التعليقات على كتاب الأدب المفرد 376

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 376، ألقاها

مخاطبة الخطيب يوم الجمعة عند الحاجة

يشرح هذا الفصل جواز مخاطبة الخطيب يوم الجمعة إذا دعت الحاجة لذلك، مستندًا إلى حديث رواه الإمام البخاري عن أبي رفاعة العدوي. يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك خطبته ليجيب سؤالًا، مما يدل على جواز مقاطعة الخطيب عند الضرورة.

أحكام الجلوس أثناء الخطبة أو التعليم

يناقش هذا الفصل أحكام الجلوس على كرسي أو مكان مرتفع أثناء الخطبة أو التعليم، مستدلاً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم الذي جلس على المنبر. يشير إلى جواز ذلك عند الحاجة ورحمة النبي بمن يخطب لهم.

الجلسة على السرير ووضع الرجلين

يتناول هذا الفصل شرح حديثين حول الجلوس على السرير ووضع إحدى الرجلين على الأخرى، مبينًا ضعف حديث عن ابن عمر وصحّة حديث عن أنس بن مالك. يستدل على جواز هذه الجلسة لعدم وجود نهي صريح عنها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا عبد الله بن يزيد، قال: حدثنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن أبي رفاعة العدوي، قال: انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب، فقلت: يا رسول الله، رجلٌ غريب جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه. فأقبل إليّ وترك خطبته، فأتي بكرسي، خلت قوائمه حديدًا -قال حميد: أراه خشبا أسود، حسبه حديدًا- فقعد عليه، فجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتم خطبته آخرها. هذا الحديث حديث صحيح، وهو قد أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، وهكذا أيضًا أخرجه غيره. هذا الحديث يخبر أبو رفاعة العدوي أنه أتى النبي عليه الصلاة والسلام وهو يخطب -يعني في يوم الجمعة- والنبي عليه الصلاة والسلام يخطب الناس. فقلت: يا رسول الله، رجلٌ غريب جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه. فأقبل إليه النبي عليه الصلاة والسلام وترك خطبته، ثم جيء بكرسي. قال: خلت قوائمه حديدًا -خلت معنى ظننت- ظننت قوائم -يعني قوائم الكرسي- حديدًا. قال حميد: أراه خشبا أسود، خشب أسود، حسبه -يعني ظن أنه- حديد، فقعد عليه -أي النبي عليه الصلاة والسلام- فجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتم خطبته آخرها. هذا الحديث فيه جواز مخاطبة الخطيب في يوم الجمعة أن يخاطبه أحد الحاضرين إذا كان هناك حاجة، فيجوز أن يخاطبه كما في هذا الحديث. هذا الصحابي رضي الله عنه خاطب النبي عليه الصلاة والسلام وهو يخطب، قال: يا رسول الله، رجل غريب جاء يسأل عن دينه، ما يدري ما دينه. خاطب النبي عليه الصلاة والسلام وهو يخطب الناس. ومثله في حديث أنس في الصحيحين حين كان النبي عليه الصلاة والسلام يخطب، فدخل رجل، فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، قطعت السبل، فادع الله أن يغيثنا. فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه ودعا الله عز وجل أن يغيثهم -الحديث-. فهذا يدل على جواز مخاطبة من يستمع للخطيب إذا كان هناك حاجة. ومثله أيضًا لو لبس على الخطيب في آية أو نحو ذلك، فيرد عليه من كان عنده، ليس في هذا شيء، ولا يعد هذا من اللغو. اللغو أن تخاطب من بجانبك ومن عندك -يعني تخاطب أحد الحاضرين- أما مخاطبة الخطيب هذا لا يعد من اللغو، لكن لا يكون إلا لحاجة، لحاجة تكون مخاطبته لحاجة ولمقصد يحتاج إلى مخاطبته. وفيه أيضًا ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام من كمال خلقه وحسن معاملته، فلم يعاتب هذا الرجل الذي خاطبه، ما قال: انتظر حتى نكمل الخطبة ثم نعلمك، لا ترك خطبته عليه الصلاة والسلام وخرج يعلم هذا الرجل شيئًا من أمور دينه. وهذا من كمال حرصه عليه الصلاة والسلام على هداية الخلق، وقد وصفه الله عز وجل بذلك كما في قوله سبحانه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. هذا من شدة حرصه عليه الصلاة والسلام ورحمته، أنه ترك خطبته فجعل يعلمه. وفيه أيضًا جواز ترك الخطبة لحاجة، ثم الرجوع إليها وتكميلها. فالنبي صلى الله عليه وسلم ترك الخطبة وجلس يعلم هذا الرجل، ثم رجع وأتم آخرها وأتم خطبته. ومثله لما كان يخطب فرأى الحسن والحسين وقد سقطا وهم يمشيان، فخرج عليه الصلاة والسلام فحملهما، ثم رجع فأكمل خطبته عليه الصلاة والسلام. وفيه أيضًا جواز الجلوس على الكرسي، أو نقول: جلوس العالم على كرسي أو مكان مرتفع حتى يراه الناس، فيبلغ كلامه إلى من كان بعيدًا، ويراه كذلك من ربما لا يراه لو كان جالسًا، فلا بأس أن يجلس على كرسي أو شيء مرتفع، فيحصل بذلك ماذا؟ تبليغ الصوت والكلام، ورؤية الناس له، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام حين جلس على هذا الكرسي يعلم الناس. ومثل أيضًا في حجة الوداع حين حج عليه الصلاة والسلام راكبًا حتى يراه الناس؛ لأن الناس كانوا كثيرًا، فحج راكبًا حتى لا يفتقدوه ويعرفون مكانه ويتأسون به، كان يقول: «خذوا عني مناسككم». فهذه سنة ثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا هو الشاهد من ذكر هذا الحديث في هذا الباب قوله: فأتي بكرسي، إلى قوله: فقعد عليه -يعني قعد على هذا الكرسي-. فذكر الإمام البخاري رحمه الله هذا الحديث في هذا الباب: باب الجلوس على السرير. قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا وكيع، عن موسى بن ذي هجران، قال: رأيت ابن عمر جالسًا على سرير عروس عليه ثياب حمر. هذا الأثر ضعيف؛ موسى بن ذي هجران ضعيف. وقوله: رأيت ابن عمر جالسًا على سرير عروس -الجلس على السرير- مر معنا آثار صحيحة ثابتة عن الصحابة رضوان الله عليهم، وأيضًا ثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام. وقوله: عليه ثياب حمر -هذا الأثر ضعيف لا يصح- ولباس أو لبس الثياب الحمر الخالصة، هذا مما نهى النبي عليه الصلاة والسلام عنه. وما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه لبس حلة حمراء كما في الصحيحين، فهذه -كما قال العلماء- ليست بخالصة، بل هي مخططة بخطوط. فإذا كان الأحمر غير خالص -يعني يشوبه ألوان أخرى أو مخطط أو منقط أو نحو ذلك- فهذا جائز، أما الأحمر الخالص فهذا مما نهى عنه. قالوا: عن أبيه، عن عمران، عن عمران بن مسلم، قال: رأيت أنسًا جالسًا على سرير، واضعًا إحدى رجليه على الأخرى. هذا الأثر حسن -حسن إسناد الباني رحمه الله-. وقوله: عن أبيه -الضمير يرجع إلى وكيع- يعني وكيع من الجراح، فقوله: عن أبيه -يعني روى هذا الأثر وكيع عن أبيه، وهو الجراح- من المليح الرؤاسي، عن عمران بن مسلم. فيكون وكيع روى أثرين: الأثر الأول من طريق وكيع، عن موسى بن ذي هجران، رأيت ابن عمر. وروى الأثر الثاني عن أبيه، عن عمران بن مسلم، قال: رأيت أنسًا جالسًا على سرير، واضعًا إحدى رجليه على الأخرى -يعني اليمنى على اليسرى أو اليسرى على اليمنى-. الشاهد في هذا الأثر ظاهر في قوله: جالسًا على سرير -هذا الذي أراد أن يستدل به الإمام البخاري رحمه الله على جواز الجلوس على السرير-. وقوله: واضعًا إحدى رجليه على الأخرى -فيه جواز الجلوس على هذه الهيئة، أن يضع إحدى رجليه على الأخرى، اليسرى على اليمنى أو اليمنى على اليسرى، وأنه لا بأس بهذه الجلسة، ولا تعد هذه الجلسة مما يخل بالأدب، بل هذا أمر جائز، والأصل في الأشياء الإباحة، ليس هناك نهي عن وضع اليمنى على اليسرى، فيكون الأصل هو الجواز، سواء فعل ذلك هو على السرير أو على الكرسي. لكن يحذر من انكشاف عورته؛ إذا وضع رجله اليمنى على اليسرى مثلًا أو العكس فيحذر من ذلك، وإلا فالأصل أنه جائز. هذا آخر ما ذكره في هذا الباب: باب الجلوس على السرير. ثم ذكره بعده بابًا آخر. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على