو في الصلاة، لأنه وهو يصلي يقول هذا: "وا ثكل أميه"، لأنه ما يدري أن النهي عن الكلام قد نزل. قال: "ما شأنكم؟" يقول هكذا: "ما لكم تنظرون إلي؟" وهو في الصلاة. قال رضي الله تعالى عنه: "تنظرون إليه". فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، هكذا يسكتونه، ما يريدونه يتكلم. طيب. قال رضي الله تعالى عنه: "فلما رأيتهم يصمتوني سكتوا". قال: "فلما صلى رسول الله..."، يعني: انتهى من صلاته، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. "بأبي هو وأمي، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه عليه الصلاة والسلام". هكذا يقول معاوية. ما رأيت... أنتم ماذا تتوقعون الآن؟ إنسان ربما الآن لو طفل لعب في المسجد، وسلم الناس كلهم يقومون يصيحون عليه: "أنت أزعجتنا، أنت كذا، أنت...". صح. وهذا يتكلم في الصلاة ويشوش على المصلين في الصلاة. ماذا أنتم... يعني قائلون فيما يفعله النبي عليه الصلاة والسلام؟ ولذلك قال هنا معاوية: "ما رأيت... بأبي هو وأمي، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه". قال: "فوالله ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني أبدًا، وإنما ماذا قال له؟ قال: وإنما قال لي: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن". رواه مسلم. حلم، وكذلك حسن أخلاق. ما تنرفز، ولا غضب، ولا صاح، ولا زجر، ولا شيء من ذلك. وهذا يدل على ماذا؟ يدل على حلمه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. كذلك حديث أبي أمامة: لما جاء الرجل من الأنصار، شاب من الأنصار، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس عند أصحابه، فقال: "يا رسول الله، ائذن لي في الزنا". يريد رخصة في الزنا. الزنا حرمه الله وحرمه رسوله، فهذا يعني سؤال فيه سوء أدب. فماذا فعل الصحابة؟ فأقبل القوم عليه فزجروه: اسكتوه، تشتغل هذا الكلام عند النبي صلى الله عليه وسلم. غضب الصحابة. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: "ادنوه"، يعني: قربوه مني. فلما دنى من النبي صلى الله عليه وسلم، قال له عليه الصلاة والسلام: "أتحبه لأمك؟" قال: "لا، جعلني الله فداءك يا رسول الله". قال: "وكذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم". ثم عدد له بعض أرحامه: "أترضاه لأختك؟ أترضاه لابنتك؟ أترضاه لعمتك؟ أترضاه لخالتك؟". وهذا الشاب يقول: "لا، جعلني الله فداءك يا رسول الله". فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول له: "وكذلك الناس لا يرضونه لمحارمهم". ثم وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على صدره، وقال: "اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه". أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فانظروا إلى كيفية تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع هذا الشاب: ما صاح عليه، ولا كذلك رفع صوته عليه، ولا غضب عليه الصلاة والسلام، وإنما بين له وعلمه. فخرج هذا الشاب والزنا من أبغض الأعمال إليه، والزنا من أبغض الأعمال إليه. وهكذا حديث الأعرابي الذي بال في المسجد. صور الآن: لو جاء واحد وبال في المسجد، كيف سيكون الناس؟ ربما يضربونه ضربًا مبرحًا، وربما يعني يمسكونه ويفعلون به ما يفعلون. فهذا الأعرابي بال، فقام الصحابة وزجروه. فقال: "أمهله"، صلى الله عليه وسلم: "دعوه". في لفظ: "لا تزرموه". فلما قضى بوله، قال: "أريقوا عليه سجلًا من ماء"، يعني: إناء فيه ماء، فنضحوه عليه، طهروا المكان. ثم دعا النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأعرابي، وقال له: "إن هذه المساجد لا تصلح لهذا البول والقذر، وإنما هي للصلاة وقراءة القرآن". جاءت في رواية: أن هذا الأعرابي خرج وهو يقول: "اللهم اغفر لي ولمحمد، ولا تغفر لأحد معنا". فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: "لقد حجرت واسعًا، مغفرة الله...". لا يعني: تقتصر على بعض الناس، رحمة الله واسعة، ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾. فانظر كيف تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع تصرف هذا الأعرابي، مع فعل هذا الأعرابي. هذا كله يدلنا على مدى حلم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذه أيضًا من الأخلاق العظيمة التي كان عليها النبي عليه الصلاة والسلام. فما أحوجنا إلى أن نتحلى بها، خصوصًا الدعاة إلى الله: يأتيك الجاهل، ويأتيك المعاند، ويأتيك كذلك صاحب الهوى، فلا بد أن تتعامل معهم بحلم، بحلم وصبر وتحمل، حتى تنجح في دعوتك، وحتى تظهر للمدعوين أن دعوتك دعوة أخلاق ورحمة، لا دعوة انتصار للنفس وغضب، وكذلك تنفير وقسوة وسوء خلق. لا، إنما هي دعوة حلم وعلم ورحمة، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام. كذلك من الأخلاق التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم، والتي نحن بحاجة ماسة للتحلي بها والتخلق بها: صفة العدل، وخلق العدل. فقد كان عليه الصلاة والسلام من أخلاقه وشمائله التي يتصف بها: العدل الذي يوسع القريب والبعيد، والعدو والصديق، والذكر والأنثى، وكل الخلق. وفي ذلك نماذج كثيرة، نذكر بعضها. نذكر بعضها ليتبين لنا خلق النبي عليه الصلاة والسلام. من هذه النماذج: ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري، الذي رواه النسائي وصححه الألباني. قال: "بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم شيئًا"، يعني: من العطايا. "قال: فأكب رجل"، فأكب عليه، يعني: أكب على النبي صلى الله عليه وسلم. "فطعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرجون". ما هو العرجون؟ عود النخل. ومعنى طعنه: يعني هكذا، يعني: دغزه به بهذا العود، حتى لا ينكب عليه، حتى لا ينكب عليه. قال: "فطعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرجون كان معه". فخرج الرجل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تعال فاستقد". أيش معناها؟ "تعال فاستقد": أي: تعال فاقتص مني. أنا يعني: طعنتك بهذا العرجون، فأنت تعال وطعني بهذا العرجون. فقال هذا الرجل: "قد عفوت عنك يا رسول الله، قد عفوت عنك يا رسول الله". انظر إلى العدل: ما قال: "أنا رسول الله، وهذا هو الذي أكب علي"، وهي إلا أن ما طعن يسير، بي العود، ماذا عسى أن يؤثر فيه؟ لا، دعاه وقال له: "اقتص مني"، أو "استقد": بمعنى: اقتص مني. فانظروا إلى عدله عليه الصلاة والسلام. وأكد في بيته: كان يعدل بين نسائه، مع أنه لربما يحب إحداهن على الأخرى، ومع هذا كان يعدل فيما بينهن. وفي ذلك يعني مواقف كثيرة، نذكر بعضها. منها ما جاء في صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: "أهدت بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إليه طعامًا في قصعة". قصعة: يعني مثل الصحفة، هكذا فيها طعام. إحدى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، فجاءت هذه المرة بهذه القصعة، وكانت عائشة موجودة رضي الله عنها. فماذا فعلت عائشة؟ قال: "فضربت عائشة القصعة بيدها، فألقت ما فيها". يعني: كسرتها، فهكذا فرت القصعة والطعام الذي فيها. يعني: كذلك وقع في الأرض، وقع في الأرض. تصور: أنت معك يعني صحن فيه رز وصيد وكذا، جي واحد وقلبها كذا، خلاص يذهب. صح، يذهب. فعائشة رضي الله تعالى عنها ضربت هذه القصعة فألقت ما فيها. فماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: "طعام بطعام، وإناء بإناء". يعني: يلزم عائشة أن تعطي هذه الزوجة إناءً مثل إنائها الذي كسرته عائشة، وأن كذلك تعطيها الطعام الذي كان في هذا الإناء. إناء بإناء، وطعام بطعام. مع أن عائشة كانت من أحب نسائه إليه. عائشة رضي الله تعالى عنها كانت من أحب نسائه إليه، ومع هذا ما كان يحابي، وما كان يجامل، وإنما كان يعدل بين الناس جميعًا، ولو كان من أحب الناس إليه. وكذلك من صور عدله بين زوجاته: حين قام بتقسيم الأيام بينهن، فأعطى كل امرأة يومها، ما مال، وجعل لي عائشة أو لزينب بنت جحش، وكن من أحب النساء إليه، ولم يقسم للأخريات، وإنما جعل لكل امرأة يوم، إلا سودة بنت زمعة رضي الله تعالى عنها، تبرعت بيومها لعائشة من تلقاء نفسها. ولو لم تتبرع، لبات عندها النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أعطاها يومها عليه الصلاة والسلام. وهذا أيضًا من العدل. وكذلك من عدله بين نسائه عليه الصلاة والسلام: لما يخرج عليه الصلاة والسلام في سفر. فعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "كان الرسول عليه وسلم إذا أراد أن يخرج سفرًا، أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها، خرج بها". متفق عليه. يعني: الآن يريد أن يسافر، يريد امرأة تكون معه، تخدمه في الطريق، يتوانس معها في الطريق. طيب، معه تسع نساء، من يأخذ منهن؟ إذا أخذ هذه غضبت الأخرى، وإذا أخذ هذه غضبت تلك. إذن: إيش الحل؟ الحل: كان يقرع بينهم، يأتي بقرعة، الذي يطلع اسمها يأخذها معه، فتكون النساء نفوسهن طيبات، لأنه مختار من تلقاء نفسه، وإنما حسب ما طلع في القرعة، حسب ما طلع في القرعة. وهذا أيضًا من العدل، من العدل الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكذلك مما جاء في عدله: ما جاء في حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه، أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشهد رسول الله على هبة لأحد أولاده. يعني: بشير أعطى أحد أولاده هبة، ولم يعطِ البقية شيئًا. معه عدة أولاد، أعطى هذا فقط مالًا مثلًا، أو إبلًا، أو غنمًا، أو شيئًا، والبقية ما أعطاهم شيئًا. فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشهده. طيب، يريد أن يشهد على هذه العطية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا بشير، ألك ولد سوى هذا؟" قال: "نعم". قال: "أفكلهم وهبت له مثل هذا؟" قال: "لا". قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فلا تشهدني إذن، فإني لا أشهد على جور". يعني: على ظلم. لأن هذه العطية فيها ظلم: كيف تعطي بعض الأولاد، وبقية الأولاد ما تعطيهم شيئًا؟ هذا فيه شيء من الظلم. فأبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يشهد، لما أراد البشير رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وهكذا من عدل النبي صلى الله عليه وسلم: حتى مع العدو. فإذا جاء الحق من العدو، أشاد به النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا من عدله. ومن ذلك: ما جاء عن بعض أهل الجاهلية، مثل ثنائه عليه الصلاة والسلام على قول لبيد، على قول لبيد بن ربيعة. ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ "أصدق كلمة قالها لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل". فهذه كلمة حق، قالها النبي صلى الله عليه وسلم، مع أن قائلها من أهل الجاهلية، ومع هذا أشاد بها النبي صلى الله عليه وسلم. كذلك حلف الفضول، وهو من الحلف الذي كان في الجاهلية. ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا، لو دعيت إليه في الإسلام لأجبت". وهذا الحديث رواه الحميدي بسند صحيح. وهكذا فإنه عليه الصلاة والسلام كان يعدل، ولو الحق على قريب له. الحق يعني: على قريب، مش له، وإنما عليه. ومن أمثلة ذلك: حديث المرأة التي سرقت. امرأة سرقت، وطلع أمرها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، المرأة المخزومية. فما هو حد السرقة؟ قطع اليد. فبنو مخزوم عظم عليهم هذا الأمر: كيف امرأة منهم تقطع يدها؟ فقالوا: "نريد من يشفع لنا عند النبي صلى الله عليه وسلم". قالوا: "ما معنا إلا أسامة بن زيد، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم". فذهبوا عند أسامة بن زيد، وكلموه: "اذهب، إيش فعلنا عند النبي صلى الله عليه وسلم؟ لا يعني: تقطع يد هذه المرأة". فلما ذهب أسامة بن زيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكلم النبي صلى الله عليه وسلم، غضب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قام خطيبًا، قال عليه الصلاة والسلام: "أتحب أن تشفع في حد من حدود الله؟" لو قال... ثم قال: "إنما أهلك من كان قبلكم، كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد". ثم قال عليه الصلاة والسلام: "وأيم الله"، هذا حلف بالله عز وجل: "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها". الله أكبر. ما حابها، وما جاملها، وحاشاها أن تسرق، لكن ليبين النبي صلى الله عليه وسلم أنه قائم بالعدل، حتى مع أقرب الناس إليه: فاطمة ابنته، وبضعة منه. ومع هذا يقول: إذا سرقت، فإنه عليه الصلاة والسلام سيقطع يدها. هذا هو العدل. وهذا مصداق قول الله عز وجل: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا ۚ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. ولا يجرمنكم شنآن قوم... ألا تعدلوا؟ اعدلوا، هو أقرب للتقوى. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعني: غاية في العدل، مع القريب والبعيد، والصديق والعدو، وجميع الخلق. فهذا خلق عظيم ينبغي للمسلم أن يتحلى به. وأخيرًا نأخذ أيضًا خلقًا من أخلاق نبينا عليه الصلاة والسلام، ونختم به، وهو خلق التفقد. أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتفقد ويسأل عن سبب غياب ومآل حال بعض أصحابه إذا غابوا عنه. لأن الغائب لعله مشغول، يريد من يعينه، أو مريض يريد من يعوده، أو كذلك وقع في فتنة ومعضلة، يريد من يرفعها عنه. فكان عليه الصلاة والسلام إذا غاب أحد من أصحابه سأل عنه. هذا خلق عظيم، سبب لتآلف المسلمين، وليقضى حوائج بعضهم لبعض. فهو خلق عظيم من أخلاق نبينا عليه الصلاة والسلام. ونأخذ نماذج على ذلك. نأخذ نماذج على ذلك. من هذا: ما جاء عند الحاكم وحسنه الألباني، عن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنهما، قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعهد الأنصار، ويعودهم، ويسأل عنهم". انظر إلى هذا الحديث العظيم: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعهد الأنصار، ويعودهم، ويسأل عنهم. وكذلك عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم افتقد ثابت بن قيس بن شماس. صحابي كان يجلس معه ويحضر مجالسه، فجأة غاب، ما حضر. فانتبه النبي صلى الله عليه وسلم لهذا، فقال: "أين ثابت بن قيس؟" فقال رجل: "يا رسول الله، أنا أعلم لك علمه، أنا سأذهب وأتأكد، إيش خبره؟ سأذهب بيته". قال: "فأتاه"، أي: إلى البيت، فوجده جالسًا في بيته، منكسًا رأسه. فقال له: "ما شأنك؟ ليش أنت هكذا حزين، هكذا منكس رأسك؟ إيش عندك؟ ما شأنك؟" فقال له ثابت: "شر". قال: "إيش شر؟" قال: "كنت أرفع صوتي فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم، فقد حبط عملي، فقد حبط عملي، وأنا من أهل النار". يقول عن نفسه. لأنه يقال: أن ثابت بن قيس كان جهوري الصوت. ما معنى جهوري الصوت؟ يعني: لما يتكلم كان صوته رافعًا. فلما نزل قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. فظن ثابت أن هذه الآية نزلت فيه، لأنه كان رفيع الصوت. طيب، إذا قال: "أنا حبط عملي، أنا من أهل النار"، هكذا تأول الآية فيه. وهذا من يعني: حياة قلبه. فالرجل هذا ذهب إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأخبره: "ثابت يقول كذا وكذا وكذا وكذا". فماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل: "انظروا إلى فوائد التفقد، وما ثمار هذا التفقد". قال النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل: "اذهب إليه، فقل له: إنك لست من أهل النار". من الذي يشهد هذه الشهادة؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم. "قل له: اذهب إلى ثابت، وقل له: أنك لست من أهل النار، ولكن من أهل الجنة". أخرجه البخاري. ولذلك أهل السنة يجعلون ثابت بن قيس ممن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بماذا؟ بالجنة. لأن من معتقد أهل السنة والجماعة: أنهم لا يشهدون لأحد بجنة أو نار، إلا من شهد له الله بذلك، أو شهد له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك. واضح؟ نعم. فانظروا إلى أثر التفقد: تفقدوا هذا الرجل، فصارت له بشارة بأنه من أهل الجنة، صارت له بشارة بأنه من أهل الجنة. هذا هو ثمار وأثر التفقد. كذلك مما يدل على ذلك: من نماذج تفقد النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه، ما جاء في حديث أبي هريرة: أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد. ما معنى "تقم المسجد"؟ يعني: تنظف المسجد، تقوش المسجد. طيب، ففقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاء في المسجد ما رآها، فسأل عنها، فسأل عنها. مع أنها امرأة، وسوداء، وضعيفة، ومع هذا صار لها شأن عند النبي عليه الصلاة والسلام، فسأل عنها. فقالوا: "ماتت يا رسول الله". هذه المرأة التي كانت تقم المسجد ماتت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أفلا كنتم آذنتموني؟" يعني: أفلا كنتم أخبرتموني؟ فكأنهم صغروا أمرها، قالوا: "هي امرأة، وعنها نخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بموتها؟ ما هو أحد من الصحابة المعروفين، امرأة تقم المسجد". صغروا من أمرها. فقال عليه الصلاة والسلام: "دلوني على قبرها". فدلوه على قبرها، فصل عليها عليه الصلاة والسلام، صلى عليها بعدما دفنت. فحظيت بهذا السؤال، وبهذا التفقد، دعوات النبي عليه الصلاة والسلام، صلى عليها ودعا لها، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فانظر إلى أثر التفقد. وهكذا جاء عن قيس بن إياس المزني رضي الله تعالى عنه، قال: "كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس، يجلس إليه نفر من الصحابة"، يعني: مجموعة من الصحابة. "قال: وفيهم رجل له ابن صغير، يأتيه من خلف ظهره، فيقعده بين يديه". واحد من الجالسين معه، ولد صغير، يجلسه عنده، يقعده عنده، ويأتي على ظهره وكذا، ابنه يجلس بجانبه. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "تحبه؟" يعني: كأنه يمازح هذا الرجل. قال له: "تحب هذا الولد؟" فقال: "يا رسول الله، أحبك الله كما أحبه". يعني: باعتبار أنا... نعم، أحبه. فهلك هذا الولد، يعني: مات، مات هذا الولد الصغير. فامتنع الرجل أن يحضر الحلقة من أجل هذا الولد، حزنًا عليه، يعني: حزن عليه، فلم يحضر، غاب عن المجلس. فقده النبي صلى الله عليه وسلم. انظر: انتبه، انتبه النبي صلى الله عليه وسلم، فسأل عليه، قال: "ما لي لا أرى فلانًا؟" يعني: هذا الذي كان يأتي بالولد. "ما لي لا أراه؟" فقالوا: "يا رسول الله، ابنه الذي رأيته هلك، مات، هذا هو السبب الذي جعله لا يأتي، لي حزنه وانشغاله بذلك". فلقيه النبي صلى الله عليه وسلم فعزاه. والحديث رواه النسائي، وذكره الشيخ الألباني في "أحكام الجنائز" في باب التعزية، وصحح هذا الحديث. ففيه كذلك تفقد النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه. وكان أثر هذا التفقد أنه ماذا؟ عزاه، والتعزية بمعنى: المواساة. ها. فهكذا الذي يغيب: قد عنده أفراح، يحتاج من يشاركه أفراحًا؛ قد عنده أحزان، يحتاج من يواسيه ومن يخفف عنه آلامه؛ وقد يكون كذلك مسافرًا، ويحتاج الدعاء له بالتوفيق؛ أو لربما كذلك ضعف في دينه وفي استقامته، يحتاج من ينصحه ومن يرشده. ولذلك: إذا غاب أحد إخواننا وزملائنا، فمن أدب الإسلام أن نسأل عنه، وإذا علمنا أنه موجود، فنذهب ونزوره ونتفقد من أخباره. ولذلك من حكمة هذا الدين: أن شرع لنا الصلوات الخمس في جماعة، لماذا؟ حتى يلتقي بعضنا ببعض، فإذا غاب أحدنا علمنا أنه حدث له أمر. إنسان كان مواظبًا على الصلاة في هذا المسجد، خمس صلوات يصليها في مسجد الحارة أو مسجد المنطقة، فغاب يوم كامل، ما رأيناه في شيء من الصلوات، أكيد هناك شيء حصل: إما مريض، إما مسافر، إما عنده عمل، عنده شغل، عنده شيء، عنده يحتاج إلى من يسأل عنه. فهذا خلق عظيم كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك في غزو تبوك: لما تخلف كعب بن مالك، سأل عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: "ما فعل كعب بن مالك؟" وهذا أيضًا من التفقد. وهكذا في بعض الغزوات: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم، ودارت المعركة، وكان معه في هذه المعركة جليبيب. فبعدما انتهت المعركة، يسأل النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه: "هل تفقدون أحدًا؟" قالوا: "نعم يا رسول الله، فلان وفلان وفلان". سأل مرة ثانية: "هل تفقدون أحدًا؟" قالوا: "نعم يا رسول الله، فلان وفلان وفلان". ثم سأل المرة الثالثة: "هل تفقدون أحدًا؟" قالوا: "لا يا رسول الله". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ولكنني أفقد جليبيبًا". "ولكنني أفقد من؟ جليبيبًا". فذهبوا، بحثوا عليه، فوجدوه قد قتل عشرًا من الكفار، وهم عنده، ثم قتلوه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قتل عشرة ثم قتلوه، جليبيب مني وأنا منه". فوضعه النبي صلى الله عليه وسلم على ساعديه، حتى حفروا له، ثم وضعه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قبره. الشاهد من هذا: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يتفقد أصحابه، والنماذج في هذا كثيرة. فهذا خلق عظيم كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام. وبهذا نكون قد انتهينا مما تيسر ذكره في أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم. قال الشيخ ابن عثيمين في ختام هذا الكتاب: "هذه درر من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، فاتخذوها نبراسًا لكم، تأتمون به". النبراس: هو الطريق الذي يمشي عليها الإنسان. "تأتمون به": تقصدونه، تقصدون هذا الطريق، وتأخذون وتسيرون عليه، وتهتدون. فإن الله جبله، أي: النبي صلى الله عليه وسلم، على مكارم الأخلاق، وأمرنا بالاقتداء به. قال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. رزقنا الله وإياكم محبة هذا النبي صلى الله عليه وسلم، ووفقنا إلى اتباع سنته وهديه، حتى يأتينا اليقين. اللهم آمين. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين.