شرح قصيدة في أدب الطلب لأبي علي اللؤلؤي 11

الدرس في شرح قصيدة في أدب الطلب لأبي علي اللؤلؤي 11، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

أهمية فهم سياق الكلام وآداب الإجابة والصمت في طلب العلم

يؤكد المقطع على ضرورة استيعاب سياق الكلام كاملاً قبل الحكم أو الجواب، مستعرضاً منهج العلماء في التريث والصمت عند غموض السؤال درءاً للفتنة، كما في سكت النبي صلى الله عليه وسلم عن سؤال الحج كل عام، وإقرار الإمام مالك بعدم علمه، مبيناً أن الصمت قد يكون أبلغ جواب وأحكمه.

محنة وكيع بن الجراح بسبب روايته حديثاً منكراً

روى الإمام وكيع بن الجراح في مكة حديثاً منكراً يصف تغير جسد النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، فثار أهل مكة وأراد الوالي قتله، فتدخل سفيان بن عيينة بحيلة أنقذته بها، وفر وكيع إلى المدينة ثم عاد إلى الكوفة بعد تهديدات بقتله، وعُدت الحادثة درساً في مراعاة عقول السامعين عند الرواية.

آداب الطلب وأهمية الصمت من خلال قصة ابن العربي

يبرز المقطع أهمية الصمت وآداب طلب العلم عبر قصة الإمام أبي بكر بن العربي الذي ادعى معرفة حديث فرد بثلاثة عشر طريقاً غير رواية مالك، فلم يبرز الدليل فثار عليه العلماء واتهموه بالكذب، ثم تبين بعد ثلاثة قرون على يد الحافظ ابن حجر صحة دعواه، مما يعلم أن الصمت أحياناً خير من الكلام حتى لو كان صاحبه صادقاً، وأن الاستعجال في الإنكار على العلماء قد يوقع في الظلم والفتنة.

خاتمة المنظومة والدعاء بالختم والإخلاص

يختتم المؤلف المنظومة بالدعاء لله أن يوفق الجميع للهدى، ويرحم واضعها أبا علي اللؤلؤي أو الخليفة المأمون، ويسأله الإخلاص في القول والعمل، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. لازلنا في هذه المنظومة النافعة في أدب الطلب، في أدب الطلب التي ينبغي لمن أراد أن ينتفع بعلمه ويبارك له فيه أن يحرص على قراءة مثل هذه الكتب التي تعتني بطبصير الطالب بالخلل وإرشاده إلى ما يكون فيه نجاته عند الله عز وجل وفلاحه. يقول الناظم رحمه الله تعالى: القول قولان، فقول تعقله وآخر تسمعه فتجهله. يجوز في باب الشعر صرف الممنوع ومنع المصروف ومنع المصروف ضرورة، هذا من ضرورات الشعر الجائزة. فالأصل: "قولان" و"آخر"، لكن الوزن لا يستقيم إلا بإشباع الضم بالتنوين. القول قولان، فقول تعقله وآخر تسمعه فتجهله. وكل قول فله جواب يجمعه الباطل والصواب. وللكلام أول وآخر، فافهمهما والذهن منك حاضر. لا تدفع القول ولا ترده حتى يؤديك إلى ما بعده. هذا كله في بيان أهمية سباق الكلام والإحاق الكلام والسياق الكلام، وأن المعنى يتضح بسباق الكلام والإحاق. وذكرنا عن ابن القيم قوله في "أعلام الموقعين": اللبيب يقول ما فهم، والفقيه يقول ما أراد. وللكلام أول وآخر، فافهمهما والذهن منك حاضر. لا تدفع القول ولا ترده حتى يؤديك إلى ما بعده. هذا كله في بيان أهمية معرفة سياق الكلام، فبه يتضح المراد، ويأتي الرد إيجابا أو نفيا. فربما أعيا ذوي الفضائل جواب ما يلقى من المسائل، فيمسكوا بالصمت عن جوابه عند اعتراض الشك في صوابه. هذه طريقة أهل العلم، طريقة أهل العلم الراسخين: أنهم إذا لم يتضح لهم السؤال، يمسكون عن إطلاق الجواب حتى يستفسر السائل عن حقيقة الواقعة والسؤال. فإن أبانه إبانة لا لبس فيها أجابوه وأفادوه، وإلا صمت. وأحيانا قد يصمت العالم استحضارا وبحثا عن الدليل، ويدل له في السنة ما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الناس بالحج، فقال: "يا أيها الناس، إن الله قد فرض عليكم الحج، فحجوا". فقال رجل: أفي كل عام يا رسول الله؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجب. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله يأمركم بالحج، فحجوا". فقام رجل فقال: يا رسول الله، أفي كل عام يا رسول الله؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجب. ثم قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله قد أمر بالحج، فحجوا". فقام الرجل فقال: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فقال صلى الله عليه وسلم بعد الثالث: "لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم. إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه". قد يقف العالم عن الجواب لمصلحة، فما كل ما يعلم يقال، ولا كل سائل يجاب عن سؤاله. ليس كل سائل يجاب عن سؤاله، قد يكون في الجواب فتنة، قد يكون في الجواب فتنة عظيمة، فالواجب الإمساك. تجد العالم يسكت، لا سيما إذا لم يتضح له حقيقة الحال، ويعلم أن جوابه سيحمل أوجها ويحدث في الناس اضطرابا وفتنة، فيسكت. يقول الناظم رحمه الله: "فيمسكوا بالصمت عن جوابه عند اعتراض الشك في صوابه". وذكرنا فيما سبق أن الإمام مالك جاءه رجل من مسيرة ستة أشهر، قال: جئتك من مسيرة ستة أشهر، حملني أهل بلدي مسألة أسألك عنها. قال: سل، يا مالك. يقول له: سل. فسأله عن المسألة، فقال مالك: لا أحسنها، لا أحسنها. فبهت الرجل، كما قدمنا في الكلام على أبيات: "ترك القول: الله أعلم، ولا أدري". فبهت الرجل، وقال: فأي شيء أقول لأهل بلدي؟ ماذا أقول لهم؟ قال: قل لهم: قال مالك لا أحسنها، أو لا أدري. العالم يمكن له أن يجيب، لكنه يعلم أن الجواب قد يورث ارتباكا عند الناس، وقد يسمعه من لا يفهمه فيضل، عياذا بالله. في "مقدمة الإمام مسلم" عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة". فما كل سائل يجاب، ولا كل ما طرح يحتاج إلى تعليق أو كلام. ما كل شيء يحتاج إلى أن يعلق عليه. أحيانا يكون الصمت جوابا بليغا وجوابا حكيما حينما يصمت الإنسان. ولهذا كم حصلت من الفتن لبعض العلماء حدثوا بأمور كان الأولى بهم أن يراعوا عقل السامع أو فهمه أو نحو ذلك، كما جرى للإمام الحافظ الزاهد العابد وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي، من سادات أهل العلم، رجل من كبار العلماء، كان يصوم الدهر ويقرأ في كل ليلة القرآن أو أكثره. رجل في غاية من الصلاح والعلم. وصل إلى مكة من العراق، فلما وصل إلى مكة حدثهم بحديث أنكره عليه من سمع. حدثهم بحديث أنكروه عليه. الراوي لهذا الحديث عن وكيع: علي بن خشرم، وهو ثقة معروف. قال: سمعت وكيعا يقول: حدثني إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله البهي أن أبا بكر دخل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، فقال: يا رسول الله، ما أطيبك حيا، وما أطيبك ميتا. يا رسول الله، ما أطيبك حيا، وما أطيبك ميتا. قال: عبد الله البهي، عبد الله البهي فيه ضعف. يقول أبو حاتم: مضطرب الحديث. بعض الأئمة يثني عليه، رجل فيه ضعف. قال: عبد الله البهي: فمضى على النبي صلى الله عليه وسلم يوم وليلة، فربا بطنه، وانثنت خنصراه. فربا بطنه: أي بطن النبي صلى الله عليه وسلم، وانثنت خنصراه. وهذا حديث منكر، فإن الأنبياء لا تأكل الأرض أجسادهم، وحاشاهم أن تتغير أبدانهم، بل هم طيبون في الدنيا وفي البرزخ ويوم القيامة. ولهذا لا تأكل الأرض أجسادهم، روائحهم كالمسك، صلى الله عليه وسلم. فلا يجوز هذا في حق الأنبياء. سمع أهل مكة حديث وكيع، وضجت مكة بأكملها، ضجت مكة بأكملها. هذا يطعن في رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قامت القيامة على وكيع. في بعض الروايات: فقال الوالي: عليّ بهذا العراقي، عليّ بالنطع والسيف. النطع: قطعة من الجلد كبيرة، قطعة من الجلد إذا أراد الولاة ذبح إنسان يضعونه في وسطها ثم يضربون رأسه فيتناثر الدم في تلك القطعة، فيأتي الخدم ويحملون ذلك الرجل مع الدماء، فتكون البسط ونحوها سليمة من أي شيء. النطع هذا خاص بالذبح. عليّ بالسيف والنطع. وغضب والي مكة في ذلك الزمن. فجاء سفيان بن عيينة مسرعا، وكان سفيان بن عيينة شيخ مكة في ذلك الزمن بعد عمر بن دينار. كان سفيان بن عيينة شيخ مكة، جاء مسرعا. وكان بينه وبين وكيع نفرة. سفيان بن عيينة ووكيع بينهم نفرة، وبينهم شيء مما يكون بين الأقران. نسأل الله العافية. يكون هذا في أهل العلم، في طلابهم يوجد هذا، ومن لا يتقي الله يدخل في الظلم، عياذا بالله. فدخل سفيان بن عيينة إلى الوالي وقال له مدافعا عن وكيع، وهنا يظهر أدب السلف. مع أن ما بينه وبين وكيع كما قيل: المياه ليست صافية، مياه فيها كدورة. لكن سفيان صاحب دين. قال سفيان: والله ما سمعت بهذا الحديث، ما سمعت بهذا الحديث. قال رحمه الله تعالى: فدخل على الوالي وقال له: كيف تقتلون رجلا حدث بحديث سمعه وهو ثقة؟ ثم قال له، أراد أن يخوف الوالي: إن هذا الرجل له قبيلة، بنو رؤاس في الكوفة، وأبوه الجراح بن مليح، رئيس شرطة الخليفة، وسيرسل إليك جنودا في ابنه هذا، فلا يستقيم لك أمر في مكة. فخاف الوالي، خاف الوالي. قال: يا سفيان، أتردوا هذا الرجل من بلدي؟ أخرجوا وكيعا. فلما كاد يصل إلى المدينة، أرسل بعض أهل مكة إلى المدينة: سيأتيكم وكيع، إن الوالي قد باعوا دينهم، فلا يفلتن من القتل إذا وصل إليكم، فاذبحوه. أرسلوا بالرسل إلى المدينة، وهي قريبة من المدينة. يقول علي بن خشرم: وإذا بوكيع يحدث بالحديث، من جسارة وكيع، يعني مصرا على التحديث بهذا الحديث المنكر. فلما كاد يصل إلى المدينة، ندم والي مكة. قال: والله لا أدري كيف فلت مني هذا الرجل، والله لا أدري كيف. وندم ندما شديدا على أنه ما ذبحه. ندم ندما شديدا. قال: والله لو قدرت أن أرجعه لذبحته هذه المرة. ووكيع إمام عظيم، إمام عظيم. نصح الناصحون وكيعا وقالوا له: لا تدخل المدينة، اذهب إلى بلدك الكوفة. وعاد إلى الكوفة. "ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة". وكيع كما يقول الحافظ الذهبي: لم يرد إلا خيرا، ما قصد إلا خيرا، لكنها كما يقول: محنة عجيبة، محنة عجيبة. وليته سكت، ليته رضي الله عنه سكت. فإنه يروي عن إسماعيل بن أبي خالد، عن إسماعيل بن أبي خالد وهو ثقة حافظ ثبت. فما كل ما يعلم يقال، ما كل شيء يتكلم به، ما كل جواب يذكر، ما كل سائل يجاب، ما كل مسألة يكتب فيها. كما قال الناظم رحمه الله تعالى: "فيمسكوا بالصمت عن جوابه عند اعتراض الشك في صوابه". ولو يكون القول في القياس من فضة بيضاء عند الناس، إذن لكان الصمت عينا من ذهب. فافهم هداك الله آداب الطلب: صمت في بعض المواضع، إذا كان القياس أن الكلام من فضة، فإن الصمت في بعض المواضع يكون أغلى من الذهب. ومما جرى في مثل هذا ما جرى للإمام أبي بكر بن العربي، الإمام الأندلسي المعروف. حدث في بلده، ذكر في بلده عند مجلس العلماء والمحدثين حديث مالك عن الزهري عن أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعلى رأسه المغفر، أي الخوذة التي تغطى بها الرأس. هذا الحديث قال: أنه لم يروه إلا مالك، ولم يروه مالك إلا عن الزهري، ولم يروه عن الزهري إلا عن أنس، فهو حديث فرد. هذا الذي يعرفه العلماء، لا يعرف إلا بمالك، يعد من غرائب مالك، أي أفراد. قال ابن العربي: هذا الحديث قد عرفته من ثلاثة عشر وجها غير طريق مالك. فقال له بعض الناس: أظهرها لنا. قال لهم: إن شاء الله. ثم لا أدري إلى الآن ما الذي منعه من إظهار ما ادعاه. أنا لا أعلم إلى الآن فيما قرأت ونظرت ما وقفت على السبب. لعله نفر صدره لشيء ما أو نحو ذلك، فسكت ولم يعطهم شيئا. فقامت فتنة على ابن العربي، حتى كتبوا القصائد: "يا أهل حمص، ومن بها أوصيكم بالعلم والتقوى، وصية مشفق. فخذوا عن العربي أسمار الدجى، خذوا عنه حكاوي الذي يحكيها، الأخبار الأساطير. فخذوا عن العربي أسمار الدجى، وخذوا الرواية عن إمام متقي. إن الفتى ذرب اللسان مهذب، إن لم يجد خبرا صحيحا يخلقه". يعني: إذا ما حصل كلام وعلم، يكذب من أجل يطلع نفسه شوية. كذلك مثل ما يقال. وحصلت فتنة كبيرة على ابن العربي، بسبب أنه قال: أعرف هذا الحديث من ثلاثة عشر وجها غير رواية مالك. وقال العلماء رحمهم الله: لا ينبغي هذه الشدة في الإنكار على هذا العالم، وليته ما ذكر هذا، ليته سكت وما ذكر مثل هذا الأمر، حتى لا يحصل مثل هذه الفتنة. العجيب في الأمر: هكذا يقول الذهبي: ليته سكت، وله عذر. وهذه حكاية سخيفة، أي من عالم ثقة، ليس بكذاب، يدعي دعوى، كيف تقومون عليه هذا القيام، وتحرصون على تشويهه بمثل هذا التشويه؟ العجيب أن الحافظ ابن حجر رحمه الله يقول: وقد بحثت طرق هذا الحديث، فوجدت الأمر كما قال أبو بكر بن العربي. أبو بكر بن العربي متوفى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة (543هـ)، والحافظ ابن حجر متوفى سنة ثنتين وخمسين وثمانمائة (852هـ). بين وفاتيهما ثلاثمائة وتسع سنين. كم بين وفاة الحافظ ابن حجر والحافظ أبي بكر بن العربي؟ ثلاثمائة سنة وتسع سنين. هذا بين الوفاة والوفاة. سبحان الله! لا زال في هذه الفترة قبل الحافظ بن حجر الناس مستغربة: أين هذه الطرق؟ قال الحافظ: فوجدت الثلاث عشرة طريقا، قال: ووجدت أكثر منها، ما يزيد عليه. وهذا اللي أشار إليه ابن العربي. قال الذهبي رحمه الله: عن أبي هريرة... ما أنت عن أبي هريرة... ذكر الذي في مقدمة مسلم: "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع". هكذا قال الذهبي: "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع". هذا أثر عن أبي هريرة، خرجه مسلم في المقدمة، وأبو داود في السنن موصولا. فالشاهد: بقي ابن العربي هذه القرون، وعليه هذا الاستفهام، ومات أولئك، وربما ظنوا في أنفسهم لأنه لم يبرز لهم الحجة والبرهان أن في صدقه شيئا، وهو صادق، لم يكذب، رحمه الله تعالى. فما أحوج الإنسان أحيانا، قلت أو كثرت، بحسب المصالح، إلى الصمت. ولو يكون القول في القياس من فضة بيضاء عند الناس، إذا لكان الصمت عينا من ذهب. فأفهم هداك الله آداب الطلب. فهذه تمت المنظومة، وأسأل الله عز وجل أن يوفقنا جميعا لهداه، وأن يرحم أبا علي اللؤلؤي، أو من كتبها ونظمها، وقيل إنه الخليفة عبد الله بن هارون الرشيد الملقب بالمأمون. فنسأل الله عز وجل أن ينفعنا ويرزقنا الإخلاص في القول والعمل، إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.