الدرس في كتاب الصيام 14، ألقاها
يستحب صيام يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع، كما يستحب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، لما لهذه الأيام من فضل وأجر عظيم. صيام ثلاثة أيام من كل شهر يعادل صيام الدهر.
الأفضل صيام أيام البيض وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، كما أن صيام يوم وإفطار يوم يعتبر من أفضل أنواع الصيام لما ورد في الحديث النبوي. هذه الأيام لها فضل عظيم وأجر كبير.
صيام داود مستحب لمن يستطيع الاستمرار عليه دون إخلال بالواجبات، أما إذا كان يتعارض مع حقوق واجبة فيجب الابتعاد عنه. الاستمرار على القليل من العمل الصالح هو أحب إلى الله.
المداومة على الأعمال الصالحة حتى لو كانت قليلة هو أمر يحبه الله تعالى، وهذا يشير إلى أهمية الاستمرار في الطاعات مهما كانت بسيطة. الاستمرارية في العمل القليل أفضل من التوقف.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -طقه الله في ذكره- للصيام المستحب: قال الرابع، صوموا الاثنين والخميس من كل أسبوع، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام الاثنين والخميس. الحديث رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني رحمه الله. يتحرى يعني ينظر متى يأتي يوم الاثنين فيصومه، ومتى يأتي يوم الخميس فيصومه، كان يتقصد صيام هذين اليومين. ولقوله صلى الله عليه وسلم: «تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم». فقد رواه الترمذي والنسائي وأبو داود، فبين عليه الصلاة والسلام أن الأعمال تعرض يوم الاثنين والخميس، فكان يصوم من أجل ذلك حتى يعرض عمله وهو صائم. وفي الصحيح كذلك سؤال عليه الصلاة والسلام عن صيام يوم الاثنين، فقال: «ذاك يوم ولدت فيه، وبعثت فيه، وأنزل علي فيه». فصيام الاثنين والخميس من كل أسبوع مستحب. قال الخامس، صيام ثلاثة أيام من كل شهر، لقوله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر: «صم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر». والحديث الصحيح: «صم من الشهر ثلاثة أيام، اليوم بحسنة، والحسنة بعشر أمثالها». فاليوم الواحد يعادل عشرة أيام بعشرة حسنات، فثلاثة أيام بثلاثين يوما، فالصيام ثلاثة أيام من كل شهر كصيام الدهر، أي كصيام السنة. قال عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام». والحديث في البخاري من حديث أبي هريرة. وجاء أيضا من حديث أبي الدرداء أن النبي عليه الصلاة والسلام أوصاه بنحو ذلك. الشاهد قوله: «بصيام ثلاثة أيام من كل شهر»، أوصى النبي عليه الصلاة والسلام أبا هريرة بذلك، وأوصى أبا الدرداء رضي الله عنه بذلك، فيدل هذا على استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر. وهذه ثلاثة أيام يستحب صيامها، سواء كانت في أول الشهر أو في وسط الشهر أو في آخر الشهر، من أي أيام الشهر فإنه يستحب لمن أراد أن يصوم ثلاثة أيام أن يصومها. لكن يستحب أن تكون أيام البيض، قالوا: يستحب أن تكون الأيام البيض، يعني هذه الثلاثة الأيام التي يريد أن يصومها من أيام الشهر يحرص أن تكون من أيام البيض. قال: وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، لحديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان منكم صائما من الشهر فليصم الثلاثة البيض». رواه أحمد والنسائي. وجاء تعيينها أيضا في بعض الأحاديث، بعض الروايات حديث أبي ذر. وسميت أيام البيض بذلك لاكتمال القمر فيها، وكثرة انتشار نور القمر، فسميت بذلك أيام البيض لبياض لياليها ونورها. إذن يستحب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، والأفضل أن تكون هذه الثلاثة أيام أيام البيض، اليوم الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر. قال السادس، صوم يوم وإفطار يوم، لقوله عليه الصلاة والسلام: «أفضل الصيام صيام داود، كان يصوم يوما ويفطر يوما». والحديث في الصحيحين. قالوا: هذا من أفضل أنواع التطوع، فالنبي عليه الصلاة والسلام جعل صيام داود من أفضل الصيام، صيام يوم وإفطار يوم. قال: «أفضل الصيام صيام داود عليه السلام، كان يصوم يوما ويفطر يوما، وهو صوم نصف الدهر». هذا لمن قوي عليه وأمكنه أن يصومه مع القيام بما أوجب الله سبحانه وتعالى عليه في الحقوق الأخرى، فلا بأس أن يصوم صيام داود. أما أنه سيصوم صيام داود ثم يعطل ما عليه من حقوق، فيصوم مثلا ويترك العمل والتكسب، أو يصوم ويضعف عن العبادة والمحافظة على الصلاة مثلا في جماعة أو نحو ذلك من الواجبات والحقوق، فهذا لا يجوز، لأنه سيفعل مستحبا ويترك واجبا. فإذا كان يستطيع أن يقوم بمثل هذا الصيام -وهو مستحب- مع المحافظة على ما عليه من الواجبات، سواء لحقوق الله أو في حقوق العباد، فحينئذ لا بأس أن يصوم صيام داود. وإلا فيقتصر على الصيام بما هو أقل من ذلك. والنبي عليه الصلاة والسلام أوصى عبد الله بن عمر حين أخبره أنه يصوم كل يوم أن يصوم ثلاثة أيام من الشهر، قال: «أجد قوة». قال: «فصوم يومين وأفطر يومين». قال: «أجد قوة». قال: «فصوم يوما وأفطر يوما». قال: «أجد قوة». قال: أفضل من ذلك، ما في أحسن من صيام يوم وإفطار يوم، كان عنده قوة وهمة. ثم ندم عبد الله بن عمر على عدم أخذه بوصية النبي عليه الصلاة والسلام حين كبر، ولو أنه أخذ بها لكان خيرا له. فالاقتصاد في العبادة أمر مطلوب، أن تعمل العبادة وإن كانت يسيرة مع استمرار ومداومة، هذا أحب إلى الله، كما قال عليه الصلاة والسلام: «أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل». قليل مع المداومة هذا خير، تصوم ثلاثة أيام من كل شهر أو الاثنين والخميس مع الاستمرار، هذا أفضل من أن تصوم يوما وتفطر يوما شهرا أو شهرين ثم تترك. لا شك أن الاستمرار على القليل من العمل مع المداومة هو أحب إلى الله جل وعلا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.