شرح نزهة النظر 1

الدرس في شرح نزهة النظر 1، ألقاها

التعريف بالحافظ بن حجر وكتابه نزهة النظر

تعريف بالحافظ بن حجر وفضله في علم مصطلح الحديث وأهمية كتابه نزهة النظر. نبذة عن حياة الحافظ بن حجر ونشأته وطلبه للعلم ومشايخه وتلاميذه ومؤلفاته.

شرح كتاب نزهة النظر وتاريخ مصطلح الحديث

شرح كتاب نزهة النظر للحافظ بن حجر وأهميته، وتاريخ تأليف الكتب في علم مصطلح الحديث وتطوره. بيان لأهم الكتب المؤلفة في هذا العلم ومؤلفيها.

عناية العلماء بمقدمة ابن الصلاح وتأثيرها

عناية العلماء بمقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث وشرحها واختصارها. ذكر لجهود الحافظ ابن حجر في شرح المقدمة وتأثيرها العلمي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فمواصلة لما ابتدأنا به من دروس المصطلح، نحن اليوم بإذن الله عز وجل مع كتاب من كتب علم مصطلح الحديث. وهذا الكتاب يعد من أفضل ما صنف وألف في مصطلح علم الحديث، بل لو قال قائل بأنه أفضل كتاب مختصر في مصطلح علم الحديث لما أبعد، وذلك لما تميز به هذا الكتاب من مزايا عظيمة وخصوصيات جليلة، منها أن مؤلفه هو الحافظ بن حجر رحمه الله، وهو من لقب بخاتمة الحفاظ رحمه الله، وهو الخبير بكتب الحديث ومصطلح العلماء رحمهم الله تعالى. فقد سمعت شيخنا العلامة مقبل الوادعي رحمه الله تعالى مرة يقول في الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى في استدراكاته: «الاستدراكات التي يذكرها الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى تعد أصح الاستدراكات وأفضلها»، قال: «وذلك لأنه نخل كتب الحديث نخلا». فالناظر في التعريف والضوابط والاستدراكات التي يذكرها الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى يجد أنه من أتقن من حد الحدود وضبط الضوابط وعرف التعريف في علم مصطلح الحديث. وأكثر العلماء رحمهم الله تعالى من بعده ساروا على سيره. والحافظ بن حجر رحمه الله تعالى في كتابه المذكور سار على طريقة قد تكون ابتكرها باعتبار، وذلك أن الحافظ رحمه الله في كتابه «نخبة الفكر» الذي شرحها فيما بعد بكتابه «نزهة النظر» سار فيها على سير غير السير الذي عرف عن من سبقهم من الأئمة رحمهم الله تعالى. وقد يقال ابتداء من ابن الصلاح رحمه الله، فإن الأئمة ممن جاء بعد الحافظ ابن الصلاح رحمه الله تعالى ساروا بسيره ودرجوا على طريقته رحمه الله حتى جاء الحافظ بن حجر فذكر في كتابه هذا ما ذكر من الاستدراكات وسار على سير آخر كما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا بيانه. فالحاصل أن هذا الكتاب يعد من أفضل كتب المصطلح ويعد من أفضل المختصرات في ذلك، وهو كتاب إلى جانب قوة المادة العلمية، كذلك فيه شيء من قوة الأسلوب، يعني في كلام الحافظ وفي أسلوب الحافظ رحمه الله تعالى في نزهة النظر. عليكم السلامة، قال: «في بعض العبارات ما تحتاج إلى شرح وإلى تدقيق، لا أقول مني أو ممن هو أعلى مني ممن هو معاصر، ولكن ممن شرح وعلق على نزهة النظر من العلماء المتقدمين، العلماء الذين يعلقون ويشرحون نزهة النظر رحمهم الله تعالى يأتون إلى يعني أتوا على بعض الألفاظ، فإما أن يتكلم عليها ويشرحها كل إنسان بما فهم، فتجد عالمًا من العلماء يشرحها بمعنى، تنظر في شرح آخر فإذا به آخر يشرحها بشرح آخر، وربما من يذكر احتمالين يحتمل أنه أراد كذا ويحتمل أنه أراد كذا». وما ذاك إلا لقوة العبارات، ولسيما إذا استخدم أسلوب الضمائر، وذلك وهذا وما شابه ذاك من الضمائر، لأن إعادة الضمير هي التي تعود إلى ماذا تجعل إنسان يقول: هل أراد أو قصد بالضمير أنه يعود إلى كذا أو يعود إلى كذا؟ وإذا كان يعود إلى كذا فيكون معناه كذا وكذا، وإذا عاد إلى كذا فيكون معناه كذا وكذا. فالحاصل من هذا كله أن الحافظ رحمه الله تعالى بأسلوبه الخاص به رحمه الله تعالى أتى بهذا الأسلوب الذي فيه شيء من القوة ويحتاج إلى شيء من التنبه والتدقيق. فلا نطيل في ذكر خصال الكتاب أو خصال الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى، فهو كما قيل: «علم أو نار على علم»، كما يقال: «نار على علم»، لكن لا بأس أن نقرأ شيئًا من ترجمته اقتداء بطريقة العلماء رحمهم الله تعالى في شروحاتهم. فهو الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى ملقب بشهاب الدين، هو شهاب الدين أبو الفضل، كنيته أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن محمود بن حجر الكناني العسقلاني الشافعي، ولد في شوال سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة على شاطئ نيل مصر القديمة، أي في مصر نشأ رحمه الله يتيما حيث مات أبوه وله من العمر أربع سنوات، وكانت أمه قد ماتت قبل ذلك. دخل الكتاب وهو بن خمس سنين، وأكمل حفظ القرآن وهو في التاسعة من عمره، وصلى بالناس التراويح في الحرم المكي سنة خمس وثمانين وسبعمائة، وله من العمر اثنا عشر عامًا، يعني إمام الحرم وهو ابن اثني عشر عامًا، وهذا يدل على أن هؤلاء إما رحمهم الله يظهرون نبوغهم مبكرًا. قال رحمه الله تعالى: «وصلى بالناس التراويح في الحرم المكي سنة خمس وثمانين وسبعمائة، وله من العمر اثنا عشر عامًا، وكان حين ذاك مع وصيه زكي الدين الخربي، وكان له من النهمة العلمية الشيء الكثير، فبعد حفظه القرآن كتب شيئًا من مختصرات العلوم وسمع بعض كتب السنة كصحيح البخامري وغيره، فلما قارب العشرين فاق أقرانه في فنون الأدب ونظم الشعر الرائق وكتب النثر الفائق واهتم بالتاريخ وعلومه». ولما بلغ من العمر عشرين عامًا حبب الله سبحانه إليه علوم السنة النبوية، فأقبل عليها إقبالًا عظيمًا سماعًا وقراءة ومشاركة، وقد رحل رحمه الله تحصيلا للعلم وتطلبًا للشيوخ إلى كثير من البلدان غير مكتف بمصر وعلمائها، فسافر إلى اليمن والشام والحجاز وأخذ العلم عن مشاهير علمائها. بلغ عدد شيوخه سماعًا وإجازة وإفادة نحو الخمسمائة شيخ في سائر العلوم والفنون، وبخاصة الفقه والحديث. ثم ذكر مشاهير مشايخه الذين أخذ عنهم، يعني أخذ عن الهيثمي صاحب «مجمع الزوائد» وعن ابن الملقن، وعن البلقيني، وكان يلقبه بشيخ الإسلام، أي الحافظ بن حجر كان يلقب البلقيني بشيخ الإسلام. وكذلك أخذ عن الحافظ العراقي وعن جماعة. وأما تلاميذه فكثر، ومن أشهرهم الحافظ السخاوي، وكذا البقعاوي، وزكريا الأنصاري، وابن قاضي شهبة، وابن تغري، وابن فهد المكي، وغيرهم من المشاهير والحفاظ رحمهم الله تعالى. وأما من حيث التأليف والمصنفات، فقد ذكر السخاوي رحمه الله تعالى أن مصنفات الحافظ بن حجر تزيد على السبعين ومائتي مصنف، أي أكثر من مائتين وسبعين مصنفًا، وهذا الشيء كثير يدل على علوه وعلى حرص وجد واجتهاد. قال: «فهذا كما يقال: نبذة مختصرة عن هذا الحافظ رحمه الله، وأما النبذة الأخرى وهي نبذة عن كتابه «النخبة» الذي هو أصل «نزهة النظر»، «نخبة الفكر» والجواب أو كما يقال: يعني الشيء يعرف من عنوانه، الحافظ رحمه الله تعالى سمى المتن الذي كتبه في مصطلح علم الحديث سماه «نخبة الفكر»، النخبة ما هو الشيء المنتخب؟ الشيء المنتخب هو الشيء المنتقى، فهو سمى كتابه «نخبة الفكر» لأنه الذي انتخبه الفكر من عصارة علمه رحمه الله تعالى وتضلعه وإطلاعه على كلام العلماء واستدراكات في علم الحديث». فانتخب رحمه الله تعالى من أفكاره الكثيرة والعديدة هذه النخبة، فسمى كتابه الذي هو متن «النخبة» بـ«نخبة الفكر». هذا الكتاب هو كما سمعتم مختصر، هو كتاب مختصر، وكان مقصد الاختصار الذي لأجله ألف الحافظ رحمه الله تعالى هذا المتن هو التلخيص، تلخيص ماذا؟ تلخيص المهم من علم مصطلح الحديث كله في أوراق لطيفة. ثم شاء الله جل وعلا أن يشرح الحافظ رحمه الله تعالى ذلك المتن، وإلا فإن المتن الذي هو «نخبة الفكر» كتبه الحافظ، أقبل عليه العلماء في حياة الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى حتى إنه شرح من بعض العلماء في زمن الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى، حتى قال قائلهم في «نخبة الفكر»: «علم الحديث غدا في «نخبة الفكر» نارًا على علم يدعو أولي الأثر». قال: «من أجل إذا اهتم به العلماء والطلاب حفظًا ودراسة وتعليمًا وشرحًا ونظمًا وتحشية، أي في هذا المتن الذي هو متن «نخبة الفكر» وهو مختصر، وشرحه من شرحه وعلق عليه من علقه، أعلق عليه من علق ونظمه من نظمه وشرح النظم من شرح إلى غير ذلك». ثم بعد ذلك شرحه الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى شرحًا طيبًا الذي هو بين أيدينا، وهو الذي سماه بـ«نزهة النظر»، وهو شرح لـ«نخبة الفكر». قال الحافظ السخاوي رحمه الله تعالى معلقًا على هذا الكتاب، أي في «نزهة النظر»: «قال: وهو شرح لكتاب «نخبة الفكر» السابق، قال: يقع في مجلد لطيف، دمجها فيه، وقد كان عظيم الفائدة، أي ما هو عظيم الفائدة؟ «نزهة النظر»، وقد كان عظيم الفائدة حيث تنافس الفضلاء من أبناء الإسلام عربًا وعجمًا في تحصيله والاعتناء به، ونسخه الكثير من الشيوخ وطلاب العلم». قال: «من يقول هذا؟ جماعة، الحافظ السخاوي التلميذ للحافظ بن حجر رحمه الله تعالى، وهذا يدلنا على أن هذا الكتاب الذي هو «نزهة النظر» الذي هو بين أيدينا نفع الله جل وعلا به نفعًا عظيمًا وعميقًا في حياة مؤلفه، وتداوله العلماء والطلبة وشاع وذاع في الآفاق وتقطعت به الأسماع». وما ذاك إلا لمكانة هذا الكتاب ومكانة مؤلفه رحمه الله تعالى وغفر له. قال: «وسيأتي معنا بإذن الله جل وعلا أن الحافظ بن حجر ألف كتاب النزهة لأمور منها أنه طلب منه، والأمر الثاني أن رب البيت أي صاحب البيت أعلم بما فيه، ولعل هذا الأمر فضل من الله جل وعلا أراده لمن للحافظ بن حجر ابتداء ولمن استفاد من هذا الكتاب بعد الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى». فهو كتاب كما سمعتم نفع الله جل وعلا به نفعًا عظيمًا وعميقًا، فننتقل إلى الكتاب ونقرأ بإذن الله جل وعلا ما تيسر من كتاب «نزهة النظر». قال الحافظ بن حجر رحمه الله: «الحمد لله الذي لم يزل عليمًا قديرًا حيًا قيومًا سميعًا بصيرًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأكبره تكبيرًا». قوله رحمه الله: «الحمد لله» افتتح كتابه رحمه الله تعالى بالحمد لله جل وعلا، وهذه طريقة من طرق العلماء رحمهم الله تعالى في افتتاح مصنفاتهم وكتبهم، لأن العلماء رحمهم الله تعالى لهم طرائق ثلاثة في مؤلفاتهم وتصانيفهم. فمنهم من يفتتح كتابه فيقدم لكتابه بالبسملة، ومنهم من يفتتح كتابه فيقدم لكتابه بالحمد لله، ومنهم من يفتتح كتابه فيقدم لكتابه بالبسملة ثم بالحمد لله، وكلها طرق سائغة قصر عليها العلماء رحمهم الله تعالى، مقتدين بذلك بما جاء في كتاب الله جل وعلا من افتتاح سور من القرآن كثيرة بالحمد لله، وكذلك بما حصل من رسول الله صلى الله عليه وسلم بافتتاح خطبه بماذا؟ بالحمد لله، كما جاءت في أحاديث كثيرة في ذلك. وقوله رحمه الله تعالى: «الحمد لله» الحمد مر معنا مرارًا أنه بمعنى ذكر محاسن المحمود مع المحبة والتعظيم له. وقوله: «لله» اللام في قوله: «لله» للاستحقاق، لأن الله جل وعلا وحده الذي يستحق الحمد المطلق الكامل الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه. والله جل وعلا يحمد لإحسانه وإنعامه، ويحمد لكماله وجلاله. قوله رحمه الله تعالى: «الحمد لله الذي لم يزل» قوله: «لم يزل عليمًا قديرًا حيًا قيومًا سميعًا بصيرًا»، في هذا الافتتاح إشارة إلى ما قد يكون إشارة إلى ما اعتاده من عاشر وجالس الأشاعرة، لأن الحافظ رحمه الله تعالى على إمامته وعلى فضله ونفعه للأمة رحمه الله تعالى فقد زلت قدمه في بعض مسائل العقيدة، ولسيما في بابه تأويل الصفات، وفي بعضها يضطرب، يدل اضطرابه على أنه رحمه الله تعالى لم يأخذ هذا الفن عن أهله الذين هم أهله من أهل العقيدة الصافية من أهل السنة والجماعة. وإنما كان غالب مشايخه من الأشاعرة، فتأثر بهم، وإن كان يعني ممن ذكر أو ذكر بعض العلماء رحمهم الله تعالى أن من مشايخه أو من جالسهم واستفاد منهم الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله، وهو إمام سني شهير معروف، لكن تعرفون أن الأكثر والأغلب بأن مشايخه ولسيما الذين اختص بهم واختصوا به كلهم على مذهب الأشاعرة أو ممن تلوث بمذهب الأشاعرة. لذا رحمه الله تعالى كما سمعتم لم يستقم على ساق في هذا الباب، يضطرب تارة يثبت وتارة ينفي وتارة يؤول وهكذا. والنظر في تعليقات العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى وغيره على كتابه «فتح الباري» يجد ما يدل على ما ذكر، على ما ذكر. قال رحمه الله تعالى: «وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأكبره تكبيرًا، وصلى الله على سيدنا محمد الذي أرسله إلى الناس كافة بشيرًا ونذيرًا، وعلى آله وعلى آل محمد وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا». وهذه المباحث تقدم الكلام عليها في دروس العقيدة، الكلام على مبحث الصلاة وما شابه ذلك، فننتقل إلى غيره. قال: «أما بعد، أما بعد هو اختصار لجملة تقديرها مهما يكون من شيء بعده أما بعد، فإن التصانيف في اصطلاح أهل الحديث قد كثرت، للأئمة في القديم والحديث». وهذه مقدمة قدم بها الحافظ رحمه الله تعالى بين يدي كتابه المذكور. قال رحمه الله تعالى: «فمن أول من صنف في ذلك؟ القاضي أبو محمد الرام هرمزي في كتابه «المحدث الفاصل»، لكنه لم يستوعب». قوله رحمه الله تعالى: «فمن» ها هنا من على بابها، أي أن هذه التبعيض لا يخصد الحافظ بذلك أنه أول من ألف في هذا الباب مطلقًا. على أن بعض أهل العلم وجه كلام الحافظ رحمه الله تعالى بتوجيه حسن، فقال: بأن الحافظ رحمه الله تعالى في قوله: «فإن من أول من صنف في ذلك القاضي» ثم قال: «وهو يعني والحاكم أبو عبد الله» يدل على أنه يريد أن من أوائل من صنف في علم المصطلح كعلم مستقل أول من ألف في علم المصطلح كعلم مستقل هو هؤلاء، يعني ابتداء بين الرام هرمزي رحمه الله تعالى والحاكم. ثم تلاهم من تلاهم، على أنه من حيث ذكر استدراكات مبسوطة في كتبهم، فقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن أول من عرف عنه ذكر شيئًا من استدراكات أو مصطلحات في علم الحديث هو الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في كتاب «الرسالة»، الشافعي رحمه الله تعالى في كتاب «الرسالة» ذكر وتكلم على بعض أبحاث علم مصطلح الحديث، يعني تكلم على المرسل، تكلم على المقطع، تكلم كذلك على ما يكون وتقوى بغيره من المراسل، وما شابه ذلك من الأشياء ذكر في كتابه «الرسالة». وكذلك ذكر عن الحافظ الإمام علي المديني رحمه الله تعالى كذلك أنه من أوائل من كتب وألف في ذلك، لكن على سبيل ماذا؟ لا على سبيل الفن المستقل، ولكن في أثناء كتب رحمه الله تعالى كان ينبع على بعض المصطلحات وبعض التعابير. فإذا قول الحافظ رحمه الله تعالى: «فمن أول من صنف في ذلك» يريد كتابًا مستقلا في هذا الفن واضح جماع عمل. وقول الحافظ: «أول» هو أعلم رحمه الله تعالى بما يقصد وبما يعني. قال: «في كتاب «المحدث الفاصل»، لكنه لم يستوعب، أي أن هذا الكتاب الذي اسمه «المحدث الفاصل» بين الراوي والواعي، هذا الكتاب طبع في مجلد، إنه مجلد ضخم كبير، ولكن كما ذكر الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى أنه لم يستوعب، ممع لم يستوعب؟ أي أنه ذكر جملة من مصطلحات علم الحديث ولم يستوعب جميع المصطلحات ولا جميع الاستدراكات التي تتكلم عليها العلماء رحمهم الله تعالى». واعتذر عن الرام هرمزي رحمه الله تعالى في ذلك بأن حاله كحال غيره ممن ألف في أول من ألف في فن ما، لأن الغالب في أول من ألف في فن ما أنه يكون قاصر التصور التام من حيث الفن، لكنه ما يضع اللبنة الأولى الذي بعده يعمل لبنة أخرى وهكذا، حتى يأتي المتأخر فيكون قد رأى أساسًا متينًا فيلخص ويهذب ويحرر ويصوب فيما بعد ذلك، ويجمع ما تفرق من كلام غيره ممن تقدمه. فالحاصل أن هذه عادة من ألف في أوائل من ألف في فن ما أنه يكون غالبًا لا يستوعب، أنه غالبًا لا يستوعب. قال: «والحاكم أبو عبد الله ابن السبعوري، لكنه لم يهذب ولم يرتب». الحافظ الحاكم رحمه الله تعالى في كتابه «معرفة علوم الحديث» وهو كتاب جيد، كتاب جيد، وهو في مجلد، يعني بنحو كتاب «نزهة النظر» إلا أنه في مجلد من حيث الحجم. ولكنه كتاب صراحة من حيث النافع، يعني كتاب عظيم الفائدة، على ما فيه من عدم الترتيب والتهذيب، واعتنى بذكر الآثار والأقوال والاستدراكات والأمثلة بأسانيدها، وهذا شيء يحتاجه الطالب، ولا سيما للتمرين والتمرس يحتاجه الطالب للتمرين والتمرس. قال: «وتلا هما أبو نعيم الأصبهاني، وأبو نعيم الأصبهاني هو أحمد بن عبد الله بن أحمد، والحافظ الحاكم هو محمد بن عبد الله بن البيع». قال: «فعمل على كتاب مستخرجًا، عمل على كتاب الحاكم مستخرجًا، وأبقى أشياء للمتعقب». ثم جاء بعدهم الخطيب أبو بكر البغدادي، وهو أحمد بن علي بن ثابت، فصنف في قوانين الرواية كتابًا سماه «الكفاية»، وفي آدابها كتابًا سماه «الجامع لآداب الشيخ والسامع». وقل فن من فن الحديث إلا وقد صنف فيه كتابًا مفردًا، فكان كما قال الحافظ أبو بكر بن نقطة: «كل من أنصف علم أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه». وهو كما قال، لأن الحافظ رحمه الله تعال الخطيب البغدادي يعني كما لقبه بعضهم بأنه أول الحفاظ المتأخرين وآخر الحفاظ المتقدمين، يعني بعضهم لقبوا بهذا اللقب بأنه أول الحفاظ المتأخرين وآخر الحفاظ المتقدمين. والحافظ الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى من صفات وسماته أنه قل فن من فنون علوم الحديث إلا وألف فيه مصنفًا، سواء كان المصنف صغيرًا أو كان كبيرًا، فألف كما سمعتم أولا في «الكفاية»، وهو كتاب كذلك ماتع يغترف منه كل من جاء بعده في علم مصطلح الحديث. قال: «وهو كما ذكر في علوم الحديث الحاكم يذكر الباب ويذكر يعني مثلًا يتكلم على الحديث الصحيح ثم يفسره ويذكر أمثلة، الحديث المنقطع، الحديث المعضل، الحديث المرسل، الحديث المدرج وهكذا، ويذكر أمثلة بأسانيدها، ويذكر أمثلة بأسانيدها، والحديث المعلل وهكذا». وهذه الطريقة كذلك كما سمعتم من الطرق التي ينتفع بها الطالب، إلا أنه عيب عليه شيء في كتاب «الكفاية» أنه أدخل مسألة تقسيم الحديث إلى متواتر وأحد، وهذا كما يقول علماء رحمهم الله تعالى هو بكتب الأصول أشبه منه في كتب مصطلح الحديث. لكن بالجملة كما سمعتم كتب الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى تعد عمدة وأصلًا أصيلا لكل من جاء بعده، فكما ذكر ابن نقطة رحمه الله: «أن كل من أنصف علمًا كله أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه». قال: «ثم جاء بعدهم بعض من تأخر عن الخطيب فأخذ من هذا العلم بنصيب، فجمع القاضي عياض كتابًا لطيفًا سماه «الإلماع» وهو كذلك مطبوع». وأبو حفص الميانجي جزء سماه «ما لا يسع المحدث جهله»، هو كذلك جزء يعي ذكر أنا على نفس ما رأيته، وأمثال ذلك من التصانيف التي اشتهرت وبسطت ليتوفر علمها واختصرت ليتيسر فهمها. وقوله رحمه الله تعالى: «وأمثال ذلك من التصانيف التي اشتهرت» قوله: «وبسطت» لماذا؟ الكتب تبسط في الشرح أو كمتون مبسوطة. قال: «ليتوفر علمها» هذا تعليل. قال: «واختصرت» لماذا؟ يختصرها العلماء رحمهم الله تعالى ليتيسر فهمها. وكما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن هذه طريقة يستخدمها العلماء، العلماء يختصرون المتون وكتب العلم لأجل ماذا؟ لأجل أن تسهل للطالب للحفظ وللفهم، ويبسطونها لأجل أن تتوسع مدارك الطالب في ماذا؟ في الإدراك والفهم، فهذا وهذا له مقصد ومعنى، وهذا له مقصد ومعنى. قال: «إلى أن جاء الحافظ الفقيه تقي الدين أبو عمرو عثمان بن الصلاح عبد الرحمن الشهرزوري نزيل دمشق، فجمع لما ولي تدريس الحديث في المدرسة الأشرافية كتابه المشهور، فهذب فنونه وأملاه شيئًا بعد شيء، فلهذا لم يحصل ترتيبه على الوضع المتناسب، واعتنى بتصانيف الخطيب المتفرقة فجمع مقاصدها وضم إليها من غيرها نخب فوائدها، فاجتمع في كتابه أي في كتاب «علوم الحديث» ما تفرق في غيره، فلهذا عكف الناس عليه وساروا بسيره، فلا يحصى كم ناظم له ومختصر ومستدرك عليه ومختصر ومعارض له ومنتصر». يعني كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى هذا يدل على ماذا؟ هذا يدل على عناية العلماء رحمهم الله تعالى بكتاب «علوم الحديث» لابن الصلاح المشهور بمقدمة ابن الصلاح، المشهور بمقدمة ابن الصلاح. فكما ذكر رحمه الله تعالى: «فلا يحصى كم ناظم له» يعني من نظمه جماعة منهم العراقي رحمه الله، ومختصر له أيضًا اختصره جماعة منهم النووي، ابن كثير، ابن كثير في مختصر «علوم الحديث» الذي قد درسناه مرة معنا بحمد الله، وكذلك يعني الحافظ ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى في كتاب «الاقتراح»، وجماعة، الذهب في «الموقظة»، الطيبي في «الخلاصة»، جماعة ممن لخص أو اختصر هذا الكتاب. ومستدرك له، أي أتى ببعض الاستدراكات على الكتاب، أي زائد أتى بزوائد على ما فات الحافظ ابن الصلاح، منهم البلقيني ومغلطاي، ومقتصر، أي اقتصر عليه أن يأخذ بعض مقاصد كتاب، ككثير من العلماء، ومعارض، بأن يأتي بكتاب أي اعترض على بعض المباحث وبعض المقاصد، كما حصل من ابن أبي الدام، وكذلك حصل في بعض المواطن من مغلطاي، ومنتصر، أي ممن انتصر له كالحافظ العراقي. وأشد وأحسن من انتصر لمقدمة ابن الصلاح بل وأحسن من شرحها مطلقًا إلا أنه لم يكمل الشرح الحافظ ابن حجر رحمه الله، فكتابه المسمى «النكت على مقدمة ابن الصلاح» يعد أفضل الشروح على مقدمة ابن الصلاح، إلا أنه لم يكمل، بل توفي رحمه الله تعالى قبل أن يكمل ذلك الشرح، ولو أكمله لكان كافيًا شافيًا في بابه. فهو من أعظم شروح مقدمة ابن الصلاح، بل ويعد من أفضل أو أفضل كتب المصطلح، إلا أنه لم يكمل من حيث الأفضلية في نظر القاصر، لا أعلم كتابًا أفضل من كتاب «النكت على ابن الصلاح» للحافظ بن حجر رحمه الله، لا يعلم له نظير، والله أعلى وأعلم. لكن الكمال لله، وشاء الله جل وعلا أن لا يكمله، بل توفي رحمه الله تعالى قبل أن يكمل الكتاب. وإله الأمر من قبل ومن بعد، نكتفي بهذا القدر. إلى هنا، سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على