الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 406، ألقاها
يشرح المقطع أهمية الاستعاذة بالله عند سماع نباح الكلب أو نهيق الحمار ليلاً، حيث ترى هذه الحيوانات ما لا يراه الإنسان. كما يشدد على أهمية هذا الفعل لتحصين المسلم من الشيطان.
يتناول شرح معاني الأحاديث النبوية حول التعوذ عند سماع نباح الكلاب أو نهاق الحمير، ويبين أن التعوذ مطلوب في أي وقت ويزداد أهمية ليلاً.
يشرح حديث النبي حول صياح الديكة ورؤية الملائكة ليلاً، ونهاق الحمير ورؤية الشياطين، مع توضيح الدعاء المطلوب في كل حالة، مثل سؤال الله من فضله عند سماع صياح الديك والاستعاذة بالله عند سماع نهيق الحمار.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله بكتابه «الأدب المفرد»، باب مباح الكلب ونهيق الحمار. قال حدثنا عبد الله بن صالح، قال حدثني الليث، قال حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن سعيد بن زياد، عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أقل الخروج بعد هدوء، فإن لله دواب يبثهن، فمن سمع نباح الكلب أو نهاق الحمار، فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، فإنهم يرون ما لا ترون». هذا الباب ترجمه بقوله «نباح الكلب ونهيق الحمار»، أي إذا نبح الكلب أو نهق الحمار، فماذا يقول المسلم؟ ذكر فيه عدة أحاديث، أو بعض الأحاديث الواردة في هذا الباب، من أحاديث جابر رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أقل الخروج بعد هدوء». قد مر معنا في الرواية السابقة في باب غلق الباب بالليل، قال: «إياكم والسير بعد هدوء الليل». وهنا قال: «أقل الخروج بعد هدوء». هذا يدعى لأنه قد يخرج الإنسان بعد الهدوء والسكون الحركة، لكن يكون قليلا، يكون هذا الخروج قليلا، يكون للحاجة. «أقل الخروج بعد هدوء، فإن لله دواب يبثهن»، يعني في ذلك الوقت، في تلك الساعة، لله جل وعلا دواب يبثهن عند هدوء الناس وهدوء الحركة وسكون الحركة، عدم حركة الناس. «فمن سمع نباح الكلب أو نهاق حمار، فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، فإنهم يرون ما لا ترون»، يعني الكلاب والحمير ترى ما لا نرى، ومعنى ذلك أنها قد ترى الشيطان، ترى الشيطان ويتمثل لها، فينهق الحمار وينبح الكلب. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم». والله جل وعلا جعل لهذه الحيوانات قدرة واستطاعة لرؤية وإدراك النفوس الشريرة من الشياطين، فلذلك أمرنا عند ذلك أن نستعيذ بالله، قال: «فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم»، أن يقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». وهذا من المناسب عند وجود الشياطين والنفوس الشريرة أن يلجأ المسلم ويعتصم بالله، «أعوذ بالله» أي ألتجئ وأعتصم بالله من شر كل ذي شر. فأنت تستعيذ بالله وتعتصم به وتلجأ إليه، فيكون هذا الدعاء مستحب عند سماع نباح الكلب أو نهيق الحمار، أنك تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم. قال وحدثنا أحمد بن خالد، قال حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن عطاء بن يسار، عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم نباح الكلاب أو نهاق الحمير من الليل، فتعوذوا بالله، فإنهم يرون ما لا ترون، وأجيفوا الأبواب، واذكروا اسم الله عليها، فإن الشيطان لا يفتح بابا أجيفا وذكر اسم الله عليه». وغطوا الجرار، وأوكي أسقيتكم، واكفئوا الآنية. هذه الرواية في تقييد هذا الذكر بالليل، «إذا سمعتم نباح الكلاب أو نهاق الحمير من الليل، فتعوذوا بالله». وهل هذا يقضي أن يكون هذا التعوذ خاص بالليل فقط؟ ونجعل هذه الرواية المقيدة مقيدة للرواية المطلقة التي قبلها؟ قد يقال بذلك، وربما خص الليل أنه أكثر ما يحصل فيه انتشار الشياطين. على أن الرواية التي قبلها كذلك قد يكون المراد بقوله: «فمن سمع نباح الكلب أو نهاق حمار»، أي في الليل، أنه ذكر أولا: «أقل الخروج بعد هدوء، فإن لله دواب يبثهن، فمن سمع»، يعني في الليل، إلا أنه لم يقيد بذلك. والأظهر والله أعلم أن هذا عام في كل وقت يسمع فيه نباح الكلب ونهيق الحمار، لكن يتأكد ذلك في الليل، أو يكثر ذلك في الليل، يكثر نباح الكلاب ونهيق الحمير في الليل أكثر من النهار، ولذلك قيد بقوله «من الليل» لأنه كما علمنا أنها تنتشر فيه الشياطين. قال: «فتعوذوا بالله، فإنهم يرون ما لا ترون، وأجيفوا الأبواب، واذكروا اسم الله عليها». أجيفوا الأبواب يعني أغلقوها، واذكروا اسم الله عليها، هذا في زيادة على ما مضى في الأبواب السابقة، ذكر اسم الله عند قفل الباب، إذا أغلق الإنسان باب بيته فيذكر اسم الله، يقول: «بسم الله» ويغلق الباب. قال: «فإن الشيطان لا يفتح بابا أجيف وذكر اسم الله عليه»، لا يفتح بابا أجيف يعني أغلق، وذكر اسم الله عليه، فلا يكون عنده أو استطاعة ولا قدرة على فتح مثل هذا الباب. قال: «وغطوا الجرار»، الجرار جمع جرة، والجرة ما يصنع من الطين، نحوه يوضع فيه الماء أو الشراب أو نحو ذلك، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتغطيته. «وأوكئوا القرب» يعني أربطوها، «وأكفئوا الآنية» يعني اقلبوها، الآنية الفارغة تقلب، كما مر معنا الكلام على ذلك في الأحاديث السابقة. قال وحدثنا عبد الله بن صالح وعبد الله بن يوسف، قال حدثنا الليث، قال حدثني يزيد بن الهاد، عن عمر بن علي بن حسين، عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن الهاد: حدثني شرحبيل، عن جابر، أنه سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أقل الخروج بعد هدوء، فإن خلقا يبثهم، فإذا سمعتم نباح الكلاب أو نهاق الحمير، فاستعيذوا بالله من الشيطان». ومر الكلام على ذلك كما قلنا في استحباب الاستعاذ بالله جل وعلا من الشيطان عند سماع نباح الكلاب ونهيق الحمير. قال: قال باب إذا سمعت ديكة. قال حدثنا عبد الله بن صالح، قال حدثني الليث، قال حدثني جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا سمعتم صياحة ديكة من الليل، فإنها رأت ملكا، فسألوا الله من فضله، وإذا سمعتم نهاق الحمير من الليل، فإنها رأت شيطانا، فتعوذوا بالله من الشيطان». وهذا الحديث في الصحيحين. هذا الباب «باب إذا سمعت الديكة»، الديكة جمع ديك، والديك هو الذكر من الدجاج، إذا سمع الديكة ماذا يقول؟ ذكر فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا سمعتم صياحة الديكة من الليل، فإنها رأت ملكا، فسألوا الله من فضله». إذا سمعتم صياحة الديكة من الليل، الحديث في الصحيحين، ليس به ذكر «من الليل»، وإنما وردت هذه الزيادة خارج الصحيح، وهي صيحة. وهل المراد بذلك تخصيص هذا الدعاء إذا صاحت من الليل فقط؟ الظاهر والله أعلم كما ذكرنا في الحديث السابق أن هذا من باب يعني الأغلب، من باب الأكثر والأغلب أن يكون الصياح من الليل، فلأجل ذلك خصه بالذكر أو التقييد بقوله «من الليل»، على أنه جاءت روايات مطلقة من غير تقييد «من الليل». وقد يكون هذا من باب ذكر بعض أفراد العام، من باب ذكر بعض أفراد العام، هذا لا يفيد التخصيص، وإنما يفيد التأكيد والتشريف، لأن الحكم واحد. إذا سمعتم صياحة ديك، فإنها رأت ملكا، فسألوا الله من فضله. وإذا سمعتم صياحة ديك من الليل، فسألوا الله من فضله، الحكم واحد. وإذا كان الحكم واحدا، فيكون هذا من ذكر بعض أفراد العام، يعني قولوا ذلك في النهار وفي الليل، لكن ذكر الليل لزيادة تأكيد. قال: «إذا سمعتم صياحة ديك»، وأديك كما ذكر أهل العلم أنه له معرفة بأوقات الليل، جعل الله سبحانه وتعالى له يعني معرفة وقدرة بمعرفة وقت الليل، فإنه ربما يصيح بأول الليل بصوت منخفض، ثم يزيد شيئا فشيئا حتى إذا طلع الفجر صاح بصوت أعلى، صاح بصوت أعلى، تنبيها لدخول وقت الفجر. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن سب الديك، قال: «لا تسبوا الديك، فإنه يوقظ للصلاة»، فإنه يوقظ للصلاة، يعني يصيح في وقت الصلاة، يصيح في وقت الصلاة. فإذا سمع صياح الديك، فإنها رأت ملكا، جعل الله عز وجل الديك قدرة على رؤية ماذا؟ الأرواح الخيرة كروية الملائكة، فإنها تراها، فإذا رأتها صاحت. فهنا نسأل الله من فضله، قال: «فسألوا الله من فضله»، يعني إذا سمعت صياح الديك تقول: «اللهم إني أسألك من فضلك». والمناسبة كما قال بعض العلماء: أن الديك يرى ملكا، فأنت تدعو وتسأل الله جل وعلا من فضله، والملائكة تؤمن على دعائك، تؤمن على دعائك، فيحصل لك بذلك تحصيل هذا الخير والفضل الذي تسأله من الله جل وعلا. قال: «وإذا سمعتم نهاق الحمير من الليل، فإنها رأت شيطانا»، أي الحمير إذا نهقت فإنها رأت شيطانا، فإننا نستعيذ بالله من الشيطان، قال: «فتعوذوا بالله من الشيطان». هذا أدب من الآداب النبوية التي أمر بها النبي عليه الصلاة والسلام، أننا إذا سمعنا صياح الديك نسأل الله من فضله، وإذا سمعنا نهيق الحمار أو نباح الكلب، فإننا نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.