التعليق على كتاب التوحيد 97

الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 97، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

النهي عن التسمي بأسماء تختص بالله وأدلة تحريمها

يشرح الشيخ محمد بن عبد الوهاب تحريم التسمي بأسماء تختص بالله كقاضي القضاة وملك الأملاك وسلطان السلاطين لكونها مشاركة في الربوبية. ويستدل بحديث أبي هريرة في صحيح مسلم أن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك لا مالك إلا الله.

حكم الألقاب المطلقة والمقيدة ولقب شيخ الإسلام

يشرح المقطع أن التسمي بأسماء التعظيم المطلقة مثل ملك الأملاك من أخنع الأسماء عند الله بينما أحب الأسماء ما دل على العبودية كعبد الله. ويبين أن الألقاب المقيدة كقاضي قضاة اليمن لا تدخل في النهي المطلق لكن الأولى تركها، وأن لقب شيخ الإسلام جائز إن أريد به المجدد في الدين.

الشرك اللفظي في ألقاب الملك وإثبات صفة الغيظ

يبيّن المقطع أن إطلاق ألقاب الملك المطلق كمالك الأملاك وسلطان السلاطين على البشر شرك لفظي حتى لو لم يقصد المعنى الحقيقي. ويثبت لله صفة الغيظ كما يليق بجلاله مستدلاً بحديث أغيظ رجل على الله يوم القيامة من تسمى بملك الأملاك.

النهي عن الألفاظ الموهمة للشرك بغض النظر عن القصد

يؤكد المقطع أن الألفاظ التي تتضمن معنى الشرك أو المساواة بالله تُنهى عنها شرعاً حتى لو لم يقصد المتكلم معناها الحقيقي. ويوضح أن التغليظ في النهي عن مثل هذه العبارات مطلوب مع القطع بعدم قصد القلب لمعناها الظاهر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله محمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قال الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله: "باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه". وقوله: "باب التسمي" يعني وضع الشخص لنفسه هذا الاسم، أو رضاه به من غيره أن يسمى، أن يسمى به من غيره فيرضى بذلك. أما إن سُمّي به، أي سماه به غيره وهو غير راضٍ، فهذا لا يدخل في أنه... يعني ليس عليه شيء، ذلك المسمى ليس عليه شيء. وإنما المراد بالتسمي: وضع الشخص لنفسه هذا الاسم، أو وضعه له غيره ورضي بذلك. وقوله: "بقاضي" بمعنى حاكم، والمراد بالقضاة هم الحكام، أي الحكام. والمعنى: التسمي بحاكم الحكام، أو بملك الأملاك، أو سلطان الصلاطين، أو ما أشبه ذلك، كل هذا بمعنى واحد. ولذلك قال: "ونحوه". قال: "ونحوه". طيب، ما مناسبة ذكر هذا الباب في كتاب التوحيد؟ المناسبة: أن من تسمى بهذا الاسم فقد جعل نفسه شريكاً مع الله فيما لا يستحقه إلا الله، لأنه يجب أن لا يجعل لله نداً في النيات والأقوال والأفعال. فلا يسمى أحد باسم فيه نوع مشاركة، لا يسمى أو يسمي أحد باسم فيه نوع مشاركة لله في أسمائه وصفاته. فأنت لما تسمي "قاضي القضاء"، هذا الله عز وجل... يعني جعلت هذا المسمى بهذا الاسم مثل الله عز وجل، فالله هو القاضي فوق كل قاضي، وهو الذي له الحكم، ويرجع إليه الأمر كله. وكيف أنت تسمي به مخلوقاً؟ فيمت الآن وجه الشاهد: الآن لما يسمى فلان "قاضي القضاء"، فالله هو القاضي فوق كل قاضي، فكيف أنت تقول: هذا قاضي القضاء؟ أنا جعلته مثل الله عز وجل، لأن الله هو قاضي القضاء، وهو ملك الأملاك، وهو سلطان الصلاطين سبحانه وتعالى. فلذلك هذا فيه نوع مشاركة لله عز وجل في أسمائه أو صفاته. هذا هو وجه الشاهد من إرادة هذا الباب في كتاب التوحيد. وقوله: "وفي الصحيح عن أبي هريرة"، يريد بالصحيح هنا صحيح مسلم، فهذا الحديث رواه الإمام مسلم. ونبهنا كثيراً أن شيخ الإسلام إذا قال "الصحيح"، أي شيخ محمد عبد الوهاب النجدي، إذا قال "الصحيح" فقد يراد به البخاري ومسلم، وقد يراد به أحدهما. بل وبعض المواضع قد يريد بالصحيح الحديث الصحيح وإن لم يخرجه البخاري ومسلم، وهذا يحتاج إلى الرجوع إلى أصل الحديث، الرجوع إلى أصل الحديث تستطيع أن تعرف مراد الشيخ رحمه الله. قال: "في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله»". وقوله: "إن أخنع اسم"، سيأتي معنى "أخنع" بمعنى أوضع اسم، والمراد بالاسم هنا يعني المسمى، يعني أخنع اسم لهذا المسمى عند الله: رجل تسمى ملك الأملاك. فمن هو ملك الأملاك؟ هو الله عز وجل، ولذلك قال: "لا مالك إلا الله"، لا مالك إلا الله. فكيف أنت تسمي بشراً "ملك الأملاك"؟ فهذا فيه سوء أدب مع الله سبحانه وتعالى. ولماذا صار هذا الاسم من أخنع الأسماء، يعني من أوضع الأسماء؟ قال العلماء: لأن هذا المسمى بهذا الاسم جعل نفسه في مرتبة عليا، جعل نفسه في مرتبة عليا، لأن الملوك أعلى طبقات البشر وأعلى مناصب البشر، صح؟ فهذا من حيث السلطة طبعاً، من حيث السلطة، فهذا جعل مرتبته فوق مرتبة الناس، وهذا لا يكون إلا لله، فهو فوق كل أحد سبحانه وتعالى. ولهذا عوقب بنقيض قصده، عوقب هذا المسمى بهذا الاسم بنقيض قصده، فصار اسمه من أوضع الأسماء عند الله عز وجل، لأن قصده ماذا؟ أن يتعاظم. ما سمى نفسه بهذا الاسم إلا من أجل ماذا؟ أن يتعاظم وأن يتعالى، أن يتعاظم وأن يتعالى حتى على الملوك، فأهين بأن جعل اسمه من أوضع الأسماء، من أوضع الأسماء، فأهين بهذا. ولهذا كان أحب الأسماء إلى الله ما دل على التذلل وعلى الخضوع، مثل ما هي أحب الأسماء إلى الله: "عبد الله" و"عبد الرحمن"، لأن فيها تذلل وخضوع لله، إذ نسب هذا المسمى إلى عبودية الله: "عبد الله"، "عبد الرحمن"، فصار هذان الاسمان من أحب الأسماء إلى الله. أما الأسماء التي فيها تعاظم وفيها تعالٍ، فهذه من أوضع الأسماء. وضع هذا الآن لأنها تدل على الجبروت والعياذ بالله، وعلى السلطة والتعظيم، فعوقب بنقيض قصده، فجعل اسمه من أخنع الأسماء، يعني من أوضع الأسماء، من أوضع الأسماء. هذا هو المراد. قال: قال سفيان: "مثل شاهان شاه"، يعني ها أو "شاهن شاه". أنا عندي "شاهان شاه"، عيش عندك "شاهن شاه". "شاهان" الصواب "شاهان" يعني بالفارسية، هذه كلمات باللغة الفارسية. فـ"شاهان" جمع بمعنى أملاك، جمع ملك بمعنى أملاك، و"شاه" مفرد بمعنى ملك، والتقدير: أملاك ملك. وهذا في اللغة الفارسية يقدمون المضاف إليه على المضاف، يقدمون المضاف إليه على المضاف، وإلا فالتقدير باللغة العربية معناه: ملك الأملاك، ملك الأملاك. هذا باللغة... الفارسية، باللغة الفارسية. فـ"شاهان" بمعنى أملاك، و"شاه" مفرد بمعنى ملك. ففسر سفيان ما يعني يتسمى به بعض الملوك بـ"شاهان شاه" بمعنى ملك الأملاك. طيب، في هنا مسائل تذكر عند هذا الباب: منها أولاً: إذا أضفنا القضاء وحصرناها مثلاً بطائفة معينة أو ببلد معين، مثل: نقول هذا "قاضي قضاة اليمن" أو "قاضي قضاة قبيلة بني فلان"، هل يدخل هذا في النهي؟ الصحيح أنه ما يدخل في النهي لأن هذا مقيد، لكن الأفضل الابتعاد ولو كان مقيداً، لأن تسمية هذا الحاكم أو ذاك القاضي بهذا الاسم فيه فتنة، وفيه مدح وإعجاب، فربما يفتن عندما يسمى بهذا الاسم، فيترك لأجل هذا. وأما هل هو يدخل في النهي أنه "أخنع اسم عند الله"؟ لا، لأنه مقيد، ليس مطلقاً، وإنما النهي جاء في الاسم المطلق الذي لا يقيد بشيء، الذي لا يقيد بشيء. طيب، أيضاً يذكر أمر آخر: وهو لفظ "شيخ الإسلام"، هل تدخل في هذا الباب؟ فصل العلماء في ذلك، فقالوا: إذا أريد به "شيخ الإسلام" أريد به الذي يرجع إليه الإسلام، فهذا لا يجوز، لأن ما أحد يرجع إليه الإسلام، لأن بشر هؤلاء بشر يعلمون ويخطئون، يعلمون ويجهلون، ويصيبون ويخطئون، فلا يجوز أن تقول "شيخ الإسلام" وتقصد بذلك أن الإسلام يرجع إليه. وإنما يجوز إذا أردت به: جدد في الإسلام، "شيخ الإسلام" بمعنى جدد في الإسلام، وحصل له أثر طيب في الإسلام، يعني في الدفاع عن هذا الدين، قل: "شيخ الإسلام" لأنه جدد، فهذا يجوز. وهذا مرادهما السنة بإطلاق "شيخ الإسلام" على مثلاً شيخ الإسلام ابن تيمية، أو شيخ الإسلام محمد عبد الوهاب النجدي، أو شيخ الإسلام ابن القيم، وهم يريدون أن هؤلاء يعدون من المجددين للإسلام، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام، والحديث صحيح ويحسنه جمع من أهل العلم: «إن الله يبعث على رأس كل مئة سنة من يجدد لها أمر دينها»، فالتجديد وارد، فأهل السنة لما يقولون "شيخ الإسلام" ما يريدون أن الإسلام يرجع إليه، وإنما يريدون بذلك أنه جدد في الإسلام. فرق بين المعنيين، فرق بين المعنيين. هذا هو المراد، هذا هو المراد. وقوله: "لا مالك إلا الله"، يعني لا مالك على الحقيقة، الملك المطلق إلا الله، فلا يجوز إطلاقه لغير الله، فلا تقول "ملك الأملاك" على بشر أو على حاكم، ولا "حاكم الحكام"، ولا "سلطان الصلاطين"، ولا "ملك القلوب"، فالذي يملك القلوب هو الله. لا يجوز أن تقول لحاكم: هذا "ملك الملوك" أو هذا "ملك الإنسانية"، كذلك هذا لا يجوز، لأن هذا الإطلاق فيه نوع مشاركة لله سبحانه وتعالى، فهذا من شرك الألفاظ، فيحذر من هذا، يحذر من هذا. وقال: "وفي رواية: «أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه»". ومعنى "أغيظ": الغيظ هو بمعنى الغضب، لكن قال العلماء: هو أشد من الغضب، هو أشد من الغضب. واستدل العلماء بهذا الحديث على إثبات الغيظ لله عز وجل كما يليق بجلاله، كإثبات الغضب. أهل السنة يثبتون الغضب لله لأنه ورد به الحديث، ورد به الحديث: «يغضب الله من رجلين» الحديث، وكذلك هذه الرواية أثبتت الغيظ لله عز وجل، فيثبتونه كإثباتهم صفة الغضب وغيرها، لكن لا كغضب المخلوقين ولا كغيظ المخلوقين، فهذا لا يعلمه إلا الله، فنثبت ذلك لله عز وجل كما يليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى، سبحانه وتعالى. قال: قوله "أخنع" يعني أوضع، وهذا قد تقدم معنا: "أخنع الأسماء" يعني أوضع وأسفل وأدنى الأسماء. قال: فيه مسائل: الأولى: النهي عن التسمي بـ"ملك الأملاك" أو ما كان نحوه، لذلك قال بعدها: الثاني: أن ما في معناه مثله، كما قال سفيان، سواء كان باللغة العربية أو بغيرها. هذا يفيد فائدة أخرى: حتى لو بلغة أخرى واشتهر هذا، مثل فلان يقال له "شاهان شاه"، فيقال: هذا ما يجوز لأن معناه "ملك الأملاك"، وكذلك "حاكم الحكام" أو "قاضي القضاء" أو ما كان بمعناها، كل ما كان فيه هذا المعنى فلا يجوز التسمي به. الثالث: التفطن للتغليظ في هذا ونحوه، مع القطع بأن القلب لم يقصد معناه. ومن أين أخذنا هذا التغليظ؟ من قوله: "أخنع اسم"، "أغيظ رجل على الله"، يعني أن الله يغضب عليه من رجل تسمى "ملك الأملاك"، "ملكي الأملاك"، فلا شك أن هذا فيه تغليظ، لكن مع القطع بأن القلب لم يقصد معناه، يعني لا نقول: هذا فلان يقال له "حاكم الحكام" و"قاضي القضاء" ولا يقصد أنه فوق الله أو أنه مثل الله، فيقال: لا، حتى ولو لم يقصد اللفظ هذا لا يجوز. وهذا مرت معنا مسائل كثيرة، لو تذكرون قريباً ماذا مر معنا؟ أن مجرد اللفظ لا يجوز ولو لم يقصد حقيقة هذا الأمر، مثل ماذا مر معنا قريباً؟ وقلنا: القصد لا يعتبر به، سواء قصد أو لم يقصد، مثل ماذا قريباً؟ مرة معنا مثل ماذا؟ مثل "ما شاء الله وشئت"، لو قال: قال: "أنا ما أقصد أن مشيئة هذا العبد مساوية لمشيئة الله"، فيقال له: هل يقال له إذن لا؟ بسا تقول: هذا، هل يقال هذا لا؟ مع أن قصده ليست المساواة، لكن لما كان اللفظ فيه شرك فينهى عنه ولو لم يقصد صاحبه، وهذا مثله. التفطن للتغليظ في هذا ونحوه مع القطع بأن القلب لم يقصد معناه، لم يقصد أنه مثل الله وأنه فوق الله في الحكم أو القضاء أو السلطة أو نحو ذلك، فهذا لا يلزم. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.