الخطبة بعنوان فتنة الشبهات والشهوات ودفعها بالعلم، وكانت بسجد السنة بتبالة ١٣ جمادى الآخر ١٤٣٨هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
استهل المتحدث المجلس بالصلاة والسلام على النبي محمد ﷺ وآله وصحبه، اقتداءً بالسنة النبوية في افتتاح المجالس العلمية بالبركة والاستفتاح بالخير.
بين المحاضر أن الشبهات أخطر من الشهوات لأن صاحب الشبهة يظن أنه على حق فلا يتوب، مستعرضاً شبه المشركين قديماً وحديثاً في دعاء غير الله وتحريف توحيد العبادة، محذراً من البدع والشرك الخفي.
أكد المقطع أن العلم النافع هو الحصن المنيع الذي يزيل الشكوك والشهوات، ويمنح العبد كمال اليقين وقوة الإرادة للثبات على الحق، مستدلاً بآيات قرآنية وأقوال العلماء في التحذير من الشرك والبدع.
سرد المحاضر قصة مناظرة عبد الله بن عباس للخوارج الذين خرجوا على علي بن أبي طالب، وكيف فند شبههم الثلاث بالحجة من القرآن والسنة مما أدى لرجوع ألفي منهم، خاتماً بأن العلم هو الحصن ضد الشبهات.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن هناك أمرين بهما يصد الناس عن دين الله عز وجل، ألا وهما: الشبهات والشهوات. فبالشبهات يعبد المرء غير الله، ويدعو غير الله، ويتعلق بغير الله، كما أخبر الله عز وجل عن المشركين في عهد النبي عليه الصلاة والسلام؛ فإنهم وقعوا في الشرك وهم يظنون أنهم على الطريق المستقيم وعلى الهدي القويم. لهم شبه، هذه الشبه كانت سبباً في ضلالهم وفي شركهم، فكانوا يعتقدون أن عبادة الصنم، وأن عبادة الملائكة، وأن عبادة الصالحين، إنما هم شفعاء ووسائط بينهم وبين الله، فقالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾، واتخذوا هؤلاء الشفعاء، وقالوا: هم بيننا ووسائط وبين الله عز وجل، ولهم شبه كثيرة. وهكذا في هذا الزمان. ولذلك، أخطر هذين الأمرين هو أمر الشبهات؛ فإنها أخطر من الشهوات، لأن صاحب الشبهة يرى نفسه على دين، يرى نفسه على حق وعلى طريق مستقيم، فلا يسمع لناصح، ولا كذلك يظن أنه على ذنب ومعصية، فيستمر على هذه الشبهة، فهي أخطر من الشهوة؛ لأن صاحب الشهوة يظن أو يعتقد أنه مذنب، فيسرع ما يبادر بالتوبة والاستغفار، فيغفر الله عز وجل له. أما صاحب الشبهة، فإنه يرى نفسه على دين، سواء ذلكم صاحب الشبهة: شبهة شرك، أو بدع وضلالات. ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام، كما في الحديث الصحيح: «إن الله احتجب التوبة عن صاحب كل بدعة حتى يدع بدعته». وفسر العلماء هذا الحديث بأن صاحب البدعة لا يوفق إلى التوبة؛ لأنه يرى نفسه على دين وعلى هدي وطريق مستقيم. ولذلك جاء عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى أنه قال: «البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها». أيها المسلمون، عباد الله، إن كثيراً ممن وقع في الشرك والبدع في هذه الأزمان هم على شبه كثيرة. فتارة يعبدون ويدعون غير الله، لأن هؤلاء أناس صالحون، وأنهم قريبون من الله، وأن هذا الداعي صاحب ذنب ومعاصٍ، فهو يدعو هؤلاء ليقربوه إلى الله. شبهوا الخالق بالمخلوق. أين هم من قول الله عز وجل: ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ ﴾؟ أين هؤلاء من قول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾، وقول الله عز وجل: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾؟ لهم شبه كثيرة. من هذه الشبه: أن دعاء غير الله لا يعد شركاً؛ لأننا نعتقد أن الله هو الخالق وهو الرازق، وأننا نقول: لا إله إلا الله، فكيف نكون مشركين بدعائنا للأولياء والصالحين؟ انظروا إلى مثل هذه الشبه التي لا تنطلي إلا على ضعيف العلم. الله عز وجل بيّن لنا في كتابه أن مشركي العرب كانوا يعتقدون أن الله هو الخالق وهو الرازق، فهم مقرون بتوحيد الربوبية، فقاتلهم النبي عليه الصلاة والسلام، واستحل أموالهم ودماءهم؛ لأنهم أشركوا في توحيد العبادة، لأنهم أشركوا في توحيد العبادة، وهم يعلمون معنى «لا إله إلا الله»، وأن معناها: لا معبود بحق إلا الله. فلذلك أبوا أن يقولوها؛ لأنهم أهل لغة، نزل القرآن بلغتهم، فهم يعلمون هذه اللغة، بخلاف أهل زماننا؛ فإنهم لا يعلمون معنى «لا إله إلا الله». فمنهم من يفسرها: لا خالق إلا الله، أو لا مخترع إلا الله، أو لا رازق إلا الله، فيفسرها بتوحيد الربوبية، فوقعوا في مثل هذه الشبهة. ومن شبههم: أن الشرك إنما يكون في دعاء الأصنام، وليس في دعاء الصالحين. وهذا يكذبه القرآن؛ فالله عز وجل بيّن لنا في كتابه أن أهل الشرك على طرق مختلفة في دعائهم لغيره: فمنهم من يدعو الأصنام، ومنهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يدعو الجن. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ﴾، والاستعاذة عبادة، فهؤلاء كانوا يستعيذون بالجن. وأكد في قول الله عز وجل: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ﴾. في تفسير هذه الكلمة: «لات» أنها اسم رجل، أو كان رجل صالح يلد السويق للحجاج، فلما مات عبدوه من دون الله عز وجل. فكل من تعلق بغير الله، سواء كان هذا المتعلق به حجر أو مدر أو رجل أو نبي أو ملك أو غير ذلك، فيكون شركاً بالله عز وجل؛ لأن الضابط في ذلك هو دعاء غير الله، وهو صرف العبادة لغير الله، أيا كان هذا المألوه وهذا المعبود. انظروا يا عباد الله كيف هذه الشبه، كيف هذه الشبه تضل أقواماً، وربما تؤدي بهم -والعياذ بالله- إلى الشرك والكفر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وكذلك في باب البدع، فإن كثيراً من أهل البدع لهم شبه، لهم شبه يظنون أنها تسوغ لهم فعل هذه البدع. فتارة: أن هذا الأمر المحدث من البدعة الحسنة، من البدعة الحسنة، وما علموا أن النبي عليه الصلاة والسلام قد قال في سنته: «وكل بدعة ضلالة». و«كل» من الكلمات العامة التي تفيد العموم، فمن أين لهم تخصيص بعض المحدثات وأنها من البدع الحسنة؟ وهكذا فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم. أليس الصحابة هم من أحرص الناس على الخير وعلى الأعمال الصالحة؟ فكيف لا يعملون هذه الأعمال التي تتقربون بها إلى الله؟ أليس هم أحرص منا على القربى إلى الله سبحانه وتعالى؟ فلو كان خيراً لسبقونا إليه. ولهم شبه كثيرة. اعلموا عباد الله أن السلامة من مثل هذه الشبه هو العلم النافع. العلم النافع: أن تتعلم دينك، وأن تتحصن من مثل إيراد هذه الشبه. فإن الله عز وجل قد بيّن لنا في كتابه أن أصحاب القلوب المريضة يتعلقون بهذه الشبه، وأن العلماء هم الذين يفندون هذه الشبه. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾، على قراءة الوصل: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ﴾. أي أن الراسخين في العلم بما رزقهم الله عز وجل من العلم يعلمون تفنيد هذه الشبه. فعليكم عباد الله بالعلم النافع؛ فإنه من أعظم الأسباب في ثباتك على الحق، وفي سيرك على بصيرة. فالزموا العلم، وحلقات العلم، وسؤال أهل العلم، تفلحوا في الدنيا والآخرة. وفق الله لي وإياكم لما يحب ويرضى. أقول ما سمعتم، وأستغفر الله. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، يقول العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في منظومته القواعد الفقهية: «اعلم هديت أن أفضل المنن علم يزيل الشك عنك والدرن ويكشف الحق لذي القلوب ويوصل العبد إلى المطلوب». اعلم أن أفضل منة ونعمة يمن بها الله عز وجل عليك أخي المسلم: طلب العلم النافع. علم يزيل الشك عنك والدرن، يزيل الشبهات والشهوات. فإن المراد بالشك: هو ما يقع في القلوب من الشبهات، والدرن: أي المعاصي والسيئات. فبالعلم يكشف الله عز وجل لك، يكشف الله عز وجل لك زيف وبطلان هذه الشبه، ويكشف الحق لذي القلوب، ويوصل العبد إلى المطلوب. ثم قال في شرحه لهذين البيتين: «فكلما ازداد الإنسان من العلم حصل له كمال اليقين وكمال الإرادة». كمال اليقين وكمال الإرادة. قال: «ولا تتم سعادة المرء إلا بهذين الأمرين، وبهما تنال الإمامة في الدين». قال الله عز وجل: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾. فلا تتم سعادتك أخي المسلم إلا بكمال اليقين وكمال الإرادة. ما معنى كمال اليقين؟ أي: الثبات على الحق، لما وقع في قلبك من برد اليقين، من برد اليقين، فلا تؤثر فيك شبهة بإذن الله سبحانه وتعالى. وأما كمال الإرادة، فالمراد بذلك: لا تؤثر عليك الشهوات، إرادتك تكون قوية، فأنت تسيطر على هذه النفس التي بين جنبيك، فإذا دعتك إلى المعصية ردعها رادع العلم، عندك إرادة قوية، بها تقدم إلى الطاعات، وبها تنزجر عن المعاصي والسيئات. ومن هنا عباد الله ينجلي لنا فضل العلم، فضل العلم، وأنه سبب للنجاح من فتن الشهوات ومن فتن الشبهات. فاحرصوا عباد الله على طلب العلم النافع، وجدوا واجتهدوا في ذلك؛ فإنه ما ضل من ضل من الفرق الضالة، من الفرق المبتدعة، من فرق التفرق والتحزب، من فرق التكفير والتفجير، ما ضل هؤلاء إلا لشبه وقعت في قلوبهم. ما الذي يدفع ذاك الشاب إلى أن يقتل أهل الإسلام، إلى أن يفجر نفسه ويقتل من المسلمين؟ إنها الشبه، إنها الأفكار الضالة التي وقرت في قلوبهم. ولذلك ظهرت فرق الضلال في عهد الصحابة. ظهرت القدرية في عهد الصحابة، فسئل عنها عبد الله بن عمر، لما جاء له يحيى بن يعمر مع حميد بن عبد الرحمن، وسألاه عن قول معبد الجهني، وهو قول القدرية: أن الأمر أنف، أنه لا قدر، والأمر أنف. فلما سألوه عن هذه المقالة، أنكر إنكاراً شديداً، وقال: «ما أخبروا أولئك أن ابن عمر بريء منهم، وأنهم براء مني». ثم قال: «والذي يحلف به عبد الله بن عمر، لو أن أحدهم أنفق مثل أحد ذهباً، ما قبل الله منه، حتى يؤمن بالقدر». ثم قرأ عليهم حديث أركان الإسلام، ومن هذه الأركان: حديث أركان الإيمان، ومن هذه الأركان: أن تؤمن بالقدر خيره وشره. هكذا ظهرت فرق الخوارج في عهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فانبرى لها العلماء الأجلاء من الصحابة، كجابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس. خرجوا على علي بن أبي طالب، ومنهم ستة آلاف خارجي، أرادوا أن يقاتلوا، أرادوا أن يقاتلوا علياً رضي الله تعالى عنه ومن معه من الصحابة. فاستأذن بن عباس علياً أن يناظرهم، وأن يفند شبههم؛ لأنهم عندهم شبه، عندهم شبه من أجلها خرجوا على جماعة المسلمين. فذهب إليهم عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقال لهم: «ماذا تنقمون على ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصهره، وعلى المهاجرين والأنصار؟» قالوا: «ننقم عليه ثلاثاً، ننقم عليه ثلاثاً». قال: «وما هن؟» قالوا: «أما الأولى: فإنه حكم الرجال، حكم الرجال في أمر الله عز وجل، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ﴾، فما بال الحكم والرجال؟» انظروا شبه، شبه وقعت ووقرت في قلوبهم. قال لهم: «أرأيتم لو رددت هذه الثلاث بكتاب الله وسنة رسوله، أترضون؟» قالوا: «نعم». قال: «أما الأولى...» وقال لهم: «وما هي الثانية؟» هذه الأولى: أنه حكم الرجال. قال لهم: «ما هي الثانية؟» قالوا: «الثانية: أنه قاتل ولم يسبي ولم يغنم، فإن كانوا مسلمين فلماذا قاتلهم، وإن كانوا كفاراً لماذا لم يسبي ولم يغنم منهم؟» فقال: «هذه الثانية، فما هي الثالثة؟» قالوا: «الثالثة: أنه محا نفسه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين». كفروه، والعياذ بالله. انظروا إلى الشبه كيف تصنع في قلوب أصحابها. ففند هذه الشبه الثلاث، فقال: «أما قولكم: أنه حكم الرجال، فماذا تقولون؟ أحكم الرجال في أمر تحقن به الدماء وتجتمع به كلمة المسلمين أفضل، أم حكم الرجال في ربع درهم، في ربع درهم، في الصيد، فيما يعادل الأرنب؟» في قول الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾، أيهما أفضل، أيهما أفضل؟ أحكم في ما تجتمع به كلمة المسلمين وتحقن به دماؤهم، أم حكم الرجال في بضع امرأة؟ كما قال الله عز وجل: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ﴾، أيهما أفضل؟» قالوا: «أفضل: حكم الرجال فيما تحقن به دماء المسلمين وتجتمع به كلمتهم». قال لهم: «هذه واحدة، خرجتم منها». قالوا: «هاتي الثانية». قال: «أما قولكم: إنه قاتل ولم يسبي ولم يغنم، أتريدون أن يسبي أمكم عائشة رضي الله تعالى عنها، وتستحلون منها ما تستحلون من غيرها؟ فإن قلتم ذلك فقد كفرتم؛ لأنها أمكم. وإن قلتم: ليست بأمكم فقد كفرتم؛ لأن الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾». فقالوا: «خرجنا من هذه، هاتي الثالثة». قال: «أما الثالثة: فلما صالح النبي عليه الصلاة والسلام المشركين في صلح الحديبية، وكان الذي يكتب هذا الصلح هو علي بن أبي طالب، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لعلي: اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله. قالوا له: إن كنا نعلم أنك رسول الله لما قاتلناك. اكتب: هذا ما صالح عليه محمد. فقال النبي عليه الصلاة والسلام لعلي: امح يا علي. والله إني رسول الله حقاً». فقال لهم: «أيهما أعظم: أن يمحو النبي عليه الصلاة والسلام النبوة والرسالة، أو أن يمحو علي أمير المؤمنين؟» فقالوا: «أفضل ذاك: النبوة والرسالة». فقال: «هل خرجتم من هذه الثلاث؟» فرجع منهم ألفان، وكان منهم ستة آلاف، وبقي أربعة آلاف، والعياذ بالله، على ضلالهم وعلى زيغهم وانحرافهم. الشاهد من هذا عباد الله: أن ابن عباس ناظرهم بالعلم، وفند شبههم بالعلم. فالعلم هو الذي يعصمك من الشبهات، وكذلك يبعدك عن الشهوات. ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾. فاحرصوا على العلم، بارك الله فيكم، وجدوا واجتهدوا في طلبه، وفي تحصيله، وفي كتابته، وفي حفظه، وفي مراجعته، ينفع الله بكم الإسلام والمسلمين. وفقني الله وإياكم لما يحب ويرضى. اللهم اغفر لنا وارحمنا وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم. اللهم ارزقنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً، إنك ذو الفضل العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.