الدرس في شرح نواقض الإسلام 9، الدرس التاسع ( الثامن : مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين والدليل قوله تعالى : ومن يتولهم منكم فأنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ). ألقاها
الناقض الثامن من نواقض الإسلام هو مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، وتكون بكل أنواع المعاونة. تعتبر من أنواع الموالاة التي تناقض البراءة من الشرك وأهله.
يتناول مراتب البراءة من المشركين وأهل الشرك، حيث يبين المرتبة العليا وهي التبرؤ منهم ومعبوداتهم. المرتبة الثانية والثالثة تعتبر كفر بالله عز وجل.
يتناول ثلاث حالات لإظهار المودة للكافرين ويبين الحكم الشرعي لكل حالة. يشمل ذلك الإكراه ونيل غرض دنيوي ومعاونتهم على المسلمين.
يعتبر كل ما سبق من مظاهر الكفر بالله عز وجل. يجب على المسلم أن يحذر من الوقوع في الكفر ويستغفر الله ويتوب إليه.
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا الْعَبْدُ هُوَ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ. ذَكَرَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى هَاهُنَا النَّاقِضَ الثَّامِنَ، فَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «مُظَاهَرَةُ الْمُشْرِكِينَ وَمُعَاوَنَتُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ». قَالَ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. قَوْلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «مُظَاهَرَةُ الْمُشْرِكِينَ وَمُعَاوَنَتُهُمْ» الْمُظَاهَرَةُ بِمَعْنَى الْمُعَاوَنَةِ، فَهِيَ بِمَعْنَاهَا، فَهِيَ مُعَاوَنَةٌ. وَتَأْتِي أَيْضًا بِمَعْنَى الْوِلَايَةِ الَّتِي مَعْنَاهَا الْمَحَبَّةُ وَالْقُرْبُ، لِذَا قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّ هَذَا الْعَطْفَ فِي قَوْلِهِ: «مُظَاهَرَةُ الْمُشْرِكِينَ وَمُعَاوَنَتُهُمْ» مِنْ بَابِ عَطْفِ التَّفْسِيرِ، أَيْ عَطْفِ الْكَلِمَةِ عَلَى مَعْنَاهَا لِأَجْلِ التَّفْسِيرِ. وَالشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى هَا هُنَا ذَكَرَ مُظَاهَرَةَ الْمُشْرِكِينَ وَمُعَاوَنَتَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُوَالَاةِ. فَالْمُوَالَاةُ أَنْوَاعٌ، فَالْمُوَالَاةُ تَكُونُ بِالْمَحَبَّةِ وَالْقُرْبِ وَالنُّصْرَةِ، وَأَيْضًا تَكُونُ كَذَلِكَ بِتَحْسِينِ دِينِهِمْ وَتَحْسِينِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الدِّينِ، أَوْ إِظْهَارِ دِينِهِمْ، أَوْ حُبِّ ظُهُورِهِ. وَالْمُظَاهَرَةُ أَيْ مُظَاهَرَةُ الْكُفَّارِ وَمُعَاوَنَتُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ تَكُونُ بِالْيَدِ أَوْ بِالْلِسَانِ أَوْ بِالْقَلْبِ أَوْ بِالْمَالِ. فَكُلُّ مُعَاوَنَةٍ لِلْكَافِرِينَ فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَلَوْ كَانَ بِالرَّأْيِ، أَيْ يُشِيرُ عَلَيْهِمْ بِرَأْيٍ لِأَجْلِ نُصْرَةِ دِينِ الْكَافِرِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، هَذَا أَيْضًا دَاخِلٌ فِي هَذَا النَّاقِضِ. وَكَمَا هُوَ مَعْلُومٌ أَنَّ الْبَرَاءَةَ مِنْ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ مِنْ أَسَاسِيَّاتِ هَذَا الدِّينِ، وَمِنْ أَسَاسِيَّاتِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ. فَإِنَّ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ مَعْنَاهَا -كَمَا مَرَّ مَعَنَا مِرَارًا- لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللَّهُ. وَالْبَرَاءَةُ كَذَلِكَ مِنْ مَاذَا؟ مِنْ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ، فَلَا تَوْحِيدَ إِلَّا بِالْبَرَاءَةِ إِلَّا بِالْبَرَاءَةِ مِنْ الشِّرْكِ وَالْمُشْرِكِينَ. وَهَذِهِ الْبَرَاءَةُ لَابُدَّ أَنْ تَكُونَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. وَهَذَا كَانَ مَرَّ مَعَنَا مِرَارًا، وَأَشَرْنَا عَلَيْهِ أَوْ إِلَيْهِ، وَتَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ فِي دُرُوسِ «ثَلَاثَةِ الْأُصُولِ» فِي أَوَّلِ هَذِهِ السِّلْسِلَةِ. وَالْبَرَاءَةُ مِنْ الشِّرْكِ وَالْبَرَاءَةُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ لَهَا صُوَرٌ، وَكُلُّ صُورَةٍ لَهَا حُكْمٌ يَخُصُّهَا. فَمِنَ الْبَرَاءَةِ -أَوْ مِنْ أَوَّلِ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ- أَنْوَاعِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ: الْبَرَاءَةُ مِنْهُمْ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. أَمَّا بَاطِنًا: أَنْ يُبْغِضَهُمْ وَيُبْغِضَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الدِّينِ، وَيَعْتَقِدَ أَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ بَاطِلٌ وَكُفْرٌ -وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ-. وَظَاهِرًا كَذَلِكَ: بِأَنْ يُظْهِرَ لَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبُغْضَاءَ وَالنُّفُورَ، وَكَذَلِكَ التَّصْغِيرَ وَالتَّحْقِيرَ. وَإِنْ احْتَاجَ الْأَمْرُ إِلَى الْجِهَادِ كَانَ كَذَلِكَ، وَهُوَ كَذَلِكَ مِنْ الْبَرَاءَةِ الظَّاهِرَةِ مِنْ هَؤُلَاءِ. وَكَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾. هَذِهِ أَعْلَى مَرَاتِبِ الْبَرَاءَةِ، وَأَعْلَى مَرَاتِبِ التَّوْحِيدِ؛ لِأَنَّ التَّوْحِيدَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَيْ: لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللَّهُ، فَفِيهِ الْبَرَاءَةُ مِنْ كُلِّ مَعْبُودٍ عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَذَلِكَ مِنْ كُلِّ عَابِدٍ عَبَدَ مَعَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ غَيْرَهُ. فَفِي الْآيَةِ: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، فَهُوَ تَبَرَّأَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَتَبَرَّأَ كَذَلِكَ مِنْ آلِهَةِ الْمُشْرِكِينَ. ثُمَّ زَادُوا هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا، فَقَالُوا: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ﴾. وَمَعْنَى ﴿بَدَا﴾ أَيْ: ظَهَرَ؛ لِأَنَّ الْبَدْوَ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى الظُّهُورِ. وَهَذَا وَاضِحٌ جَلِيٌّ فِي أَنَّ مُرَادَهُمْ أَنَّ الْعَدَاوَةَ ظَاهِرَةٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، لَا تَنْقَطِعُ أَبَدًا حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالتَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ وَالتَّوْحِيدِ. وَهَذَا -كَمَا سَمِعْتُمْ- مِنْ تَمَامِ الْإِيمَانِ وَكَمَالِهِ الْوَاجِبِ. النَّوْعُ الثَّانِي -أَوْ الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ-: أَنْ لَا يَكُونَ مُتَبَرِّئًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَوْ مِنْ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ، لَا ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا. وَهَذَا كَافِرٌ كُفْرًا مُحْضًا؛ إِذْ أَنَّهُ لَا تَوْحِيدَ إِلَّا بِالْبَرَاءَةِ مِنْ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ، وَمَنْ لَمْ يَتَبَرَّأْ مِنْ الشِّرْكِ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا؛ لِأَنَّ فِي الْقَلْبِ إِمَّا الْمَحَبَّةُ وَإِمَّا الْبُغْضُ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ فِي الْقَلْبِ بُغْضٌ لِلشِّرْكِ، فَإِنَّ فِيهِ مَحَبَّةً لَهُ. وَهَذَا مِنْ الْكُفْرِ. وَهَذَا -كَمَا سَمِعْتُمْ- حَالُهُ وَاضِحٌ، لَا يُبْغِضُ الْكَافِرِينَ أَوِ الْمُشْرِكِينَ لَا ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا، لَا بِالْقَلْبِ وَلَا كَذَلِكَ بِالْجَوَارِحِ. وَهَذَا كَحَالِ كَثِيرٍ مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إِلَى الْإِسْلَامِ وَهُوَ مِنَ الْإِسْلَامِ بَعِيدٌ؛ إِذْ أَنَّهُ بَيْنَ أَحْضَانِ الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ، لَا يُبْغِضُهُمْ بِقَلْبِهِ وَلَا يُبْغِضُ دِينَهُمْ، وَلَا يَعِيبُ عَلَيْهِمْ وَلَا يَعِيبُ عَلَى دِينِهِمْ لَا ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا، بَلْ هُوَ حَالُهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا أَنَّهُ مَعَهُمْ وَأَنَّهُ مِنْهُمْ. فَهَذَا كُفْرٌ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الرِّضَا بِالْكُفْرِ، وَمَنْ رَضِيَ بِالْكُفْرِ فَإِنَّهُ كَافِرٌ، كَمَا فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُظْهِرَ لَهُمُ الْبَرَاءَةَ وَيُبْطِنَ لَهُمُ الْمَحَبَّةَ. وَهَذَا حَالُ الْمُنَافِقِينَ، وَهَذَا كَذَلِكَ كُفْرٌ؛ إِذْ أَنَّ مَدَارَ الْبُغْضِ وَالْبَرَاءَةِ عَلَى الْقَلْبِ. فَهَذَا حَالُ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ إِذَا كَانُوا مَعَ الْمُؤْمِنِينَ قَالُوا: «إِنَّا مَعَكُمْ». وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ رَجَعُوا وَذَمُّوا وَعَابُوا مَا عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ. فَهَؤُلَاءِ مُنَافِقُونَ. الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ بُغْضُهُ لَهُمْ -أَيْ لِلْمُشْرِكِينَ وَالْكَافِرِينَ- بَاطِنًا لَا ظَاهِرًا. وَهَذَا يَظْهَرُ حُكْمُهُ أَيْضًا بِحَسَبِ الْحَالَاتِ. الْحَالَةُ الْأُولَى: أَنْ يَكُونَ مُبْغِضًا لَهُمْ فِي الْبَاطِلِ، وَلَكِنَّهُ أَظْهَرَ لَهُمُ الْمُوَالَاةَ وَالنُّصْرَةَ مُكْرَهًا مُلْجَأً، مُقِرًّا إِكْرَاهًا مُعْتَبَرًا. فَهَذَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِذَا بَلَغَ بِهِ الْإِكْرَاهُ مَبْلَغَ الضَّرُورَةِ. فَهَذَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾. فَهَذَا لَوْ أَظْهَرَ الْمُوَالَاةَ وَأَظْهَرَ الْكُفْرَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مُقِرًّا، وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ، وَهُوَ مُبْغِضٌ لَهُمْ، رَاضٍ لِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الدِّينِ وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ. فَهَؤُلَاءِ لَا يَكُونُونَ مُشْرِكِينَ وَلَا كُفَّارًا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾. الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُظْهِرَ لَهُمُ الْمَوَدَّةَ وَالْمَحَبَّةَ وَالْإِكْرَامَ لِنَيْلِ غَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ أَوْ مَصْلَحَةٍ مَا، وَهُوَ مُبْغِضٌ لَهُمْ فِي قَلْبِهِ، غَيْرُ مُعَاوِنٍ لَهُمْ وَلَا مُظْهِرٍ لِدِينِهِمْ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ، وَلَا مُحْسِنٍ لِدِينِهِمْ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ. بَلْ هُوَ فِي قَلْبِهِ مُبْغِضٌ لِدِينِهِمْ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي قَلْبِهِ يُرِيدُ زَوَالَ دِينِهِمْ وَظُهُورَ دِينِ الْإِسْلَامِ. إِلَّا أَنَّهُ أَظْهَرَ لَهُمُ الْمَوَدَّةَ الظَّاهِرَةَ -كَمَا سَمِعْتُمْ-. فَهَذَا حُكْمُهُ أَنَّهُ فَعَلَ كَبِيرَةً مِنْ الْكَبَائِرِ، وَلَيْسَ بِكَافِرٍ. الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ -أَوِ الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ-: أَنْ يُظْهِرَ لَهُمُ الْاحْتِرَامَ وَالْمَوَدَّةَ وَالنُّصْرَةَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَيُحَسِّنَ لَهُمْ دِينَهُمْ، إِمَّا بِإِخْبَارِهِمْ بِأَنَّهُ دِينٌ حَسَنٌ مُتَقَبَّلٌ، أَوْ بِتَفْضِيلِهِ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ، أَوْ بِمَحَبَّةِ ظُهُورِ دِينِهِمْ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ، أَوْ مُظَاهَرَتِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُظَاهَرَةِ. فَهَذَا -وَإِنْ قَالَ: «أَنَا أُبْغِضُهُمْ بِقَلْبِي»- فَإِنَّ هَذَا لَا يَنْفَعُهُ، بَلْ هُوَ يَكُونُ كَافِرًا؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مُكَفِّرًا، وَهُوَ رَاضٍ عَامِدٌ عَالِمٌ، وَلَمْ يَكُنْ مُكْرَهًا. وَإِنَّمَا لِنَيْلِ غَرَضٍ مِنْ أَغْرَاضِ الدُّنْيَا، أَوْ لِنَيْلِ مَنْزِلَةٍ مِنْ مَنَازِلِ الدُّنْيَا، أَوْ رُتْبَةٍ مِنْ مَرَاتِبِ الدُّنْيَا. فَهَذَا يَكْفُرُ، فَهَذَا يَكُونُ كَافِرًا. وَكَلَامُ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ- يَتَنَزَّلُ عَلَى هَذَا النَّوْعِ، يَتَنَزَّلُ عَلَى هَذَا الصِّنْفِ مِنْ النَّاسِ. وَلِأَنَّ الصُّوَرَ الْأُولَى الثَّلَاثَ وَاضِحَةٌ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ الَّتِي يَتَنَزَّلُ عَلَيْهَا كَلَامُ الشَّيْخِ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ الثَّامِنِ: «مُظَاهَرَةُ الْمُشْرِكِينَ وَمُعَاوَنَتُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ» وَمُعَاوَنَتُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا لِظُهُورِ دِينِهِمْ -أَيْ لِظُهُورِ دِينِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى دِينِ الْمُسْلِمِينَ- أَوْ تَصْحِيحِ دِينِ الْمُشْرِكِينَ، أَوْ مَحَبَّتِهِ، أَوْ مَحَبَّةِ ظُهُورِهِ عَلَى دِينِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ كَذَلِكَ تَصْحِيحِ دِينِهِمْ، وَأَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْبَاطِلِ وَالشِّرْكِ وَالْكُفْرِ بِأَنَّهُ حَقٌّ. كُلُّ هَذَا مِنْ الْكُفْرِ -وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ- وَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُبْغِضُهُمْ بِقَلْبِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ. وَإِلَهَنَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ بِحَمْدِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ.