الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 93، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع معنى الآية الكريمة المتعلقة بعدم جعل الأنداد لله مبيناً أنها تتناول الشرك الأصغر في الألفاظ كالحلف بغير الله والتسوية في المشيئة. ويضرب أمثلة عملية كالحلف بالكعبة وقول ما شاء الله وشئت محذراً من خفاء هذا الشرك كدبيب النمل.
يبيّن المقطع أنواع الشرك في الألفاظ موضحاً أن قول لولا كذا يكون شركاً أصغر إذا اعتمد على السبب دون المسبب وأكبر إذا ساوى المخلوق بالخالق. كما يوضح تحريم الحلف بغير الله مستدلاً بحديث ابن مسعود مع جواز الحلف بصفات الله.
يوضح المقطع أن الحلف بغير الله صادقاً يعد شركاً أصغر وأعظم من اليمين الغموس لأن الشرك أعظم من المعصية. ويفرق بين قول ما شاء الله وشاء فلان المحرم وقول ما شاء الله ثم شاء فلان الجائز لتفاضل المراتب.
يشرح المقطع الفرق بين حرف العطف الواو وثم موضحاً أن الواو تفيد المساواة والجمع بينما ثم تفيد الترتيب والتراخي دون مساواة. ولذلك يجوز استخدام ثم في الحلف وغيره ولا تجوز الواو في سياقات معينة.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا ومباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. وبعد: قال الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. المراد بهذه الترجمة هو بيان بعض صور الشرك الأصغر في الألفاظ، كالحلف بغير الله، وكالتشريك بين الله وبين خلقه في الألفاظ. الحلف بغير الله كقولك: والكعبة، أو زيد، أو عمر، أو الملح، أو العيش، أو الرتبة العسكرية، أو أولادي، أو عيالي، أو زوجتي، أو نحو ذلك. والتشريك بين الله وبين خلقه في الألفاظ التي تقتضي المساواة كقولك مثلا: ما شاء الله وشئت، أو لولا الله وفلان، فهو أراد ذلك رحمه الله. ففي أبواب متقدمة ذكر ترجمة وهو قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾، فأراد بتلك الترجمة الشرك الأكبر، وبهذه الترجمة ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أراد بها الشرك الأصغر، وإن كانت الآية نزلت في المشركين الذين أنكروا توحيد الله، لأن سياق الآية من سورة البقرة والتي قرئت بها الإيمان في صلاة العشاء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. فكأنه يقول للمشركين الذين كانوا يقرون بتوحيد الربوبية: طالما أنكم أقررتم بذلك وأنتم تعلمون أن الله وحده هو الذي يخلق، وهو الذي يرزق، وهو الذي ينزل المطر من السماء، وهذه من أفعال الله من توحيد الربوبية، وكما أنكم تعلمون ذلك فلماذا تتخذون أندادا في العبادة؟ فتوحيد الربوبية يلزم منه توحيد الألوهية، فالذي يخلق، والذي يرزق، والذي ينزل المطر من السماء هو المستحق للعبادة، فلا تجعلوا لله أندادا في العبادة وأنتم تعلمون أن الله هو الخالق، هو الرازق، أو نحو ذلك. فأتممنا معنا الآية الآن، وإن كانت هذه الآية نزلت في الشرك الأكبر إلا أنها عامة فيدخل فيها كذلك الشرك الأصغر. فالذي يحلف بغير الله فقد جعل ندا لله، إذ أن الحلف لا يكون إلا بالله، فكيف حلفت بغيره فقد اتخذت هذا المحلوف به من دون الله ندا وشبيها لله، لأن الند معناه الشبيه والمثيل. وهكذا في المشيئة في التشريك، فمن أتى بلفظ الواو في المشيئة ما شاء الله سوى مشيئة العبد بمشيئة الله، لأن الواو تفيد مطلق العطف ولا تفيد ترتيبا، فسوى غير الله بالله عز وجل في اللفظ فهو شرك أصغر، فهو شرك أصغر. هذا إذا لم يعتقد أن مشيئة العبد كمشيئة الله كما سيأتي معنا. هذا هو وجه الشاهد من هذه الآية، وهذا هو المراد بهذا الباب: الكلام على بعض الألفاظ التي هي من الشرك الأصغر، التي هي من الشرك الأصغر. ولذلك من تفسير ابن عباس لهذه الآية ما أراده المؤلف، فقال ابن عباس رضي الله عنهما في الآية: الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفات سوداء في ظلمة الليل. ومعنى أخفى من دبيب النمل هو أثر ذلك الدبيب، الأثر على صفات، والمراد بالصفاء الصخرة الملساء، الصفاء الصخرة الملساء، صفات، ووصفها أنها سوداء وليست بيضاء، لماذا؟ لأنه لو كان على بياض لرأيت أثر ذلك السير أكثر، فانظر دبيب نملة أصغر أو من أصغر المخلوقات، وعلى صخرة ليست بيضاء بل سوداء، هل سيرى هذا الأثر؟ ما سيرى هذا الأثر. فالشرك في الخفاء مثل هذا، بل أيضا هذا الدبيب في ليلة ظلمة، يعني ليلة ما فيها قمر، غاية في ظلام الليل، غاية في ظلام الليل، وهذا أبلغ ما يكون من الخفاء، هذا أبلغ ما يكون من الخفاء. فهذا فيه خطورة الشرك وأنه خفي، وقد يقع فيه الإنسان وهو لا يشعر، وهو لا يشعر. ثم بين أمثلة على هذا الشرك الذي ربما يخفى على كثير من الناس، يخفى على كثير من الناس، فقال: وهو أن تقول: والله وحياتك. وهذا اللفظ فيه نوعان من الشرك، هذا اللفظ: والله وحياتك، فيه نوعان من الشرك. النوع الأول: الحلف بغير الله، لأنه قال: وحياتك، ولا يجوز الحلف بالحياة، فهذا وجه ونوع من أنواع الشرك الذي وقع في هذا اللفظ، الذي وقع في هذا اللفظ. والنوع الثاني: هو الإشراك مع الله، لأنه قال: والله وحياتك، فساوى بين الحلف بالله وبين الحلف بالحياة بالواو الذي يقتضي المشاركة، فجمع هنا بين النوعين، جمع هنا بين النوعين. وحكم الحلف بغير الله: أن يعتقد الحالف أن المقسم به بمنزلة الله في العظمة، فهذا الشرك أكبر، وهذا قد يقع من بعض الجهلة أنه يعظم ذلك المحلوف أكثر من تعظيمه لله، فمثلا بعض عباد القبور إذا قيل له في مسألة وهو كاذب فيها: احلف بالله، يحلف ولا يبالي، لكن إذا قيل له: احلف بوليي الفلاني، ينتفض وأبى أن يحلف، هذا يدل على ماذا؟ على أنه يعظم ذلك المخلوق أكثر من تعظيمه لله، إذا أنه لما طلب منه أن يحلف بالله حلف، وإذا طلب منه أن يحلف بوليه أبى أن يحلف، فهذا يقوم من الشرك الأكبر. وأما إذا هو دون ذلك، لا يعظم ذلك المحلوف تعظيم الله، وإنما هو يعني يحلف به لمنزلته في نفس هذا المحلوف به عنده، فهذا من شرك الألفاظ وهو من الشرك الأصغر. قال: وتقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص. كلبة تصغير كلبة، وهو أنثى الكلب، أنثى الكلب، يقال كلبة وكلبة، كلبة وكلبة. والمراد بهذا يعني يكون فيه كما تقدم في الدرس الذي قبل هذا، يكون فيه شرك إذا نظر للسبب دون المسبب، إذا نظر للسبب دون المسبب، وعرفنا ما معنى ذلك، أي أنه اعتمد على هذا السبب ولم يلتفت إلى مسبب هذا السبب كما تقدم معنا في الباب الذي قبل هذا. قال: ولولا البط في الدار اللصوص السرق، الكلب يكون يعني حارسا يعلم، فيكون حارسا، فلما يأتي اللصوص السرق الذي يريد أن يسرق يصيح الكلب، صح، أو الكلب هذه تصيح، فينتبه أهل البيت فيهرب السرق، يهرب السرق، فهذا سبب، سبب قدري، طيب، فلا بأس بقول ذلك إذا لم يكن هناك نظر إلى السبب دون المسبب، وإنما يقول مثل ما قال نفس السرق: لولا أنا لكنت في الدرك الأسفل من النار، هذا لا بأس به إذا لم يكن هناك نظر للسبب واعتماد على السبب دون المسبب، هذا قدري، هذا قدري، ليش يعني، ليش يعني، كيف سبب قدري؟ نحن ذكر نتعلق بهذا السبب دون نظر إلى المسبب وهو الله عز وجل، هذا أخذنا في الدرس الماضي، قد نسيتم، قلنا أن هذا اللفظ ليس على إطلاقه شرك أصغر، وإنما يكون شركا إذا اعتمد قائل ذلك على السبب، يعني ما ذكر ربه عز وجل، وما علق هذا الأمر بالله سبحانه وتعالى، إنما علقه بالسبب، وعظم السبب، وأن السبب هذا هو الذي منع سرقة، منع اللصوص من أن يسرقوا بيته، فإذا اعتمد على هذا السبب ولم يلتفت إلى المسبب وهو الله عز وجل، فهذا الذي يكون من الشرك الأصغر، واضح هذا الآن. قال: ولولا البط في الدار لأتانا اللصوص، والبط بارك الله فيكم هو طائر معروف، وإذا دخل اللص البيت وهذا الطائر موجود في البيت فإن هذا الطائر يصرح، يصدر صوتا، فينتبه أهل البيت، فإذا، فإذا، فإذا سمع اللصوص صوت هذا الطائر هرب، هو ما يهجم ولا يفعل شيء، وإنما يصدر صوتا فينتبه، ينتبه أهل البيت، فهذا معنى قولي: ولولا البط في الدار لأتانا اللصوص، كما تقدم، لو نظر هذا إلى السبب دون المسبب وتعلق بالسبب دون المسبب، فهذا هو شرك اللفظ. قال: وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، هذا فيه شرك، لماذا؟ لأنه شرك غير الله مع الله بالواو، قال: ما شاء الله وشئت، فإن اعتقد أنه يساوي الله عز وجل في التدبير والمشيئة فهذا شرك أكبر، اعتقد أن مشيئة هذا المخلوق كمشيئة الله، أو سابق على مشيئة الله، أو له تدبير كتدبير الله، فهذا شرك أكبر. أما إذا لم يعتقد ذلك فهو مجرد شرك في اللفظ، لا يجوز، لا يجوز، لماذا لا يجوز؟ لأنه ساوى في اللفظ رب العالمين بالمخلوق، والعبد له مشيئة لكنها تابع لمشيئة الله، ولذلك سيأتي معنا أنه يجوز أن تقول: ما شاء الله ثم شئت، أو ثم شاء فلان، لأن ثم لا تقتضي المساواة لأنها تفيد العطف مع التراخي، والتراخي يدل على أن قائل هذا قدم الله عز وجل على المخلوق، أما الواو فتفيد مجرد المشاركة والمساواة، مجرد المشاركة والمساواة، فكأنك تقول: ما شئت وشاء الله، لأن الواو لا تفيد ترتيبا ولا تفيد تراخي، فلما تقول: جاء زيد وعمر، يصح أن الأول الذي جاء زيد، ويصح أن الأول الذي جاء عمر، لأن الواو لا تفيد ترتيبا، بخلاف يقول: جاء زيد ثم عمر، من الذي جاء أول؟ زيد، لأن ثم تفيد الترتيب مع التراخي، فالترتيب مع التراخي يدل على أن قائل ذلك قدم الله عز وجل على المخلوق، طيب، فهذا لا بأس به يجوز، أما إذا أتيت بالواو فهذا يقتضي المساواة وهذا لا يجوز. ومثله: لولا الله وفلان، التي ذكرها بعد هذا، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلالا، قال: هذا كله به شرك، رواه ابن أبي حاتم، يعني شرك أصغر، وقد يكون شرك أكبر على التفصيل المتقدم. قال: وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف بغير الله فقد كفر وأشرك»، رواه الترمذي وحسن. وبعضهم نبه أن هذا الحديث ما جاء عن عمر، إنما جاء عن ابن عمر، هل لحد عندكم هذا التنبيه؟ نبه على هذا الشيخ ابن عثيمين في كتابه القول المفيد، ونقله عن صاحب تيسير العزيز الحميد، أن الحديث هذا جاء عن ابن عمر، ونسبته إلى عمر فيه خطأ. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف بغير الله»، فقوله: من، يشمل كل محلوف به سوى الله، فيشمل النبي، ويشمل الملائكة، ويشمل الجن، ويشمل كل شيء، وبيت الله، كل ذلك لا يجوز الحلف به، لأنه قال: من حلف، فيشمل أي كل شيء يحلف به سوى الله، لا يجوز أن تقول: والكعبة، ولا والنبي محمد، ولا وجبريل، ولا شيء من ذلك. وقوله: بغير الله، طيب، هل يشمل الحلف بغير الله صفات الله؟ لا، صفات الله يجوز الحلف بها، لماذا؟ لأنها تابعة للموصوف، فيجوز أن تقول: وعزة الله، والعزة ليست اسما من أسمائه، إنما هي صفة من صفات، لأن الصفات تابعة للموصوف، فيجوز ذلك، وإنما لا يجوز الحلف بالمخلوق، لا يجوز الحلف بالمخلوق. وقوله: بغير الله، ليس المراد بغير هذا الاسم، وإنما المراد بغير المسمى بهذا الاسم، فيشمل الحلف بالرحمن، الحلف بالرحيم، الحلف برب الكعبة، واضح هذا الآن، لا تظن أن قوله: بغير الله، يعني بغير هذا الاسم فقط، لا، وإنما بغير هذا المسمى الذي يدل عليه هذا الاسم، فيصح أن تقول: والذي نفسي بيده، ويصح أن تقول: ورب الكعبة، ويصح أن تقول: والعزيز الحميد، كل ذلك يصح لأنه اسم من أسماء الله. وقوله: فقد كفر وأشرك، هذا شك من الراوي، هذا شك من الراوي، والأقرب والله أعلم إثبات الشرك، إثبات الشرك، لأن الحلف بغير الله هو شرك، وهذا هو وجه الشاهد من إرادته في هذا الباب، أن من شرك الألفاظ الحلف لغير الله. قال: رواه الترمذي وحسن، وصححه الحاكم، وكذلك صححه العلامة الألباني في صحيح الترمذي، في صحيح الترمذي. قال: وقال ابن مسعود رضي الله عنه: «لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا». قال العلماء: هذا من باب التفضيل الذي ليس فيه شيء من الجانبين، بمعنى أن ابن مسعود لا يحب لا هذا ولا هذا، لا يحب أن يحلف بالله كاذبا، ولا يحب أن يحلف بغير الله صادقا، صح، لأن ذاك معصية وهذا شرك، فهنا التفضيل ليس فيه شيء من الجانبين، ولكن يريد أن الحلف بالله كاذبا أهون عليه من الحلف بغيره صادقا، لماذا؟ انتبه الآن: الحلف بالله كاذبا، كأن تقول مثلا: أنت ما أعطيته مالا، تقول: والله أعطيتك مالا، هذا حلف بالله كاذبا، صح، أنت ما أعطيته، وتحلف أنك أعطيته، وأنت كاذب في هذا، فهذا معصية، صح، هذه معصية لأنك حلفت بالله، فهو أهون من أن تحلف بغير الله، أهون من أن تقول وأنت صادق: أعطيته مال، وأنت صادق، فتقول مثلا: والنبي محمد أعطيتك مالا، هذا أشد من قولك وأنت كاذب: والله أعطيتك مالا، وأنت ما أعطيته. إذن لماذا الحلف بالله كاذبا أهون عليه من الحلف بغيره صادقا؟ لأن الحلف بالله كاذبا محرم من وجهين، محرم من وجهين: الوجه الأول: أنه كذب، والكذب محرم لذاته، الكذب محرم لذاته، والوجه الثاني: قرن باليمين، أو قرن باليمين، يعني هذا الحلف قرن باليمين، باليمين، بمن؟ بالله عز وجل، واليمين تعظيم لله، فالذي يحلف كاذبا هذا دليل على أن تعظيمه بالله عز وجل ناقص، صح، أنه ناقص، فلذلك صار الحلف بالله كذبا محرم، أما الحلف بغير الله صادقا فهو شرك، وأيهما أعظم؟ الشرك أم المعصية؟ الشرك أعظم من المعصية، الشرك أعظم من المعصية، فهذا الحديث دل على أن الحلف بغير الله وإن كنت صادقا من الشرك الأصغر، من الشرك الأصغر، وهذا هو الشاهد من إرادته في هذا الباب، أن من شرك الألفاظ الحلف بغير الله. قال: وعن حذيفة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان»، رواه أبو داود بسند صحيح، يعني هذا الحديث، وهو كذلك صححه العلامة الألباني. قالوا: والعلة في ذلك أن الواو كما تقدم تقتضي تسوية المعطوف بالمعطوف عليه، فمن سوى بين مشيئة الله ومشيئة المخلوقين فهذا شرك، والتفصيل تقدم: إن كان يجعل مشيئة العبد في التدبير كمشيئة الله عز وجل فهو شرك أكبر، وإن كان مجرد لفظ فهو من الشرك الأصغر، فهو من الشرك الأصغر. ثم قال: ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان، كما تقدم، لأن ثم للترتيب والتراقي، فتفيد ماذا؟ تفيد أن المعطوف أقل مرتبة من المعطوف عليه، أقل مرتبة من المعطوف عليه، لأنه أخره، لأنه أخره، فقدم لفظ الجلالة، ولا يمكن أن يتقدم على مشيئة العبد، لأن ثم تفيد الترتيب والتراقي. وهذا الحديث فيه فائدتان مهمتان: الفائدة الأولى: إثبات المشيئة للعبد، خلافا لأهل البدع والضلال من القدرية، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. والفائدة الثانية: فيه أن من سد على الناس بابا محرما أن يفتح لهم الباب المباح، فلما نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن قول: ما شاء الله وشاء فلان، بين لهم ما يحل من ذلك، فقال: يقول: ما شاء الله ثم شاء فلان، ثم شاء فلان، واضح هذا لان. قال: وجاء، وجاء عن إبراهيم النخعي أنه يكره أن يقول الرجل: أعوذ بالله وبك، ويجوز أن يقول: أعوذ بالله ثم بك، يعني: أعوذ بالله ثم بك، قال: ويقول: لولا الله ثم فلان، ولا يقول: لولا الله وفلان. والعياذ يعني: أعوذ، العياذ هو الاعتصام بالمستعاذ به عن المكروه، واللياذ هو اللجوء إليه لطلب المحبوب. فهنا يقول: يجوز أن تقول: أعوذ بالله وبك، طيب، قد يقول قائل: سبق معنا أن من الشرك في الاستعاذة بغير الله أن تقول مثلا: أعوذ بفلان، صح، فكيف الآن تقول: يجوز أن تقول: أعوذ بالله ثم بفلان؟ هل يجوز الاستعاذ بمخلوق؟ ها، كيف يكره: أعوذ بالله وبك، لكن قال: يجوز أن تقول: أعوذ بالله ثم بفلان، صح، يعني يجوز أن تقول: أعوذ بالله ثم بك، طيب، هل تجوز الاستعاذ بالمخلوق؟ سيكون الجواب: نعم، تجوز فيما يقدر عليه ذلك المخلوق، فهذا اللفظ يجوز فيما يقدر عليه ذلك المخلوق، فمثلا: إنسان يستطيع أن يعينك في زوال هذا الشر، عدو أراد أن يهجم عليك، فتقول: أنا سأتعوذ بالله ثم بك من شر هذا العدو، فهذا يجوز إذا كان يقدر هذا المستعاذ به على دفع شر هذا العدو، لكن متى ما يجوز؟ لو قال: أعوذ بالله ثم بفلان، وهذا فلان ميت، هذا لا يجوز، لأن من شرط الاستعاذة أن تكون من قادر، وهذا ميت، أو تستعيذ بإنسان غير قادر، فهذا أيضا لا يجوز، فإذا هذا القول فيه تفصيل: أعوذ بالله ثم بك، فإن كان هذا المخلوق قادرا على أن يعينك على زوال هذا المكروه فتجوز الاستعاذة به بعد مجيء ثم، أما مجيء الواو لا يجوز، واضح، وإذا لا يقدر على أن يعينك فهذا لا يجوز، ويكون من الشرك الأكبر، واضح هذا الآن، هذا هو التفصيل. قال: فيه مسائل، وتفصيل: آية البقرة في الأنداد، وقلنا الأنداد بمعنى الأنظار والأشباه، والمراد بهم من يعبدون من دون الله كما تقدم. الثاني: أن الصحابة يفسرون الآية النازلة في الشرك الأكبر بأن تعم الأصغر، لأن الآية نزلت في مشركي العرب الذين يقرون بتوحيد الربوبية ولا يقرون بتوحيد الألوهية، طيب، فهي في الشرك الأكبر، لكن يجوز أن تنزلها في الشرك، ماذا؟ الأصغر، الأصغر، لأن الآية عامة. الثالث: أن الحلف بغير الله شرك، لحديث ابن عمر: «من حلف بغير الله فقد أشرك». الرابع: أنه إذا حلف بغير الله صادقا فهو أكبر من اليمين الغموس، واليمين الغموس هي اليمين التي يعقدها صاحبها وهو يعلم أنه كاذب، سميت غموس لأنها تغمس صاحبها في النار. الخامس: الفرق بين الواو ثم في اللفظ، وتقدم معنى أن الفرق أن الواو تفيد المساواة، وأن ثم لا تفيد المساواة، فيجوز في هذه الألفاظ في الحلف أو في غيره الإتيان بثم، ولا يجوز الإتيان بالواو كما تقدم، ونكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم. أكب أيها العبد، أكب، أكب، أكب، أكب، د