قصة الصبي الذي تكلم في المهد

قصة الصبي الذي تكلم في المهد

الدرس في قصة الصبي الذي تكلم في المهد، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

قصة امرأة ترضع ابنها وتدعو له

تروي قصة عن امرأة ترضع ابنها وتدعو له بتغيير رغبته استجابة لما تراه من حولها. الرضيع يستجيب لدعاء أمه في كلتا المرتين.

تحذير من الحكم على الناس بمظاهرهم

يشرح خطورة الحكم على الناس بمظاهرهم الخارجية ويبين أن العلم هو المقياس الصحيح. الجهل يؤدي إلى التخبط في الحكم على الناس.

مكانة الأم في الإسلام وأهمية إسعادها

يبرز أهمية الأم ومكانتها في الإسلام من خلال قصة طفل رضيع. يستخلص دروسًا حول أهمية التوكل على الله وإسعاد الأم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمن روائع القصص النبوي مما حكاه لنا نبينا صلى الله عليه وسلم ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كانت امرأة ترضع ابنًا لها من بني إسرائيل»، إذن هذه قصة واقعة حصلت لمرأة كانت في بني إسرائيل. قال: «كانت امرأة ترضع ابنًا لها من بني إسرائيل، فمر بها رجل راكب ذو شارة»، رجل راكب أي مركوب ذو شارة بمعنى ذو منظر حسن، ذو منظر حسن، وجاءت روايات كذلك تبين هذا المعنى أن كان هذا الرجل ألمع بركوبه، تظهر عليه الرفاهية، تظهر عليه الرفاهية والراحة والدعة والعيش الهني. قال: «فمر بها رجل راكب ذو شارة، فقالت: اللهم اجعل ابني مثله»، دعت بهذه الدعوة علَّ وعسى أن الله عز وجل يجعل هذا الرضيع يكبر، يكون مآله وحاله كحال هذا الرجل الذي ظهر عليه الثراء. قال: «فترك ثديها»، من الذي ترك الثدي؟ الرضيع، «فترك ثديها وأقبل على الراكب ينظر إليه، فقال: اللهم لا تجعلني مثله»، اللهم لا تجعلني مثله، ثم أقبل على ثديها يمصه، رجع إلى حالته وهو التقام الثدي. قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: «كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يمص إصبعه»، نبينا صلوات ربي وسلام عليه مع ذكره لهذه الواقعة مثل كيف كان التقام الثدي من قبل هذا الرضيع، جاء في رواية في صحيح مسلم أنه أشار بالسبابة يمصها. وهذا تربية من نبينا عليه الصلاة والسلام من التربية التعليمية ما يكون بذكر الإشارة، الإشارة إخواني في الله مفيدة في التربية، مفيدة في التعليم؛ لأنها توضح المعنى، هذا من فوائدها، كذلك أنها تأكيد المسألة؛ لأن لعل التقام الثدي يفهمه بعض أنها معنى أو أنه مجاز، لكن بهذه الفعلة التي فعلها نبينا أنه التقم إصبعه صلى الله عليه وسلم يمصه حكاية عما وقع للرضيع، دل على أن الأمر حقيقي ليس فيه مجاز وليس فيه استعارة، وإنما أمور على حقيقتها. وهكذا كان نبينا يفعل ذلك في أحاديث كثيرة، مثل ما جاء عندما تلقوا الله «أن هذا صراط مستقيمًا فاتبعوه»، أخذ وخط خطًا بيده صلواته ربي وسلامه عليه خطًا طويلاً في الأرض، ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن شماله، فكان نبينا يستخدم هذه الإشارات مع ذكر الحديث من باب توضيح المعالم، من باب تأكيد المعاني إلى غير ذلك. قال أبو هريرة: «كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يمص إصبعه»، قال: «ثم مر بأمة بعد فترة»، عندما مر ذاك الراكب والذي فيه ذاك الرجل الثري والذي تظهر عليه الدعة بعد مروره، جاء موقف آخر على نقيضه، «مروا بأمة»، أي مملوكة. قال عليه الصلاة والسلام: «ثم مر بأمة، فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثل هذا»، هذه رواية البخاري بهذا اللفظ، مروا بأمة، فلما رأت الأم المرضع رأت هذا المنظر أمة، لكن جاء في رواية أنهم كانوا يضربونها، كانوا يضربونها بتهمة، يعني يقولون: زنيت، يقولون: سرقت، ويضربونها، يجرونها، مع جر هذه الأمة الضرب كان ينهال عليها، ليس فقط الضرب، بل حتى البذاء في اللسان، التهام في عرضها: زانية، سارقة، مع الضرب واللطم والجر، منظر، منظر لربما إخواني في الله يظهر لك الهوان التي كانت تعيش هذه الأمة. هذا المنظر مر على المرأة التي كانت ترضع ابنها، فلما رأت هذا المنظر ورأت هذا الهوان الذي لحق بالأمة، قالت: «اللهم لا تجعل ابني مثل هذه»، قال عليه الصلاة والسلام: «فترك ثديها الصبي الرضيع للمرة الثانية ترك ثديها، فقال: اللهم اجعلني مثلها»، اللهم اجعلني مثلها. تأمل هذا الرضيع، مر ذاك الرجل الثري الراكب صاحب الشارة الفارهة، ومع ذلك ما ود أن يكون مثله، ولما مرت هذه الأمة بما سمعتم من أوضاع أحوال تمنى أن يكون مثلها، قال: «اللهم اجعلني مثلها»، فقالت أي أمه في حوار: «لماذا؟»، كيف هذا؟ «أنا أدعو لك بهذا وأدعو لك بهذا وأنت تصد؟»، قال: «لماذا؟»، فقال: «الراكب جبار من الجبابرة، وهذه الأمة يقولون: سرقت، زنيت، ولم تقل»، وهذا يذكرنا كذلك بما جاء في البخاري أيضًا من حديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه. عندما كان نبينا في مجلس وعنده رجل، فمر رجل، فقال عليه الصاد وسلم الذي عنده: «ما رأيك في هذا؟»، هكذا في البخار، «ما رأيك في هذا؟»، فقال هذا الرجل: «يا رسول الله، إنه من أشراف الناس، إنه حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع»، ثم سكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم مر رجل آخر، فقال عليه الصلاة والسلام للذي عنده: «وما رأيك في هذا؟»، فقال: «يا رسول الله، إنه من فقراء المسلمين، حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال لم يسمع له»، هذا ماذا هذا؟ أخوان، تقييم الناس من خلال الظواهر، من خلال المظاهر الخارجية، هذا حقه كذا وكذا بما بظاهره، وهذا حقه عكس، علق نبينا صلى الله عليه وسلم فقال: «هذا الذي هو محل هوان عند الخلق هذا خير من ملء الأرض من هذا»، هذا خير من ملء الأرض من هذا. هذه الأرض إخواني في الله لو جئت بما في جعبتها، ملأتوا أناس من أمثال هؤلاء، من منهم الأشراف، ومن من لهم السؤدد والقيادة، وهم ليسوا على الدين وليسوا على ملة، هؤلاء لا يساوون شيئًا، ولو أن الأرض كثرت بهم، هؤلاء لا يساوون رجلاً من فقراء المسلمين، من فقراء المسلمين، من فقراء المسلمين، قال: «هذا خير من ملء الأرض من هذا». وهذا إخواني في الله هذا المرض المزري، ولا زال، بل يعتبر هذا من علامات الساعة، كما جاء في صحيح مسلم من حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «ويقال للرجل: ما أجلده، ما أضرفه، ما أعقله، وما في قلبه حبة خردل من إيمان»، انظر لهذه التزكية ولهذا الثناء العطر من أفواه الخلق، ما أجلده، ما أضرفه، ما أعقله، كلها من صيغ التفضيل والإعجاب، لكن قال عليه الصلاة والسلام: «وليس في قلبه الباطن مثقال حبة خردل من إيمان»، فأخواني في الله فالحكم على الناس بمظاهرهم ليس من سمة أهل الإيمان. وتأمل هذا الحديث الذي بين أيدينا يدلك على ذلك، وأيضًا في هذا الحديث إخواني في الله أن الإنسان أحيانًا قد يطلب ما فيه مضرته، قد يطلب ما فيه مضرته، فهذه الأم طلبت من الله عز وجل أن يجعل ابنها مثل هذا الراكب، ومن هو هذا الراكب؟ جبار، جبار من الجبابرة، فهذه امرأة، ما الذي فعلت؟ أنها ستود من أمين الله عز وجل أن يأتي بالمضرة على ابنها، ما الذي يؤدي إلى هذا؟ إخواني في الله الذي يؤدي إلى هذا الجهل، الجهل، الجهل. إخواني في الله هو الذي يجعل الناس يتخبطون، والذي يدفع هذا المرض العلم، بالعلم يا عبد الله كلما ازددت علمًا وبصيرة، فإن العلم هو مقياس وميزان في تقييم الرجال، في تقييم الأحوال، من عنده بصيرة وعلم يستطيع أن يميز بين الحق والباطل، وبين الهدى والرشاد من الضلال والفساد، وقس على ذلك يا عبد الله، منظر إلى قوله سبحانه وتعالى عن قارون: ﴿فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم﴾، هذا من هذا أهل الجهل، أهل الجهل، عندهم رأوه قارون بأبهته حكموا عليه بالفلاح، حكموا عليه بالسعادة، حكموا عليه بما يحبه في الدنيا والآخرة: «إنه لذو حظ عظيم»، ماذا الذي يرد عليهم؟ وقال الذين أوتوا العلم: أهل العلم، من كان عنده علم وعطاه الله بصيرة يميز بين الحق والباطل، «وي لكم»، وقال الذين أوتوا العلم: «وي لكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحًا، ولا يلقاها إلا الصابرون»، فبالعلم، فبالعلم يا عبد الله يجعلك ربنا عز وجل تميز بين الناس. وفي الحديث إخواني في الله كذلك ما عليه طبيعة الأم، طبيعة الأم من طبيعتها ومن غريزتها أنها لربما تؤثر ابنها على نفسها، انظر امرأة، الله علم بحالها، لما رأت هذا الرجل الراكب بأبهته، هل ودت أن تكون هي مثل هذا الراكب؟ قالت: «اللهم اجعل ابني مثله»، انظر، يعني الأم إخواني في الأحيان من شدة شغفها على ابنها وعلى أولادها لو ربما تنسى نفسها، تنسى وتتغافل وتتجاهل نفسها، سرعان لو كان كما قال الأصل أن الشخص يدعو لنفسه: «اللهم اجعلني مثله، اجعلني وابني مثله»، لكن نست نفسها: «اللهم اجعل ابني مثل هذا»، ولما أراد أن تدفع السوء عن ابنها نست نفسها: «اللهم لا تجعل ابني مثلها مثل تلك الأمة»، ونست نفسها. وهذا إخواني في الله غريزة في الأم، ولا زالت الأمهات، اسمعي يا عبد الله دعاء الأمهات إذا دعت لأولادها: «اللهم أفلح، اللهم أسعد، الله يسر أمرك»، وتبسط أنت تنسى نفسها، تجد أن راحتها وراحة نفسها وقلبها بسعادة أبنائها، لو ربما ضحت بمالها، بنفسها، بعمرها في سعادة أولادها، وهذا يا عبد الله شأنه أن تعرف يا عبد الله مقدار الأم، مقدار الأم. فكما أن الأم تبذل الكثير والكثير من وقتها وعمرها في سبيل إسعاد أولادها، فعليك يا عبد الله كذلك أن تتفانى أن تتفانى في إسعاد أمك، كذلك يا عبد الله مما يستفاد من هذا الحديث الاستدراك على الدعاء، الاستدراك على الدعاء، لربما يأتي دعاء في شأنك أنت، لكن أنت لا ترتضيه لك أن تدفعه، قد يكون هذا بدعائك بنفسك تدعى مثل دعاء: «اللهم... اللهم...»، ثم ارتأيت ونظرت وعلمت أن هذا الدعاء لا يناسب، وأن فيه خلل، ما الذي تفعل؟ استدرك على هذا الدعاء: «اللهم لا تستجب ما ذكرت، اللهم لا تستجب ما قلت»، تستدرك على نفسك بدعائك أو لربما بدعاء غيرك. ما فعل في هذه القصة عندما دعت الأم لابنها: «اللهم اجعلني مثله»، فقال: «اللهم لا تجعلني مثله»، لربما يقول بعض الناس يدعو لك بدعاء على حسن نية، لكن هذا الدعاء ليس بشرع وليس بوارد، ولترى أن فيه نقص في حقك، فلك أن تقول: «لا، اللهم لا تستجب»، لك أن تستدرك ذلك. وأيضًا إخواني في الله في الحديث كذلك فائدة، وإن لم تذكر في هذا الحديث، لكن ذكر في رواية في رواية مسلم أن المرأة عندما كان يجر جر بها الأمة، عندما كان يجر جر بها وهي بريئة، كما قال هذا في صحيح البخاري، قال: «وما زنيت، وما سرقت»، لكن تهمة استغلوا ضعفها فجروها في الشوارع وانهالوا عليها ضربًا واتهامًا، ماذا كانت تقول؟ في رواية مسلم: «كانت لا تعد عن قولها: حسبي الله ونعم الوكيل»، حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله ونعم الوكيل. فدل ذلك إخواني في الله على أن العبد ما استحكم عليه البلاء، وضاقت عليه الأمور، وعلم أن لا منجى ولا ملجأ من الخلق، حينها فالجأ لله سبحانه وتعالى، فوض أمرك لله، امرأة بلغت أنها أمة، واتهمت في عرضها، والناس قد صدقوا التهمة، فلا زالوا يجرجرونها وينهالوا عليها ضربًا، وهي مع ذلك موحدة، فوضت أمرها إلى الله عز وجل: «حسبي الله ونعم الوكيل»، وهكذا فلنكن عباد الله، ما من أحد إلا ويبتلى في هذه الدنيا بالمآزق والمضايق والمشاكل والأزمات والمدلهمات، حينها يا عبد الله ضاقت عليك الأمور كلها إلى الله، كلها إلى الله سبحانه وتعالى، وتستحكمت حلقاتها: «ورب نازلة يضيق بها الفتى ذرعًا وعند الله المخرج»، ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت، وكنت أظنها لا تفرج. لكن فوض أمرك إلى الله عز وجل، وقد مر معنا قديمًا لو تذكرون في قصة جريج الراهب العابد الزاهد، كيف أن القوم تآمروا عليه وتكالبوا عليه واتهموه بالزنا، بل وكسروا صومعته ووضعوا الحبل في عنقه فجرّوه وانهالوا عليه ضربًا، ما الذي فعل؟ قرية بأكملها صدقت الإشاعة، قال: «يا قوم دعوني أصلي لله»، فوض أمره إلى الله، فأظهر الله البراءة، أظهر الله البراءة. وختامًا إخواني في الله في هذا الحديث كذلك بيان لما عليه عقيدة أهل السنة والجماعة من إثبات الكرامة، من إثبات الكرامة، من هذا الذي يناقش أمه، والأم تناقش من؟ تناقش طفلاً رضيعًا، رضيع لا زال في المهد، لا زال في فترة الرضاعة، ومع ذلك أنطق الله سبحانه وتعالى هذا الرضيع بما سمعتم وبما يعقل الكبراء، وهذا دليل على كرامة من الله عز وجل، آية من آيات الله، ولا زالت الكرامات والآيات موجودة في هذه الأمة، يجعلها الله لمن شاء من عباده. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.