التعليق على أصول في التفسير للعثيمين  7

التعليق على أصول في التفسير للعثيمين 7

الدرس في التعليق على أصول في التفسير للعثيمين 7، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

قاعدة عموم اللفظ وخصوص السبب في التفسير

يقرر الدرس القاعدة الأصولية القائلة بأن العبرة بعموم اللفظ القرآني لا بخصوص سبب النزول، مستدلاً بآيات اللعان التي نزلت في هلال بن أمية ثم شملها النبي صلى الله عليه وسلم لغيره كعويمر العجلاني. ويؤكد أن الحكم الشرعي يعم كل من اتصف بالوصف المذكور في الآية بغض النظر عن السبب الخاص لنزولها.

تقسيم القرآن إلى مكي ومدني وخصائصهما العامة

يستعرض المقطع مدة نزول القرآن البالغة ثلاثاً وعشرين سنة، مقسمة إلى ثلاث عشرة سنة مكية وعشر مدنيات، مع تعريف السور المكية بما نزل قبل الهجرة والمدنية بما نزل بعدها مستدلاً بآية الإسراء وحديث عمر. ويبين الفرق الجوهري في الأسلوب حيث يغلب على المكي الشدة والقوة مخاطباً الكفار، وعلى المدني اللين والسهولة مخاطباً المؤمنين.

الفوارق الأسلوبية والموضوعية التفصيلية بين النوعين

يفصل الدرس في اختلاف الأسلوب من حيث قصر الآيات وقوة المحاجة في المكي مقابل طول الآيات وذكر الأحكام في المدني، مع تباين المخاطبين. كما يوضح الفوارق الموضوعية بغلبة التوحيد والعقيدة والقصص والأقسام في السور المكية، وغلبة تفصيل العبادات والمعاملات والجهاد وأحوال المنافقين في السور المدنية.

إعجاز القرآن بالحروف المقطعة في السور المكية

يختم الدرس بالحديث عن إعجاز القرآن الكريم بلغة العرب، مبيناً أن الحروف المقطعة هي حروف اللغة العربية نفسها التي برعوا فيها، مما يجعل القرآن معجزة في جنس بلاغتهم. ويشير إلى كثرة هذه الحروف في السور المكية تحديداً كدليل على التحدي والإعجاز البياني.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: قال العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله في كتابه "أصوله في التفسير": "عموم اللفظ وخصوص السبب". يعني قد تأتي آية لها سبب نزول في رجل معين أو في حادثة معينة، فلا نقول: إن هذه الآية خاصة بهذا الرجل أو خاصة بهذه الحادثة. لا، العبرة يقولون: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وهذا يضاف إلى معرفة أسباب النزول. لا تظن أن الآية إذا نزلت في شخص بعينه -كما تقدم معنا في مثال الآية التي نزلت في الظهار، أو الآية التي نزلت في اللعان- فلا تختص بمن نزلت فيه، بل تعم كل من وقع في مثل هذا من لعان أو ظهار أو نحو ذلك. فهذا معنى قولهم: عموم اللفظ وخصوص السبب. قال: "إذا نزلت الآية لسبب خاص ولفظها عام كان حكمها شاملاً لسببها، الحكم شامل عام لكل ما يتناوله لفظها؛ لأن القرآن نزل تشريعاً عاماً لجميع الأمة، فكانت العبرة بعموم لفظه لا بخصوص سببه". وقوله: "لأن القرآن نزل تشريعاً عاماً" يعني: ليس لفرد واحد من الأفراد يخص بحكم والبقية لا يشملهم هذا الحكم، لا، الحكم عام لكل مسلم اتصف بهذا الأمر الذي بسببه نزلت هذه الآية. قال: "مثال ذلك آيات اللعان". ومعنى اللعان: رجل زوج دخل على زوجته فوجد عندها رجلاً أجنبياً يواقعها، وليس معه شاهد. ما في الله وحده تعرفون أن إثبات الزنا يثبت بأربعة رأوا الميل في المكحلة، صح؟ وهذا الزوج الوحيد ما معه أحد، ورأى الميل في المكحلة: رجل مع زوجته، فقال: "رأيت فلاناً يفعل بزوجتي كذا وكذا". فإذا أقرت الزوجة انتهينا، لكن إذا أنكرت، قالت: "لا، أنا كذاب، أنا ما فعلت هذا". كيف الحل؟ الحل الملاعنة كما جاء في الآيات من سورة النور. قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: 6]. يشهد أربع شهادات: يقول: "والله إني رأيت هذا الرجل يواقعها"، "والله إني رأيت هذا الرجل" أربع مرات، والخامسة يقول: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: 7]، فيقول في الخامسة: "لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين". هذا ملاعنة. ثم هي كذلك تحلف أربع شهادات، وتدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، تقول: "والله إنه كاذب فيما رماني به"، "والله إنه كاذب"، "والله إنه كاذب" أربع مرات، وتقول في الخامسة: ﴿وَغَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: 9]. هذه تسمى ماذا؟ ملاعنة. خلاص، يفرق بينهما إلى الأبد. ولا شك أن أحدهما كاذب، صح؟ لا بد أن أحدهما كاذب. فهذه الآية لها سبب نزول. قال الشيخ هنا: "مثال ذلك آيات اللعان، وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: 6-9]". قال: "به صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء، يعني قال: يا نبي الله، رأيت شريك بن سحماء وقع على امرأتي. قذفها بذلك، وسمي قذفاً لأن الله أعلم بالحقيقة، لكن تبين فيما بعد أنه هو الصادق كما سيأتي. قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «البينة أو حد في ظهرك». هات البينة شهوداً، وإلا سيقام عليك حد القذف، وهو كم جلدة؟ ثمانون جلدة. فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ما لست كذاب، صادق. فلينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد". الحد، هكذا قال هذا الصحابي. فنزل جبريل وأنزل عليه -أي النبي صلى الله عليه وسلم-: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾، فقرأ حتى بلغ: ﴿إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، فلاعن النبي صلى الله عليه وسلم بينهما. إذن هذه الآية لها سبب نزول، صح؟ لها سبب نزول في هلال بن أمية، هذا سبب خاص، الآن صح؟ هذا سبب ماذا؟ خاص. قال: "فهذه الآيات نزلت بسبب قذف هلال بن أمية لامرأته، لكن حكمها شامل له ولغيره، وهذا الشمول ورد فيه دليل آخر". قال: "بدليل ما رواه البخاري من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه أن عويمر العجلاني جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، رجل وجد مع امرأته رجلاً، أيقتله فتقتلونه، أم كيف يصنع؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قد أنزل الله القرآن فيك وفي صاحبتك»، فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بالملاعنة بما سمى الله في كتابه، فلاعنها". الحديث. إذن قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد أنزل الله القرآن فيك وفي صاحبتك». عممه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الرجل الآخر وهو عويمر العجلاني، صح؟ مع أن هذه الآية نزلت في هلال بن أمية، فإذن العبرة في عموم اللفظ لا بخصوص السبب. فأي مسلم وقعت له هذه الحادثة يكون هناك الملاعنة، فالآية عامة وإن كان سببها خاص. واضح هذا الآن. قال: "المكي والمدني". قال: "نزل القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم مفرقاً في خلال ثلاث وعشرين سنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوحي إليه وهو ابن أربعين سنة، صح؟ فلما أكمل الخمسين، أو كان في الخمسين، أو في الثلاث وخمسين سنة، لما كان في الثلاث وخمسين سنة هاجر من مكة إلى المدينة، فمكث في المدينة عشر سنوات، ثم توفاه الله وهو يبلغ من العمر ثلاثاً وستين سنة، صح؟ فإذن المجموع بعد الرسالة ثلاث وعشرون سنة: ثلاث وعشرون فوق أربعين ثلاث وستون، واضح؟ فهذا معنى قوله: خلال ثلاث وعشرين سنة. فمنذ أن أرسل إليه إلى أن توفاه الله وهو يوحى إليه، أو يوحى إليه عليه الصلاة والسلام، فكان فترة نزول القرآن خلال هذه السنوات ثلاث وعشرين سنة، ينزل مفرقاً". وعنى مفرقاً: يعني ليس في شهر واحد كله نزل القرآن، وليس في سنة ولا سنتين، وإنما في ثلاث وعشرين سنة على حسب الحوادث والمواقف والحاجة. قال: "قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثرها بمكة؛ لأنه جلس كم فيها؟ ثلاثة عشر سنة جلس في مكة بعد ما أوحي إليه عليه الصلاة والسلام ثلاثة عشر سنة، وأما في المدينة فجلس كم؟ عشر سنين. فأكثر ما قضاها عليه الصلاة والسلام في مكة". قال: "قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثرها بمكة". قال الله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾ [الإسراء: 106]. وجه الشاهد: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ﴾، يعني ليس دفعة واحدة، ليس جملة واحدة، وإنما مفرقاً. هذا هو دليل نزول القرآن مفرقاً. قال: "ولذلك قسم العلماء رحمهم الله تعالى القرآن إلى قسمين: مكي ومدني. هناك قرآن يسمى القرآن المكي، هناك قرآن يسمى القرآن المدني. وهذا تجده في القرآن في كتابة بعض السور: قل لك هذه السورة مكية، هذه السورة مدنية، هذه السورة بعض آياتها مكية وبعض آياتها مدنية. فما المراد بذلك؟ قال: فالمكي ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم قبل هجرته إلى المدينة. انتبه: ليس ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم في مكة يسمى مكي، لا، وإنما ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة إلى المدينة هذا يسمى مكي. ما الفرق بين العبارتين؟ ما الفرق بين قولنا: ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم قبل هجرته إلى المدينة، أو ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة؟ ما الفرق بين العبارتين؟ وإن نزل في مكة... نعم، فهمت ماذا الآن؟ ها، وسيدلل الشيخ على ذلك". قال: "فالمكي ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم قبل هجرته إلى المدينة، والمدني ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة. فما قبل الهجرة يسمى مكي، وما بعد الهجرة يسمى مدني. وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3] من القسم المدني. لماذا من القسم المدني مع أنها ما نزلت هذه الآية في المدينة؟ نعم، لأنها نزلت بعد الهجرة. هذه نزلت في حجة الوداع، نزلت في حجة الوداع". قال: "وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ من القسم المدني، وإن كانت قد نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بعرفة". وفي صحيح البخاري عن عمر، وأيضاً في مسلم هذا الحديث عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه». هذا لما جاءه اليهودي، جاء إلى عمر وقال: يا معشر المسلمين، لقد نزلت عليكم آية لو نزلت علينا معاشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيداً. فقال عمر رضي الله تعالى عنه: «والله إني لأعرف في أي يوم وفي أي مكان نزلت، نزلت في يوم عرفة» -أو كما قال رضي الله تعالى عنه- قال: «قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم، نزلت وهو قائم بعرفة يوم جمعة». إذن هذا هو الفرق بين القرآن المكي والقرآن المدني: ما نزل على النبي قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعد الهجرة فهو مدني. قال: "ويتميز القسم المكي عن المدني من حيث الأسلوب والموضوع. الأسلوب: ما يتعلق بالألفاظ. الأسلوب: ما يتعلق بالألفاظ، والموضوع: ما يتعلق بالمعاني. فتستطيع إن ضبطت هذه الفوارق بين المدني والمكي أن تعرف هذه الآية أهي مكية أو مدنية من خلال الأسلوب أو الموضوع". فمثلا قال هنا: "أما من حيث الأسلوب فهو الغالب في المكي قوة الأسلوب وشدة الخطاب؛ لأن غالب المخاطبين معرضون مستكبرون، ولا يليق بهم إلا ذلك. اقرأ سورتي المدثر والقمر. اقرأ مثلا سورة القمر تجد أسلوبها يعني فيه شيء من قوة الأسلوب ومن شدة الخطاب، كقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: 2-3]، يعني آيات فيها شيء من شدة الخطاب. وهكذا في سورة المدثر، قال الله عز وجل: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَن أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: 11-17]، إلى آخر الآية، فيها شيء من ماذا؟ من شدة الأسلوب؛ لأن الخطاب للكفار. بخلاف الأسلوب المدني، ولذلك قال هنا: أما المدني فالغالب في أسلوبه اللين وسهولة الخطاب؛ لأن غالب المخاطبين مقبلون وهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم، مقبلون منقادون. اقرأ سورة المائدة فهو خطاب للمؤمنين بلفظ الإيمان في آيات كثيرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 54]، أسلوب كما ترى، الشيء فيه شيء من اللين والسهولة. ﴿الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾، قال الله سبحانه وتعالى كما في سورة التوبة: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة: 71]، آيات فيها شيء من أسلوب اللين وسهولة الخطاب. هذا في الآيات المكية... الآيات المدنية. هذا أول فارق من حيث الأسلوب بين المكي والمدني". قال: "ثانياً: الغالب في المكي قصر الآيات وقوة المحاجة؛ لأن غالب المخاطبين معاندون مشاقون، وخوطبوا بما ينغطظه حالهم -لأنهم لا يتحملون طول الآيات، صح؟ هم معرضون- فتجد أسلوب القرآن المكي فيه قصر الآيات، ربما الآية الواحدة كلمتان أو ثلاث كلمات. قال الله عز وجل: ﴿وَالتُّورِ﴾ [الطور: 1]. قال الله عز وجل في سورة الطور: ﴿وَالتُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ * وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ [الطور: 1-5]، آيات قصيرة. وقال الله عز وجل في هذه السورة: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [الطور: 47-48]، هذا في سورة ماذا؟ القمر، صح؟ ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ في سورة الطور، ﴿الْقَمَرِ﴾ [القمر: 1]، في سورة القمر أيضاً مكية، ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: 1]، وأين انشق القمر؟ في مكة، وهي معجزة من معجزات الرسول عليه الصلاة والسلام. وهكذا في سورة الطور، قال الله عز وجل: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: 35-36]، آيات قصيرة وفيها قوة المحاجة، يحاجهم بذلك: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾، فهذا من أسلوب ماذا؟ القرآن المكي". قال: "وأما المدني فالغالب فيه طول الآيات وذكر الأحكام مرسلة بدون محاجة؛ لأن حالهم تقتضي ذلك، هم مؤمنون منقادون، ما يحتاجون إلى محاجة ولا إلى كذلك اختصار، وإنما بسط وبيان للأحكام الشرعية. وهذا تجده في السورة المدنية، اقرأ آية الدين في سورة البقرة، أطول آية في القرآن، صفحة كاملة، هذه نزلت في المدينة، فيها بيان أحكام المدينة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282]، الآية. واضح هذا الآن؟ فهذا كذلك يعني... يعني فارق من فوارق الفوارق بين القرآن المكي والقرآن المدني في الأسلوب، يعني في اللفظ. وأيضاً بعضهم ذكر فارقاً ثالثاً لم يذكره الشيخ هنا، وهو أن الغالب على السور المكية القسم، القسم، مثل: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: 1]، ﴿وَالْعَصْرِ﴾ [العصر: 1]، هذه مكية. طيب، فالغالب عليها المكية القسم، وقد يكون في المدني لكن قليل. هذا ذكره أيضاً بعض العلماء". قال: "وأما من حيث الموضوع... يعني الأسلوب... يعني المعاني، الموضوع بمعنى المعاني. قال: أولاً: الغالب في المكي تقرير التوحيد والعقيدة السليمة، خصوصاً ما يتعلق بتوحيد الألوهية والإيمان بالبعث؛ لأن غالب المخاطبين ينكرون ذلك. مثل سورة مثلاً التغابن: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: 7]، تقرير البعث، والدعوة إلى التوحيد، والدعوة إلى العقيدة السليمة، هذا الغالب في القرآن ماذا؟ المكي؛ لأن الغالب على المخاطبين كفار. بخلاف القرآن المدني". قال: "وأما المدني فالغالب فيه تفصيل العبادات؛ لأن استقر الإيمان وظهرت العقيدة الصحيحة، فاحتاج المسلمون إلى بيان أحكام دينهم. فالمدني الغالب فيه تفصيل العبادات والمعاملات؛ لأن المخاطبين قد تقرر في نفوسهم التوحيد والعقيدة السليمة، فهم في حاجة لتفصيل العبادات والمعاملات. هذا أيضاً فارق آخر يتعلق بالمعنى". قال: "ثانياً: يعني من الفوارق من حيث الموضوع، يعني المعنى: الإفاضة في ذكر الجهاد وأحكامه والمنافقين وأحوالهم في القسم المدني لاقتضاء الحال؛ لأن الجهاد بالسيف والسنان ما شرع إلا فيما بعد، فغالب آيات الجهاد إنما هي مدنية، مثل سورة الأنفال ومثل سورة التوبة، فهذه سور مدنية. الإفاضة يعني الإكثار. وقد تذكر بعض آيات في ذكر الجهاد في السور المدنية... في السور المكية، لكنها قليلة، أما الإفاضة في ذكر الجهاد وأحكامه هذا يكون في السور المدنية". قال: "الإفاضة في ذكر الجهاد وأحكامه والمنافقين وأحوالهم في القسم المدني لاقتضاء الحال ذلك، حيث شرع الجهاد وظهر النفاق، بخلاف القسم المكي". وذكروا هناك فوارق أخرى تتعلق كذلك بالموضوع، منها: أن من صفات السور المكية ذكر صفات المشركين كوأد البنات وغيرها، فهذا كان من صفات المشركين فيكون في السور ماذا؟ السور المكية. السور المكية مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: 8]، فإذا ذكرت صفات للمشركين فهذا الغالب أنها مكية. وكذلك السور المكية كثير ما يذكر فيها القصص، إلا سورة البقرة. لماذا المكية يذكر فيها القصص؟ لأن المشركين أنكروا رسالة النبي عليه الصلاة والسلام، وقالوا: أساطير الأولين، وقالوا: ساحر، قالوا: كاهن. فمن صدق رسالته عليه الصلاة والسلام إخباره عن أحوال الأمم السابقة وقصص الأنبياء الذين قبله، فهذا الغالب يكون في السور ماذا؟ المكية. الغالب يكون في السور المكية. وكذلك ذكروا أيضاً أن الغالب على السور المكية أنها تبدأ بالأحرف المقطعة، إلا سورة البقرة وآل عمران والرعد مختلف فيها، فأكثر السور التي تبدأ بالأحرف المقطعة مكية، مكية. وعلى تفسير أنها يعني أحرف اللغة العربية التي هي لغة العرب، فبهذه الأحرف هذا القرآن يعني باللغة العرب، وهذا معجزة للنبي عليه الصلاة والسلام على بجنس ما كان يتقن العرب وهي اللغة العربية، فهم كانوا أهل البلاغة والفصاحة، فالغالب في الأحرف المقطعة في السور المكية. نكتفي بهذا إن شاء الله، ونكمل ما بقي في درس قادم. إلى هنا والله تعالى. اشتركوا في القناة، اشتركوا في القناة.