المحاضرة بعنوان أثر الأعمال في تحسن الأحوال، وكانت بسجد السنة بالحامي ١٥ ربيع الآخر ١٤٣٨هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يؤكد الخطيب على أهمية الأعمال الصالحة في تحسين أحوال المسلمين، وتحقيق الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة. الأعمال الصالحة تؤدي إلى هداية القلب ولينه ورقته.
العمل الصالح يمنح العبد راحة البال وانشراح الصدر، ويجعله محبوبا لدى الناس، كما أنه يرفع المشاكل والبلايا. الإقبال على الله بالعبادات والطاعات يجعل للعبد قبولا في قلوب الخلق.
العمل الصالح يحفظ العبد وأهله وذريته، وصلاح الوالدين يحفظ الأبناء بعد موتهم. العمل الصالح يجلب الأرزاق ويحسن الأحوال، ويكون وسيلة لمواجهة الفتن والابتلاءات.
الرزق يستجلب بالعمل الصالح، ومن أسباب جلب الرزق التقوى والتوكل على الله والنفقة والصدقة والحج والعمرة. هذه الأعمال تجلب الرزق وتزيل الفقر والذنوب.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إخواني في الله، فإن سعي الإنسان في هذه الدنيا لتحسين أحواله لهو أمر تدعو إليه الفطر السوية، بل كذلك مما دعت إليه الشريعة الإسلامية أن الإنسان يعتني لتحسين حاله وأحواله. كان من هذا الباب ما شرع لنا في شريعتنا السمحة قضية الاكتساب، وقضية البيع والشراء، وقضية التداوي، وغيرها من الأوضاع، إنما جيئ بها وقننت وجعلت في شريعتنا لهذا الباب. إلى أن يهتم الإسلام بالمسلم في نفسه بإصلاحها وبتهيئتها على أحسن أحوالها، وإنه إخواني في الله، هذا المقصد، وأن يصل الإنسان إلى أحسن أحواله وحاله لهو تهفو إليه النفوس. كم بذلت من أموال، وكم صرفت من أوقات وأعمار في سبيل أن الإنسان يحسن من حاله، لكن مما ينبغي العناية به واللفتة إليه أن ما نراه من واقع الخلق أنهم ظنوا أن تحسين الحال والأحوال إنما ينحصر بالأسباب المادية البحتة. وهذا نذكرنا إخواني في الله بمحاضرة سبقت في هذا المسجد بعنوان الأعمال سبب من أسباب تغير الأحوال، وكان حينها الحديث يدور حول كيف أن المعاصي وهذه الأعمال الفاسدة الطالحة الكاسدة كيف أنها تؤثر في حياتنا وتؤثر في أحوالنا. وقد جاء وتم ذكره في ذلك المجلس من كتاب الله ومن سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، لربما كانت المعاصي من أعظم الأسباب التي عكرت علينا حالنا وأحوالنا، ضيق في الرزق، شدة في المؤونة والمعيشة، ذهاب للخيرات، للعدوان، للبركات، زوال للأرزاق، ضيق في النفوس. فإذا كانت الأعمال الفاسدة هي بهذه المثابة، فيقال العكس بالعكس، فإن الأعمال وأعني بها الأعمال الصالحة تؤدي إلى مفعول عكسي، إذ أنها كما سيأتي بذلك البراهين من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام ما فيه دلالة لكل ذي عينين أن يتعرف لدينه. وأن يعرف أن إن أراد أن يحسن أحواله في أي جانب كان، اقتصادياً، سياسياً، اجتماعياً، أمنياً، على مستوى الراعي وعلى مستوى الرعية، في أي زمان وفي أي مكان، فوالله ما يجد تحسين حاله بمثل إرجاعها إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله، وذلك عن طريق الأعمال الصالحة. والأدلة كثيرة، وهذا من فضل الله على العباد، أن هذه الطاعات، عبد الله، ليس فقط أن أجرها يكمن في أجر الآخرة في الجنة أو بارتقاء إلى المنازل العليا، وما تجده من النعيم العظيم، وهذا هو الحظ الأكبر. لكن كذلك يا عبد الله، من فضل الله أن الله يعجل لعباده من الطيبات في هذه الدار، قال ربنا جل فعلا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال ابن القيم رحمه الله تعالى عند هذه الآية: ضمن الله لأهل العلم ولأهل العمل الصالح الجزاء بالدنيا في الحياة الطيبة، والحسن يوم القيامة. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: الحياة الطيبة تشمل كل حياة فيها راحة، كل ما كان فيها راحة فهي الحياة الطيبة التي يعطاها العبد في هذه الدار، ثم الجزاء يوم القيامة، وهي الجنة. وهذا فضل من الله عز وجل، ثبت في صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يظلم مؤمنا، حسنة يعطى بها في الدنيا ويجازى بها في الآخرة». فإن الله لا ينقص من أجر العبد شيئا، أجره يجعله في الدنيا يعطى له في الدنيا، ويجازى بها في الآخرة، نعيم وأجر وثواب في الدنيا، ونعيم وأجر وثواب في الآخرة. وهذا إخواني في الله من فضل الله علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، إخواني في الله، أحوال العباد كثيرة التي تحفها التحسينات من جراء الأعمال الصالحات. ومن أعظم ما يجنيه العبد من تحسن أحواله من جراء العمل الصالح ما يكون من تحسن قلبه، يجد هذا التحسن ما له نظير، إذا كنت يا عبد الله انطويت تحت مضلة العمل الصالح، تجد وتستشعر من لين القلب، ومن رقته، ومن هدايته، ومن سكينته، ومن خشيته، ومن خشوعه. تجد أنك تمتلك قلبا ما يكاد يعتريه القلق، ولا الضيق، ولا يعتريه كذلك فزع، ولا شكوك، مهما جاءتك المنغصات، قال ربنا جل في علاه: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. تأتيك الهداية عبد الله للقلب، لكن متى بالإيمان، وما الذي يعنيه بالإيمان؟ الإيمان يا عبد الله، والإيمان الاعتقاد بالقلب والجنان، والعمل بالجوارح والأركان، وقول باللسان. إذا كنت يا عبد الله مؤمنا حقا، ولا يكون إيمانك إلا بعمل صالح، حينها تعطى هذا القلب الذي فقده الكثيرون، أنك تمتلك قلبا يا عبد الله هو غاية في الهداية. قال الإمام السعدي رحمه الله تعالى: وأهل الإيمان هم أهدى الناس قلوبا، ما هناك قلب فيه من الهداية بمثل قلب المؤمن، من أين جاءت الهداية؟ بإيمانه، بعمله الصالح. تجد يا عبد الله تستشعر ما عندك من هذه النعمة العظيمة، إذا جاءتك المنغصات، إذا جاءتك الكربات، إذا جاءتك المآزق والمشاكل والهموم والغموم، تجد أن قلبك على هداية وعلى تمام. بخلاف قلوب الكفر والفجر، سرعان ما يعتريهم الهلع والفزع والخوف والقلق، بل ربما اعتراهم المذلة والزندقة لضعف قلوبهم. فأنت يا عبد الله إذا أردت أن الله عز وجل يبعد عنك القلب الميت، قال: إذا ظهرت آثاره، لربما تستشعر من نفسك أنك ما تتعظ بمواعظ الله تتلى عليك آناء الليل وأطراف النهار، وأنت ما تتعظ. لربما رأيت الحق أبلجا واضحا، وأنت في نفور، لربما تجد الطاعات أمامك، وتجد أن قلبك في بعد، إذا أردت أن تغير قلبك يا عبد الله إلى قلب حي، فأقبل على العمل الصالح، أقبل يا عبد الله على الطاعات، على ذكر الله، على الاستغفار. حينها يحبيك ربنا عز وجل بقلب حي، هذا مما تحسن به الأحوال، أحوال قلوب العباد، كذلك يا عبد الله مما تحسن أو يتحسن به حال العبد ما يكون من نفسه، ما يكون من طبيعته، ما يكون من هيئته. فتحسن يا عبد الله في مظلة العمل الصالح، فسر العلماء قول الله سبحانه وتعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. قال الإمام القاسمي رحمه الله تعالى في تفسيره: وعندي أن الحياة الطيبة هي الحياة التي فيها ثلج الصدور، بلذة اليقين وبحلاوة الإيمان، هذه الحياة الطيبة. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وأي نعيم أطيب من انشراح الصدر؟ هذه نعمة تجد أن قلبك يا عبد الله منشرح، تجد عندك يا عبد الله سكينة البال وسكينة الحال. ما عندك حالات نفسية، ولا حالات عصبية، ولا عندك يا عبد الله تعاني من الهلوسة، ولا تعاني يا عبد الله من الضيق والكآبة، تجد أنك منشرح البال، منشرح الخاطر، هذا تؤته يا عبد الله إذا كنت من أهل العمل الصالح. ولكنت يا عبد الله في غاية من الفاقة، ولكنت يا عبد الله في غاية من الفقر، لكن تجد من قلبك السكينة والرضا والتسليم، قال بعض السلف: نحن في نعمة أو في راحة، لو يعلم بها الملوك وأبناء الملوك لاجأ لدون عليها بالسيوف. نازعون على هذه الراحة التي يعطاها العبد الصالح الذي أقبل على ربه سبحانه وتعالى، لكن بالمقابل إخواني في الله، الكفر مع ما أعطاهم ربنا عز وجل من النعم، وانظر إلى أحوال الكفر في شرق الدنيا وغربها. كيف أن الله فتح عليهم من زينة الحياة الدنيا، الأموال والترف والثراء، هذه نعم ظاهرة، لكن سلهم عن الحالات النفسية، سلهم عن راحة النفس، هم في بعد عن هذا، أكثر الأمراض انتشارا، وهذا بإحصائياتهم، أكثر الأمراض انتشارا في بلاد الكفر، الحالات النفسية، حالات العصبية، الهستيرية، القلق، الكآبة، حالات انفصام الشخصية. هذه أحدث عنها ولا حرج، العيادات تجدها ممتلئة، وأكثر العقاقير تداولا العقاقير النفسية، وهكذا يا عبد الله من ذلكم الانتحار، الانتحار من الطريق ما يذكر أن السويد هذه البلد الأوروبي تعتبر أغنى دولة من دول أوروبا. بل يعتبر أنه أغنى ما يتحصل عليه الفرد، الفرد في دولها يتحصل عليه الفرد السويدي في بلاده، بلغت من الثراء مبلغا عظيما، لكن ما يقابل هذا الثراء أنها ضربت أعلى رقم في حالات الانتحار، أعلى نسبة انتحار في السويد، ثراء وانتحار. لأنها يا عبد الله ليس فيها راحة، ليس الراحة في المال، ولا في الثراء، الراحة في الدين، الراحة في العمل الصالح، وأذكر مما أذكر أن رجلا كافرا ألف كتابا اسمه السعادة، نحو هذا، أو كيف تبحث عن السعادة؟ كافر يتكلم عن السعادة. لا والله، ليس هذا مقالك، وليس هذا من لا، ولا يحق لي كافر أن يتكلم عن السعادة، هو كافر، السعادة ينالها أهل الصلاح، أهل العمل الصالح، لكن الغريب، ومنها ستسمع الطرفة، أن هذا المؤلف الذي ألف كتابا بعنوان السعادة، أو كيف تبحث عن السعادة؟ ما كان من أمره أن ينتحر؟ انتحر صاحب السعادة. ينتحر لما وجد السعادة، ولن يجدها أبدا، وهكذا مما سمعت في أربي في أفريقيا قبل سنوات أن انتحارا جماعيا، هذا لا غرابة، لكن الذي يستغرب منهم أن الانتحار الجماعي كان في كنيسة، في كنيسة، في هذه الأماكن التي تعتبر مقدسة، وهي بيوت الرب عندهم، ومع ذلك انتحروا. إذن أين تجد الراحة يا عبد الله؟ ما تجدها إلا في العمل الصالح، تقبل على الله يا عبد الله بالعبادات والطاعات والقربات، تجد الأنس، وتجد راحة البال، وانشراح الصدر، وهذا مما يجده العبد من تحسين أحواله. ما يكون من انشراح صدره، وانشراح حالته، ونفسيته، أيضا إخواني في الله، ما يكون من تحسين أو تحسن حال العبد من جراء العمل الصالح ما يكون في علاقته مع غيره، ما يكون في علاقته مع غيره. تجد أن العبد الصالح، تجد أن الناس يأنسون به، يأنسون به، لربما إذا غاب عن أهله وأصحابه، لربما تفقدوه: أين فلان؟ ورح فلان؟ أين فلان؟ لا زال يسألون عنه. يجعل له ربنا عز وجل محبة، وغدا، هذا ليس يا عبد الله من جميل منظرك، وما كان يا عبد الله من حسن منطقك، إنما كان ذلك لجراء ما كان بينك وبين ربك. كما كان من عبارات سلفنا الصالح: من أصلح فيما بينه وبين الله، أصلح الله فيما بينه وبين الناس، يصلح الله ما بينك وبين الناس، إذا كنت يا عبد الله مقبلا على الله بالأعمال الصالحة. فإن الله سيجعل لك القبول في قلوب الخلق، روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل، فقال: إن الله يحب فلانا فأحبه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله قد أحب فلانا فأحبه، قال: فيحبونه، أي من في السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض». يوضع له القبول في الأرض، لهذا يا عبد الله تجد هذا، تجد بعض الناس إذا غاب يفتقد، يفتقد، ولهذا قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرح لمسلم عند هذه اللفظة: القبول، قال: أي محبة الناس وميلهم إليه، محبة الناس وميلهم إليه، يميلون إليه. وهذا تجدوا إخواني في الله في مجتمعاتنا، لو ربما تحب شخصا، لو ربما من أول جلسة، من أول جلسة ترتاح له، سبحان الله، من أين هذا؟ ما تعرفه، ما خابرته، ولا جالسته، لو ربما في مجلس واحد يجعل الله لك قبولا، هذا الرجل، انجذاب إليه، تكون له محبة، كأنه ليراد. أنت بين هذا الشخص عشت سنين، ثم تفاجئ القوم قال: والله ما عرفتك إلا في هذا المجلس، لكن من أين هذه المحبة؟ من الله سبحانه وتعالى، هذا من حسن، أو من عاجل بشارة المؤمن في هذه الدنيا من قبل ربه. أن الله يجعل له القبول، وأعظم من ذلك من لربما تحبه، وما رأيته، وإنما تسمع عنه، تسمع عن فلان، فإذا قلبك سبحان الله يضطرب، تريد أن تراه، أن تجلس معه، لما في قلبك من المحبة إليه، هذا من الله سبحانه وتعالى. وقد جاء في تفسير قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه فيما أثر عنه: أن يحبه الله، ويحببه للناس، يحبه الله، ويحببه للناس. ولهذا إخواني في الله، فإذا أردت يا عبد الله أن الله يصلح فيما بينك وبين الناس، أصلح ما بينك وبين الله، أقبل على الله بالأعمال الصالحة، بالطاعات، والواجبات، أكثر يا عبد الله من النوافل والمندوبات. فإن الله سيجعل لك القبول، فإن الله إذا أحبك، فإن الله حين سيجعل لك القبول في الأرض، وهكذا إخواني في الله مما يذكر من تحسين الأحوال من جراء الأعمال الصالحة ما يكون من أثرها العظيم في رفع المشاكل والبلايا والرزايا التي تبتل بها في هذه الدنيا. المسلم معرض للفتن والابتلاءات والتمحيص، لربما تأتيك نكبة، تأتيك كربة، تأتيك مشقة، يأتيك عنت، فوالله يا عبد الله ما أزيحت، وما زحزحت عنك هذه الرزايا والبلايا والمصائب والعظائم التي تبتل بها في هذه الدار. بمثل اندفاعها بالعمل الصالح، بمثل اندفاعها بالعمل الصالح، قال عليه الصلاة والسلام: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله يحفظك»، وعد الله، ولا يخلف الله وعده. وحفظ الله يا عبد الله إنما يكون بحفظ دينه، بحفظ شرعه، بالوقوف عند حدود ما أنزل الله، بالإقبال على الطاعات والعبادات، بترك الذنوب والسيئات، والابتعاد عن الحرمات والمحرمات. متى ما كنت حافظا لله، فإن الله تكفل بحفظك، يحفظك ربنا عز وجل، يجعل لك من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، لنا عبرة إخواني في الله بقصص التي حكاها لنا ربنا في كتابه، ونبينا في سنته. عن أقوام وأعيان، بل عن مجتمعات، لو ربما أصيبوا بنكبات، فما رفعت، وما زحزحت عنهم بمثل تضرعهم، وإخباتهم، وإقبالهم على ربهم، قصة الثلاثة الشهيرة لديكم، كما جاءت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه. عندما آواهم الليل إلى الغار، فدخلوا الغار، فإذا بصخرة عظيمة خرجت من رأس الجبل حتى سدت عليهم الغار، أين سيخرجون؟ في واد، لا أحد سيسمع النداء، ولا أحد سيغيثهم، لا أحد يدي بوجودهم أصلا في غار. وهذا الغار قد سد بصخرة، فحينها علم الثلاثة أنه لا ملجأ، ولا منجى من هذا الكرب إلا بالنجوء إلى الله سبحانه وتعالى، حينها ذكروا ما كان من أعمالهم الصالحة، باختصار، أحدهم ذكر ما كان من بره بوالديه. كان طائعا لوالديه، بلغ من بره بوالديه أنه كان هو وأهله وعياله ما كانوا يشربون شرابا، ولا يأكلون طعاما إلا بعد أن يأكل الوالدان ويشربان، قمة في البر، فقال: «اللهم إن كنت قد فعلت هذا لوجهك، ففرج عنا ما نحن فيه»، فإذا بالصخرة تتحرك، ثم الثاني ذكر عن نفسه ما كان من عفته. أنه شغف ببنت عمه، إلا أنه راودها على فعل الفاحشة، واستغل ضعفها وحاجتها، فلما أراد أن يقع بها ذكرته بالله: اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه، انكف وانزجر، وخشي وخاف من تذكير الله عز وجل. فقال: «اللهم إن كنت قد فعلت هذا لوجهك، ففرج عنا ما نحن فيه»، فتحركت الصخرة قليلا، ثم قام الثالث وأخبر عن نفسه ما كان من أمانته، عندما أخذ ذاك المال لذاك العامل، ولا زال ينميه من بعده، ينميه، ينميه، حتى أصبح مالا كثيرا. ثم جاء العامل وأراد أجرته، إلا أن التاجر كان مع أمين أنا صادق الحديث، فأصدقه الحديث بأن أجرتك قد أصبحت هذا المال الكثير، فآخذ العامل وأخذ المال كله، وما أعطى التاجر شيئا، فقال: «اللهم إن كنت قد فعلت هذا لوجهك، ففرج عنا ما نحن فيه»، فتدحرجت الصخرة، فخرج الثلاثة يمشون. ما الذي أخرجهم إخواني في الله؟ ما أخرجهم إلا ما كان من عملهم الصالح، هو الذي به، بسببه، جعل له ربنا عز وجل مخرجا، ومن جاء من هذا الضيق، وهكذا فلنحكم نحن عباد الله، فوالله مهما توالت علينا النكبات والمآزق والمشاكل. لكن إذا لجأنا إلى الله عز وجل، فإنها سرعان ما تندفع، وأيضا إخواني في الله مما يذكر، وهذا الشيء بشيء يذكر أيضا، أن الأعمال الصالحة ليس فقط تقوم بحقك أنت، بل كذلك لربما كان من أثر العمل الصالح أنه يحفظ كذلك من كان تبعا لك. من أهلك، من عيالك، من ذريتك، وهذا فضل عظيم إخواني في الله، صحيح نحن في مثل هذه الأزمان، وفي مثل هذه الأوقات، ما كان من هم يعتري أولياء الأمور من آباء وأمهات بمثل هم إصلاح الذرية، إصلاح أولادنا وبناتنا. في هذه الأزمان لربما الواحد لربما أشغل ذهنه ليلة ونهارا كيف الإصلاح، وهذه الشهوات والملذات التي تضطرب أمواجها في هذا الزمان، آه عبد الله، إذا أصلحت فيما بينك وبين الله، إن الله لا يصلح حالك فقط، بل يصلح حال أهلك وأولادك من بعدك. قال ابن رجب رحمه الله تعالى: وإن الله قد يحفظ العبد بعد موته في ذريته، وإن الله قد يحفظ العبد بعد موته في ذريته، وبماذا استدل؟ استدل بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾، قال: فحفظ الأبناء بصلاح الأب. قصة الجدار، قصة معروفة، مذكورة في كتاب الله جل وعلا، مفادها في قصة موسى مع الخضر، عندما بنيا ذلكم الجدار، مقابل أن أهل القرية طردوهم، وما ضيفوهم، لكن قام الخضر وشمر عن ساعد الجد، وبنى الجدار. ما قصة الجدار؟ قال ربنا عز وجل: ﴿فَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾. إذن قصة هذا الجدار تعود إلى يتيمين، كان لهم كنز تحت الجدار، مخبأ، لأنه إذن كشف، إذن كشف الكنز في زمن صغرهم، لو ربما قام الأطماع، وقام أهل الطمع والنفوذ باستيلاء الأموال، وتركوا الأيتام بلا شيء. كما قد يحصل، نرى من هذا الاعتداء والعدوان والظلم في هذا الزمان، القوي يستولي على مال الضعيف، فكان من حكمة الله جل وعلا أن أرسل الخضر وموسى، لأن الجدار كاد أن ينقض، كاد أن يسقط، فأقام هذا الجدار، وأعاد علته لحفظ مال الأيتام. طيب ما سر الأيتام؟ ما سر الأيتام؟ أولياء لا، يا عبد الله، السر ليس في الأولياء، أو ليس السر في الأولاد، السر في الأب، وكان أبوهما صالحا، بركة الأب، ماذا كان من وصف الأب؟ صالح، ما معنى صالح؟ مقيم على الأعمال الصالحة، مقيم على الطاعة، وعلى البر، وعلى الفرائض والواجبات. لما كان الأب من الصالحين، من أهل الصلاة، أرسل ربنا جل وعلا موسى والخضر لكي يحفظ مال الأيتام، يحفظ مال الأيتام، فيا عبد الله إذا كنت على عمل صالح، فإن الله سيتكفل بحفظ أولادك من بعدك. كان قتادة كما يحكى عنه، أو يحكى عن ابن سيرين رحمه الله تعالى: كان يقول: يا بني، يا بني، إني لأطيل في الصلاة، إني لأطيل في الصلاة، رجاء أن أحفظ فيك، رجاء أن أحفظ فيك، ثم يتلو قول الله عز وجل: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾. وهذا الفقه يا عبد الله، تعمل عملا صالحا، عل وعسى أن بصلاحك مع الرب سبحانه وتعالى أن الله يحفظ هذا الصلاح في أولادك، يحفظ هذا الصلاح في أولادك، فهذا إخواني في الله من أعظم ثمار من أعظم الثمار الذي يجنيها العبد من هذا الباب. وهكذا إخواني في الله، مما يذكر من تحسين الأحوال التي تتحسن في حالة العبد في هذه الدار ما يكون من جلب الأرزاق، ما يكون من جلب الأرزاق، الأرزاق الذي أعنيه هو كل ما ينتفع به، من مال، من متاع، من مكاسب، من وظائف، من أشغال، من مهن، من حرف، من مكاسب. كل رزق، الرزق يا عبد الله، أعظم ما يستجلب به بالعمل الصالح، وهذا كاد يندثر، هذا الأمر كاد أن يندثر، الغالب على الناس أنهم يأخذون بالأسباب المادية، وهو سبب، نعم، لكن يكون بعضهم جل اهتمام بهذا الباب، ونسي أن الله أعطاه أسبابا عظيمة. أسبابا عظيمة هي أجر في الآخرة، وحظ لك في الدنيا، يا عبد الله، بأن الله يسل لك أرزاقا، أموالا، ومتاعا، ومكاسب، وذلك يا عبد الله بالأعمال الصالحة، يؤيد هذا المعنى العام ما جاء في السنن من حديث أبي هريرة قال: قال عليه الصلاة والسلام: قال الله تعالى: «يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك، وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلا ولم أسد فقرك». صححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى كما في الصحيحة والصحيح الجامع، يا ابن آدم تفرغ لعبادتي، الإقبال يا إخواني في الله على عبادة الله سبحانه وتعالى، شأنه عظيم، ومن أعظم مظاهرها أن الله عز وجل يعطيك به حظ الدنيا. من سد الفقر عنك، يبعد الفقر عنك، تفرغ لعبادتي، أجعل في صدرك غنى، وأسد فقرك، وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلا ولم أسد فقرك، وأسباب الرزق إخواني في الله، أسباب جلب الرزق كثيرة، كثيرة، وكثيرة جدا. منها كما جاء في كتاب الله عز وجل التقوى، قال ربنا جل في علاه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، رزق من حيث لا تحتسب، من أين يأتيك الرزق؟ عن طريق التقوى. قال ابن كثير رحمه الله تعالى مبينا ما معنى التقوى: التقوى بأن يتق الله فيما أمر به، وترك ما نهى الله عنه، فإن الله يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب، أي من جهة لا تخطر ببال، هذا في حال المتقي. إذا كنت يا عبد الله في هذه الدار تتقي غضب الله عز وجل، وذلك تتقي الله بأوامره مسارعة وأداء، وتكف عبد الله عن زواجر الله عز وجل بترك ذنوبه ومعاصيه. فإن الله أولا يجعل لك مخرجا من كل ضيق، وثانيا يرزقك من حيث لا تحتسب، يأتيك الرزق وأنت لا تشعر، لا تشعر، ربما يأتيك طارق مال، يأتيك مهنة، يأتيك ترقية، أرزاق تأتيك وأنت لا تشعر، من أي جهة؟ الله أعلم. لكن إذا كنت من المتقين لله سبحانه وتعالى، وأيضا إخواني في الله من الأسباب الجالبة للرزق من العبادات ما يكون من التوكل على الله، التوكل على الله سبحانه وتعالى، قال عليه الصلاة والسلام كما جاء عند الترمذي من حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. قال: قال عليه الصلاة والسلام: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما ترزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا»، تغدو خماصا، خماصا جمع خميص، وهو الجائع، وبطانا جمع بطين، وهو الذي عنده البطن الكبير، قال علماء دلالة على الشبع. الطائر إخواني في الله يذهب حال جوعه، ويرجع قد امتلأ طعاما، من أين؟ رزق الله، رزق ساقه الله إليه، بماذا؟ بتوكله، لو أنكم توكلون على الله حق توكله، وليس معنى هذا كما قال علماء أنك تركن في بيتك لا. إنما تسعى، والسعي إما بأسباب شرعية، أو أسباب عقلية، والدليل على أن هذا ليس فيه الجلوس، وأنك تجلس في زاوية من زوايا بيته تنظر رزق الله عز وجل إليك، بدل أن هذا الطائر يذهب ويرجع، ما جلس في عشه، ما جلس في عشه، يذهب ويرجع. لكن المراد من هذا الحديث أن عندك تكسبك يا عبد الله، اجعل قلبك وبالك معلقا وتعلق بالله، معلق بالله سبحانه وتعالى، قوض أمرك إلى الله، لا تركن يا عبد الله في حال التكسب على عقلك، أو إلى ذكائك، أو إلى فطنتك. وإنما ارجع الأمر وتوكلت على الله، بسم الله، وتكسب وتتكسب يا عبد الله، وقلبك لله، حينها يا عبد الله يأتيك رزقك من الله سبحانه وتعالى، وهكذا إخواني في الله مما يجب لك الرزق في هذه الدار ما يكون من النفقة والصدقة. وهذا أمر ربما يكون غريبا، وعماما، لأننا الآن في مقام طلب الرزق، بينما ننفق، وإخراج مال، نقول: نعم، أخرج يا عبد الله، سيعطيك الله خيرا وخلفا عما أخرجته، وما أنفقت من شيء، فهو يخلفه، يجعل لك ربك خلف رزق أضعاف مضاعفة مما أخرج. وقد جاء في البخاري، أو جاء في مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: قال الله تعالى: «يا ابن آدم أنفق أنفق عليك»، الجزاء من جنس العمل، إذا كنت يا عبد الله معطاء للخير، يدك مبذولة لفعل الخير، تعطي المساكين والمحتاجين والمعوزين. ومن كان ذا فاقة وذا حاجة، فإن الله يجازيك أضعافا مضاعفة في الدنيا قبل الآخرة، وجاء كذلك في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال عليه الصلاة والسلام: «ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وملكان ينزلان، يقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا». وقال العلماء: ودعاء الملائكة مستجاب، دعاء الملائكة مستجاب، ينزل الملك في كل صباح يدعوان بهذه الدعوات، يقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، كل من أنفق شيئا، فإنهم يدعون الله بأن الله يعوض لك خيرا مما أنفقت. والآخر الممسك الذي بلغ من الشح والبخل أنه كرس ماله لنفسه، مع حاجة الناس إليه، بخلا، فإنهم يدعون عليه: اللهم أعط ممسكا تلفا، أن الله يتلف الذي بيده، فتذهب عنه البركة، والدليل على أن دعاء الملائكة مستجاب. كان جاء في الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: «فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه»، وهكذا إخواني في الله مما يذكر من الأعمال التي من أجلها تستجلب الأرزاق ما يكون من الحج والعمرة. كما جاء ذلك في السنن، وفي مسند إمام أحمد، عن جمع من الصحابة، عن عمر، وعن ابن عمر، وعن ابن مسعود، وعن ابن عباس، وعن جمع غفير، أنهم نقلوا عن نبينا صلوات ربي والسلام عليه أنه قال: «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب»، تابعوا بين الحج والعمرة. فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، يزيل ربك عنك الفقر، ما يأتيك الفقر، ولا يقربك، كلما بذلت، وهذا لمن استطاع عليه سبيلا، وهذا بتوفيق الله، يوفق الله من شاء من عباده أن يكونوا على هذا الحال، يتابعون بين الحج والعمرة. وهم على هذا الحال يكسبهم ربنا عز وجل غناء، غناء، بحيث أن الفقر لا يأتيهم، ولا يصل إليهم، وذلك فضل الله، يأتيه من يش