الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 65، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
توضح هذه المرتبة أن الله خالق كل شيء بما في ذلك أعمال العباد، مستندة إلى نصوص الوارد، وترد على القدرية المعتزلة الذين فصلوا مشيئة العبد عن مشيئة الله. وتؤكد أن خلق الله لقدرة العبد وإرادته لا ينافي اختياره ومسؤوليته، مع بيان مفهوم التوفيق كعون زائد من الله.
يناقش المقطع بطلان تفسير الأشاعرة للإعانة بأنها مجرد خلق الاستطاعة، مبيناً أن الإعانة الخاصة فضل زائد من الله. كما يوضح حكمة الله في قضاء أمور لا يحبها لذاتها لأنها محبوبة لنتائجها الخيرية كالتوبة والجهاد.
يؤكد مذهب أهل السنة أن الله خالق كل شيء ومشيئته شاملة، بينما للعباد قدرة وإرادة واختيار حقيقيان يُحاسبون عليهما. ويوضح أن الله يسر لكل أحد ما علم أنه سيختاره، فنسب الأعمال إلى العباد فعلاً وكسباً، وإلى الله إيجاداً وخلقاً.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فمرتبة الرابعة: مرتبة الخلق. ومعنى الإيمان بمرتبة الخلق: الإيمان بأن الله جل وعلا خلق كل شيء، خلق العباد وخلق أعمالهم، كل ما يحدث في ملكوت الله جل وعلا فالله جل وعلا خالقه، كما قال سبحانه: ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾، وقال جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾، وقال سبحانه: ﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾، وقال سبحانه: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ﴾، وقال سبحانه: ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾. ودلت آيات كثيرة في القرآن والسنة، كذلك في حديث حديث عند الحاكم وغيره، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يصنع كل صانع وصنعته»، يعني يخلق، فالصانع مخلوق لله وصنعته كذلك التي هي من عمله مخلوقة لله عز وجل. وكما قال سبحانه: ﴿ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾. ومرتبة المشيئة والخلق: ضل فيها القدرية المعتزلة، الذين خالفوا القدرية الغلاة، أثبتوا مرتبة العلم والكتابة في الدرجة الأولى من القدر، لكن الدرجة الثانية ضلوا فيها في المشيئة والخلق، وجعلوا مشيئة العبد مستقلة، وجعلوا أفعال العبد مخلوقة للعباد، ليست مخلوقة لله، فأخرجوا الله عن عموم مشيئته، وأخرجوا الله عز وجل عن عموم خلقه، كما تقدم، فرارًا من القول بالجبر. أنه كما ذكر هنا الشيخ رحمه الله بالهراس فيما نقل عنه: أنه لا منافاة ولا تعارض بين كون مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله، وفعل العبد مخلوق لله جل وعلا، وبين مشيئة العبد واختيار العبد، وأنه يفعل باختيار. لا تعارض؛ لأن الله جل وعلا هو الذي خلق القدرة وخلق الاختيار في العبد، والإرادة التي يعمل بها الخير أو الشر. فعل الخير والشر يفعله العبد بقدرة، يفعله بإرادة، العبد يحتاج إلى قدرة وإلى إرادة يفعل بها الخير أو يفعل بها الشر، يختار بها إما الخير ويختار بها... أو يختار بها الشر، ويحتاج إلى إرادة حتى يختار. كيف يختار العبد وما عنده قدرة وإرادة على الاختيار؟ ما يمكن، ما يمكن أن يكون العبد مختارًا، نعم، ويختار الخير أو الشر إلا بقدرة وإرادة تجعله يستطيع أن يختار، وتجعله يفعل مختارًا. فالله جل وعلا خلق فيه القدرة والإرادة التي بها يختار. إذا خلق الله جل وعلا في العبد القدرة والإرادة ليفعل وليختار، لا ينافي أن يكون العبد مختارًا؛ لأنه إذا اختار اختار هو، أي العبد يختار. إذا صلى العبد صلى، اختار العبد أن يصلي، ولا يمكن أن يصلي إلا بقدرة وإرادة يفعل بها الصلاة، يختار بها الصلاة. فخلق الله جل وعلا فهذه القدرة التي يفعل بها ويختار الصلاة خلقها الله. وهذا إذا اختار الشر، وإذا فعل المعصية، فعل المعصية بقدرة وإرادة خلقها الله فيه ليفعل بها مختارًا. بهذا تبين لا منافاة ولا تعارض بين كون القدرة والإرادة التي يفعل بها العباد مختارًا، وبين اختيارهم. لكن لأن المعتزلة لم يفقهوا هذا، جعلوا من لازم كون الله جل وعلا إذا كان هو الذي خلق القدرة والإرادة في العبد، معناه أن العبد لا اختيار له، لا اختيار له. ولذلك قالوا: لا، أفعال العبد إنما بقدرته هو، أي بقدرة العبد وإرادة العبد، وهو الذي خلق هذه القدرة وهذه الإرادة وهذا الفعل. إذا الله هو الذي خلق فعل العبد، إذا الله خلق فعل العبد، معناه أن العبد لا اختيار له. وهذا باطل. لا، الله خلق فعل العبد، الذي هو قدرة هو اختيار وإرادة. إما الاختيار هو اختيار العبد، لم يجبر على اختيار الشر، ولم يجبر على اختيار الخير، لا، فهو الذي يفعل الخير وهو الذي يفعل الشر باختياره. وهناك التوفيق، هناك التوفيق من الله جل وعلا، وهي الإعانة الخاصة، وهي الإعانة الخاصة. عندنا عبد عنده قدرة وإرادة يفعل بها مختارًا، قامت عليه الحجة. أخذ آخر مثله، عنده قدرة وإرادة يفعل بها مختارًا، إما الخير وإما الشر. التوفيق من الله جل وعلا لفلان دون فلان، وفق، أعان زيدًا ولم يعن عمرًا. زيد عنده إرادة وقدرة يفعل الطاعة والمعصية، وعمرو عنده القدرة والإرادة يفعل بها الطاعة والمعصية. التوفيق شيء زائد، توفيق شيء زائد من الله جل وعلا، ذلك فضله يؤتيه من يشاء، فهو عون من الله جل وعلا. إذا أعان زيدًا بتثبيط دواعي الشر في نفسه، مثلاً: الإنسان العبد يريد يفعل الطاعة، يريد يفعل الطاعة، يستطيع يفعل الطاعة بقدرة وإرادة، هناك مثبتات، ثبطه منها النفس الأمارة بالسوء تنازعه من جهة أن لا يفعل الطاعة، هناك أيضًا شياطين الجن، وساوس إبليس يوسوس في صدره، وهناك شياطين الإنس يثبطون. هذه مثبتات، إذا وفق الله جل وعلا زيدًا وأعانه على تثبيط هذه المثبتات، نعم، ففعل العبادة، انتصر على النفس الأمارة بالسوء، وانتصر على الوسواس الخناس، وانتصر على شياطين الإنس، وعلى الطاعة. هذا توفيق من الله جل وعلا. بارك عمر مثلاً، ما منعه الله بذلك جل وعلا، لم يعنه هذا العون الخاص وهذا التوفيق الخاص، وكله وكله إلى نفسه، يجاهد هذه المثبتات، يجاهد هذه المثبتات، يجاهد، يجاهد نفسه الأمارة بالسوء، ينتصر عليها ويفعل الطاعة، ويجاهد الوسواس الخناس، يفعل الطاعة وينتصر عليه، ويجاهد شياطين الإنس الذين يثبطون، وكله الله جل عليه نفسه. فإذا غلبها نجح، فغلب هذه المثبتات، منتصر عليها وفعل الطاعة، نجح. وإذا انتصرت عليه هذه الدواعي، دواعي الشر، نعم، فما ظلمه الله، ما ظلمه الله، عامله بعدله حيث وكله إلى نفسه، فلا حجة لعمر إذا قال لله عز ومقام: يا رب، أنت أعنت زيدًا، أنت أعنت زيدًا على هذه المثبتات وعلى هذه الدواعي الشر حتى انتصر عليها ففعل الطاعة، انتصر عليها ولم يفعل المعصية، أنا لم تعنني على الانتصار على هذه المثبتات وعلى هذه الدواعي، دواعي الشر. لا حجة له؛ لأن الله جل وعلا قد عامله بعدله، أعطاه القدرة والإرادة التي يستطيع بها أن يجاهد هذه الدواعي، أي دواعي الشر، وهذه المثبتات، عامله بعدله. وذلك يقول أهل السنة والجماعة: من وفقه الله جل وعلا وأعانه، أي هذه الإعانة الخاصة، فذلك فضله يؤتيه من يشاء، ومن أضله فبعدله، ومن أضله فبعدله؛ لأنه وكله إلى نفسه، وكله إلى نفسه. لابد من فهم هذا، هذا هو التوفيق عند أهل السنة والجماعة، ليس كما عند أهل البدع، هو أنه خلق الاستطاعة عند الفعل، كما هو عند الأشاعرة. التوفيق معناه: إذا أراد العبد أن يفعل الطاعة، خلق الله جل وعلا الاستطاعة فيه ليعمل الطاعة. إنما التوفيق عند أهل السنة والجماعة هو توفيق العبد وإعانة العبد على الانتصار على الدواعي المثبطة، هذا شيء زائد. لأنه كما يقول الأشاعرة: إذا كان إذا كان العون وكانت الإعانة خلق الاستطاعة، فيكون العبد حجة إذا قال عمر: يا رب، أنت خلقت الاستطاعة في زيد فعمل الطاعة، خلقت فيه الاستطاعة فعمل الطاعة، وأن لم تخلق في الاستطاعة حتى أعمل الطاعة، كيف أعمل الطاعة وما عندي استطاعة؟ ولم تخلق لي الاستطاعة، كيف أعمل عملًا وما عندي استطاعة؟ والعمل نعم يحتاج إلى استطاعة. هذا يدلون على بطلان هذا القول في تفسير الإعانة، ونفيه؛ لأن نبوة لا تقوم بالحجة. لا، يصح الله جل وعلا أن يخلق أن يخلق في العبد استطاعة ليعمل الطاعة، نعم، ولا يخلق الاستطاعة في عبد آخر ويأمره بفعل طاعة وما عنده استطاعة. لا، إذا أمر الله جل على العبد بفعل طاعة فقد خلق فيه الاستطاعة لعمل الطاعة، فقد كلهم قد خلقت فيهم الاستطاعة لعمل الطاعة، فلا تقوم الحجة إلا بالاستطاعة. كيف يعاقب العباد على عدم فعلهم للطاعة وما عندهم استطاعة لفعل الطاعة؟ لا يمكن، عندهم استطاعة لفعل الطاعة، وعندهم استطاعة لترك المحرمات، وبهذا تقوم الحجة على جميع العباد. لكن تفضل الله جل وعلا على من شاء من عباده، وذلك فضله يؤتيه من يشاء، بهذه العانة الخاصة، هو شيء زائد، عين العبد، يوفق العبد على الانتصار على هذه المثبتات ودواعي الشر. ولعلنا ذكرنا في دروسنا الماضية، في بعض الدروس، مثلاً يقرب هذا: صاحب مصنع، إذا كان عنده عمال، وأمرهم بعمل صنعة من صنايع، سيارة أو بابا أو غير ذلك، كلهم عندهم قدرة، أعطاهم الآلات التي يعملون بها السيارة، أو يعملون بها السفينة، أو يعملون بها الأبواب، إلى آخر ذلك، عندهم. لكن أعان بعض العمال، أعان خاصة، حفزهم، حفزهم ونشطهم، نعم، بما كان سببًا لذهاب الخمول عنهم مثلاً والكسل، فنشطوا في عمل الواجب وأتوا به، وعملوا. آخرون عندهم الآلات، وعندهم المكاين، وعندهم، لكن واجهتهم أمور: كسل وخمول وفتور، وإلى آخر ذلك، فتركوا الواجب ولم يفعلوا مثل ما فعل أولئك. إذا قالهم صاحب المصنع: لماذا لم تعملوا الواجب؟ لماذا لم تعملوا الواجب كما فعل إخوانكم؟ هل لهم حجة أن يقولوا لصاحب المصنع: أنت نشطت هؤلاء وحفزت هؤلاء، وجعلتهم يفعلون، وتحفيزك كان له الأثر في عدم خمولهم وكسلهم، إلى آخر ذلك؟ لأنه سيقول لهم: عندكم الآلات، هذا شيء زائد، الحجة قامت عليكم، ما الذي يمنعكم؟ هل أحد منعكم من العمل؟ عندكم الآلات، مثلاً في الكسل هذا واجه عليكم، تنتصروا عليه، تجاهدوا أنفسكم، عندكم قدرة على هذه المجاهدة، عندكم قدرة على هذه المجاهدة أن تجاهدوا هذا الفتور وهذا الخمول وتذهبوه منكم وتذهبوه منكم، لكنكم لم تفعلوا، فقامت عليكم حجة. فإعانته لبعض عمال المصنع، أي صاحب المصنع، هذا شيء زائد منه، فضل. وإلا لو ترك الجميع، صاحب المصنع لو ترك الجميع لما عندهم من الآلات، لا قامت عليهم الحجة، أن الكل عنده قدرة ليعملوا، عنده الآلات. لكن لله جل له على الحكمة، وله جل له على الفضل والمن على عباده بأن أعانهم جل وعلا، أعان العباد، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. فمن هداه فبفضله، ومن أضله فبعدله؛ لأن من هداه بفضله لأنه أعانه هذه الإعانة الخاصة، ومن أضله بعدله لأنه لا يلزم، غير لازم لله جل وعلا أن يعين كل أحد. وهناك فضله، وهناك عدله، فضله من الله، عدل من الله جل وعلا، لأنه عامله بعدله، والله جل وعلا له الحكمة، يعامل من شاء من عباده بفضله، ويعامل من شاء من عباده بعدله. فمن عامله من عباده جل وعلا بفضله، فذلك فضله يؤتيه من يشاء، ومن عامل الله جل وعلا، عامل الله عباده بعدله، فذلك عدله، وليس في أفعال الله جل وعلا ظلم، بل الظلم حرم، حرمه الله جل وعلا على نفسه. تلك هذه المثلة، منهم جدًا، وقد أشار إليها هنا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في سياق كلامه، وآخر الشارح الهراس رحمه الله تعالى في شرحه، وفيما نقل كذلك على العلم. والخلاصة: أن العباد هم الذين يعملون، إذا صلوا وإذا صاموا، وهم الذين يفعلون المعاصي إذا وقعوا في المعاصي. والله جل وعلا هو الحكيم في أفعاله، قد يقضي الله جل وعلا كونيًا وقدريًا ما لا يحبه، قضاء إبليس، قضاء المعاصي، لكن ليس في أفعال الله شر، أن قضاءه وفق الحكمة بما يترتب عليه من الخير. وكما تقدم معنا مرارًا، أن أن الله سبحانه وتعالى قضاء ما لا يحبه لأنه يحبه من وجه آخر، إما أن يكون محبوبًا لذاته، وإما أن يكون محبوبًا لغيره. فالمحبوب لذاته واضح: حب الطاعات، حب الرسل، حب الأنبياء، كل هذه أمور محبوبة لذاتها، قضاها الله جل وعلا وهي محبوبة لذاتها. وهناك أمور غير محبوبة لذاتها لكن محبوبة لغيرها، لما يترتب عليها. إبليس غير محبوب لذاته، الله جل وعلا لا يحب إبليس لذاته، ومع هذا قضاه، قضاه لأنه محبوب لغيره، وما يترتب على قضاء إبليس من عصيانه، أي من عصيان إبليس والكفر به، هذا من أعظم المحبوبات إلى الله جل وعلا، أن يعصى إبليس وأن يكفر به. وهكذا كذلك الفساد في الأرض، الفساد قضاه الله جل وعلا، هو غير محبوب لذاته، الله لا يحب الفساد، ومع هذا قضى الفساد، لكن قضاه لأنه محبوب لغيره، لأن الفساد يترتب عليه محبوبات، ولا تترتب عليك المحبوبات إلا بقضاء الفساد، رجوع إلى الله جل وعلا، كما قال سبحانه: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾. وقضاء الكافر ليقتل المسلم، تتحقق الشهادة. قل هذا في كل الأشياء التي هي غير محبوبة لذاتها لله، ومع هذا قضاها الله. جوابه جواب هذا: إذا قيل: فلماذا إذا قضاها الله وهي غير محبوبة لذاتها؟ الجواب: لأن في قضائها رتب محبوبات لله سبحانه وتعالى. قد أشار إلى هذا الشارح للهراس رحمه الله تعالى في سياق كلامه، رحمه الله تعالى، وحيث قال: كما أنه لا تلازم بين تلك المشيئة وبين الأمر الشرعي المتعلق بما يحبه الله ويرضاه، فقد يشاء الله ما لا يحبه يعني ذاته، ويحب ما لا يشاء، ويحب ما لا يشاء، يعني يحب من الجميع التوحيد، يحب من الجميع التوحيد وأن يكونوا موحدين، لكن هذا يقع أو لا يقع؟ لا يقع، إذن معناه ويحب ماذا؟ ما لا يشاء، أن هذا لم يشأه جل وعلا، لماذا؟ لأن لو شاء لكان الناس كلهم ماذا؟ على التوحيد، فإذن هو يحب ما لا يشاء. وكما أنه ماذا؟ يشاء ما لا، ما لا يحبه، يشاء ما لا، ويحب ما لا يشاء، لحكمة، لحكمته، وأن يكون الناس على إيمان وتوحيد، وعلى كفر، وعلى طاعة، وعلى معصية، لحكمته البالغة في ذلك. وهناك جنة، هناك نار، وهناك ابتلاء، لا يحصل ابتلاء والاختبار إلا بوجود أناس يمتثلون باختيارهم، وأناس يعصون باختيارهم، كانت جنة ونار، وعذاب ونعيم، وهكذا. ولله الحكمة البالغة في ذلك. قال: فالأول كمشيئته وجود إبليس وجنوده، معنى أن هذا شاءه جل وعلا مع أنه لا يحبه بذاته. والثاني كمحبة إيمان الكفار وطاعة الفجار، هذه محبوبات إلا، ومع هذا لم يشأها جل وعلا، كفار لا يؤمنون، يموتون على ما هم عليه، قالوا: عدل الظالمين وتوبة الفاسقين، كل هذه محبوبات لله عز وجل، وعنه جل وعلا لم يشأها، لأن هناك من الفساق ممن لم يتوب، هاكذا من الكفار ممن لم يؤمنوا. قالوا: شاء ذلك لو وجد، لو وجد كله شاء ذلك لو وجد كله، لكن لم يشأ جل وعلا ذلك، ولم يشأه، الحكمة، الحكمة تقتضي هذا، وهو الحكيم جل وعلا، والحكمة تقتضي هذا أن يكون الناس على هذين الحالين: مسلم وكافر، خاف، إنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وكذلك لا منافاة بين عموم خلقه تعالى جميع الأشياء، وبين كون العبد فاعلًا لفعله، هذا ذكرناه. طيب، ثم ذكروا على ذلك كلامًا جميلًا، جميلًا وبليغًا نافعًا، عن العلامة السعدي رحمه الله. بطي، وقف. طيب، من يقرأ: «إذا صلى وصام، ذلك الأمل، لذلك الأمل الصالح، وذلك الأمل السيء، وفر بلا ريب، ياره، وهو يحس فرور، مجبور على الفعل، أو تر، وأنه لو ذا هو الواقع، وهو الذي نص الله عليه في كتابه، ونص عليه رسوله، حيث أضاف الأعمال صالحة سيئة إلى العباد، وأخبر أنهم الفاعلون لها، وأنهم ممدوحون عليها إن كانت صالحة، ومعاقبون عليها إن كانت سيئة، ومعاقبون عليها، فقد تبين، وفقد تبين، واتضح بلا ريب أنه باختيارهم، وأنهم إذا شاءوا فعلوا، وإذا شاءوا تركوا، وأن الأمر ثابت عقلًا وحسًا، شرعًا ومشاهدة». ذلك إذا أردت أن تعرف، وإن كيف تكون داخلة في القدر، وكيف تشملها، ويقال بأي شيء وقعت هذه الأعمال، أفعال العباد، خيرها وشرها، ويقال بقدرتهم وإرادتهم، هذا يعترف به كل أحد، ويقال: ومن خلق قدرتهم وإرادتهم ومشيئتهم؟ والجواب الذي يعترف به كل أحد: أن الله هو الذي خلق قدرتهم وإرادتهم، والذي خلق ما به تقع الأفعال هو الخالق للأفعال. فهذا هو الذي يزل الإشكال، ويتمكن العبد أن يعقل بقلبه: اجتمع القدر والقضاء والاختيار، ومع ذلك فهو تعالى أمد المؤمن بأسباب وألطاف، وألطاف وإعانة متنوئة، وصرف عنهم الموانع، كما قال صلى الله عليه وسلم: «أما من كان من أهل السعادة فيسير لعمل أهل السعادة»، كتب أنه من أهل السعادة، والله قد جل وعلا قد علم منه ذلك، يسر لعمله، وهو عمل أهل السعادة، ومن علم جل وعلا أنه يختار طريق الشقاوة، نعم، فيسر له مختارًا، أي يسر العبد مختارًا، العبد وما علم الله جل وعلا منه أنه سيختاره. ذكر خلاصة مذهب أهل السنة والجماعة في القدر وأفعال العباد، على ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة. خلاصته: أن الله جل وعلا الخالق لكل شيء، من الأعيان والأوصاف والأفعال وغيرها، وأن مشيئته تعالى عامة شاملة لجميع الكائنات، إلا بتلك المشيئة، وأن خلقه سبحانه الأشياء بمشيئته إنما يكون وفقًا لما منها بعلمه القديم، ولما كتبه وقدره في اللوح المحفوظ، وأن للعباد قدرة وإرادة تقع بها أفعالهم، وأنهم الفاعلون حقيقة لهذه الأفعال باختيارهم، وأنهم لهذا يستحقون عليها الجزاء، إما بالمدح والمثوبة، وإما بالذم والعقوبة، وأن نسبة هذه الأفعال إلى العباد فعلًا لا ينافي نسبتها إلى الله إيجادًا وخلقًا، لأنه هو الخالق لجميع الأسباب التي وقعت بها. وضل في الخضر طائفة، كما تقدم، حسد طائفة. طيب، ذكر هنا الشيخ الهرس فيما نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، بيان أن العبد هو الذي يفعل الأعمال، هو الذي يصلي ويفعل خير، هو الفعل، ووقع هذا باختياره، ولم يجبر على ذلك. هذا كل أحد يحسه به ضرورة، أنه غير مجبور على الفعل أو الترك، عنده الاختيار، إن شاء فعل وإن شاء ترك. هذا الذي دلت عليه، دلت الكتاب والسنة. الله جل أضاف الأعمال إلى العباد، إذا لم يكن العباد هم الذين فعلوها، هم الذين صلوا، هم الذين زكوا وصاموا، ما أضاف الله جل على الأعمال إليهم، أضاف الله الأعمال إلى العباد، أنهم الذين فعلوها حقًا، باختيارهم، لا مجازًا كما يقول الجبرية، لا، وإنما هم الذين فعلوا هذه الأعمال، فعلوها بقدرة وإرادة واختيار، الخير أو الشر. قل ذلك: من عمل الصالحات، أثنى الله جل وعلا عليه، ورتب له الثواب، ومن عمل السيئات، فتبوأ الله جل وعلا في حقه العقاب، وترتب الثواب العقاب، يدل على أن العباد هم الذين عملوا. يعقل أن الله جل وعلا يعاقب من لم يفعل بإرادة واختيار؟ هذا محاد بحق الله، لأنه ظلم، وظلم حرمه الله جل وعلا على نفسه، فهو محال. إذن هي واقعة باختيارهم، فعلوها إن شاءوا، وتركوها إن شاءوا. وهذا الأمر ثابت عقلًا وحسًا وشرعًا ومشاهدة. عقلًا: كما سمعتم، لا يعقل أن يترتب الثواب والعقاب على ناس لم يعملوا باختيارهم، هذا لا يعقل، بل هذا محال. وكذلك في الحس: يحس هذا ضرورة، أنه غير مجبور حين يصلي، يعني أنه يصلي باختياره، يصوم باختياره، يصدق باختياره، هذا شيء يحس به الإنسان. وهل إنسان مسير أم مخير؟ الجبرية يقولون: ماذا؟ ها، مسير، مجبور. ها، والمعتزلة يقولون: ما لا، مخير، يقولون مخير. وأهل السنة والجماعة صواب في هذا أن يقال: العبد لا يقال مسير، ولا يقال مخير، وإنما يقال: مسير مخير، مسير مخير، سير مخير، يعني مخير، عنده الاختيار، لكون اختياره لا يخرج عن مشيئة الله جل وعلا، فهو مسير. فكونه مسير لا ينافي كونه مخير، كون العبد مسير لا ينافي كون العبد مخير. مسير بمعنى أن مشيئة تابعة لمشيئة الله، لأنه لا يمكن أن يخرج عن مشيئة الله، تابعة لجل، هو قد علم، قد علم من العبد ماذا يختار، رجل، هو علم من العباد ماذا يختارون، أنه ربهم سبحانه وتعالى، فعلم ماذا يختارون، من يختار الخير ومن يختار الشر، وعلمه جل وعلا سابق بعباده، من يختار الخير، من يختار الشر، يسرهم لذلك، يسرهم لذلك. فأما من كان أهل السعادة، يسر عمل أهل السعادة، من علم الله جل وعلا منه أنه يختار طريق السعادة، يسر له أسباب السعادة وأعانه عليها. ومن علم جل وعلا منه أنه يختار طريق الشقاوة، نعم، يسر له أسباب الشقاوة، يعني هو اختار طريق الشقاوة، علم الله جل وعلا منه ذلك، سبحانه وتعالى. فالله جل وعلا علم من عباده من يختار طريق السعادة، فيسره طريق السعادة، وعلم من عباده من يختار طريق الشقاوة، فيسره طريق الشقاوة. كما قال جل وعلا: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾. ذكرنا مثلاً هذه الآية، بعد أن قال عليه الصلاة والسلام: «اعملوا، كل ميسر لما خلق له». ومن كان أهل السعادة، يعني في علم الله جل وعلا، قد علمه أنه من السعداء، واختار طريق السعادة، نعم، يسر له عمل أهل السعادة. ومن علم جل وعلا له منه أنه من أهل الشقاوة، ومن اختار طريق الشقاوة، فهي له أسباب الشقاوة. وكل هذا مرتبط بعلم الله الأزلي، يتابع بعباده، وعلم ما يختارون، وفق علمه جل وعلا باختيارهم، يسر لهم الأسباب، أسباب السعادة، وأسباب الشقاوة. هذا شيء حسي. وأما الشرع، فالأدلة كثيرة على إضافة الأعمال إلى العباد، وأنهم الذين يصلون، وإلى أهل الإيمان: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾، هم يصلون، ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴾، هم الذين يفعلونها، وهم مجبورون على هذا، وبكسبهم ذلك: ﴿ بِمَا كَسَبَتْ أَوْ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾، وهكذا، سيضاف إلى العباد، لأنه هو الذي يفعل الخير أو الشر. طيب، فلذلك قال هنا: عقلًا وحسًا وشرعًا ومشاهدة. مشاهدة واضحة الآن، لما يصلي العبد، أنت تشاهد من يصلي، ها، العبد، العبد، ولا غير العبد، العبد أمامك يصلي، هو الذي يصلي، ومن الذي يصوم؟ ومن الذي يفعل؟ يفعل العبد نفسه، شيء بالمشاهدة، لأن هذا شيء واضح، حسًا وعقلًا، وعقلًا وحسًا وشرعًا ومشاهدة. ثم ذكرهم تعالى أمرًا مهمًا ينبغي أن يعلم، وهو كما يقال: النكتة في هذا الباب، النكتة في هذا الباب، والسر في هذا الباب، لكي تعقل كيف يمكن الجمع بين كون القدرة والإرادة والاختيار من خلق الله، وأن هذا لا ينافي اختيار العبد، وأنه غير مجبور، كيف تعقل ذلك بقلبك؟ تعقل اجتماع القدر والقضاء والاختيار. وذكر ما تقدم ذكره: أن الله جل وعلا أمد المؤمن بأسباب ألطاف وإعانات، وهذا هو التوفيق عند أهل السنة الجماعة، الآن الخاصة، التي يقوى بها على دواعي الشر والموانع والمثبتات. ذكر هنا ما جاء عن النبي عليه السلام، حيث علي بن أبي طالب، الصحيح هنا، قال: «أما من كان من أهل السعادة فيسير لعمل أهل السعادة»، كتب أنه من أهل السعادة، والله قد جل وعلا قد علم منه ذلك، يسر لعمله، وهو عمل أهل السعادة، ومن علم جل وعلا أنه يختار طريق الشقاوة، نعم، فيسر له مختارًا، أي يسر العبد مختارًا، العبد وما علم الله جل وعلا منه أنه سيختاره. ذكر خلاصة مذهب أهل السنة والجماعة في القدر وأفعال العباد، على ما جلت عليهم كتاب والسنة. خلاصته: أن الله جل وعلا الخالق لكل شيء، الأعيان، العباد وأفعالهم، وقدراتهم وإراداتهم كلها، وأن مشيئته جل وعلا عامه شامل لكل شيء، لا يخرج شيء عن مشيئته، فلا يقع شيء إلا بمشيئة الله جل وعلا. خلق الله جل وعلا لهذه الأشياء بمشيئته، لما علمه، كما تقدم، وفق العلم الذي علمه جل وعلا من عباد، من يشاء طريق الخير، ومن يشاء طريق الشر، قدر لكل أحد مختارًا، وكتب ذلك وقدره في اللوح المحفوظ. والعباد في هذه الدنيا لا يخذون عن ذلك القدر المكتوب، الذي يعلم الله جل وعلا منهم أنهم سيكونون عليه، وسيختم لهم، سيختم لهم به. فأفعالهم تقع بإراداتهم واختيارهم، ألك، ترتب الجزاء على الخير أو على الشر. والعباد أعمالهم تنسب إليهم، وأما نسبتها إلى الله فهي نسبة إيجاد خلق، لأنه جل وعلا هو الذي خلق الإرادة والقدرة في العباد التي فعلوا بها ما اختاروا من خير أو شر. وهكذا الأسباب التي أخذوا بها، أسباب الشقاء وأسباب السعادة، أسباب مخلوقة من خلق الله جل وعلا، خلق الله جل وعلا، خلق الله جل وعلا بعلمه بعباد، ماذا يختارون، خلق أسباب السعادة لمن علم أنه يختار أسباب السعادة، فيأتي بها ويسر لها، وخلق أسباب الشقاء، ومن علم جل وعلا منه أنه يختار طريق الشقاء، وكل يسر لما خلق له. ثم ذكره ما تعالى في اختام هذا، في اختام شرحه، عليه الشيخ الهرف، ما تعالى الطوائف التي ضلت في هذا الباب، ولعله انتهى الوقت، نقف هنا. لعله في ذكر الطوائف اللي ضلت في باب القدر: هم الجبرية، هو، لعله قد تقدم الكلام فيه، لكن إن شاء الله نقوم به في الدرس الآخر. أحكي إن شاء الله، قالك لا، المبحث الذي بعده اللي يتعلق بالإيمان، فالله أعلم. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، على آله وصحبه أجمع.