شرح كتاب لم الدر المنثور 44

الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 44، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

أهمية الحفظ في الصغر ومرحلة الشباب لطلب العلم

يبرز المقطع فضيلة الحفظ في سن مبكرة لثبوته في الذاكرة وسهولة مراجعته، مستدلاً بآثار الصحابة كابن عباس وأبي هريرة وآيات قرآنية. ويؤكد أن مرحلة الشباب هي الفرصة الذهبية لتلقي العلم وحفظ القرآن والمتون قبل عوائق الكبر ومسؤولياته.

فضل طلب العلم في الصغر وعاقبة التفريط عند الكبر

يضرب المقطع مثل النقش على الحجر للشاب والنقش على الطين للكبير لبيان رسوخ العلم المبكر وصعوبة ثبوته لاحقاً مع المشاغل والأمراض. وينقل نصيحة عروة بن الزبير لبنيه باستغلال وجود العالم، مستشهداً بإقبال الغرباء على علم الشيخ مقبل الوادعي.

الندم على تفويت العلم ووجوب المبادرة به

يحذر المقطع من حسرة تفويت الاستفادة من العلماء الأحياء، مستشهداً بوصية عروة بأن يطلب الأبناء العلم صغاراً لينفعوا الناس كباراً. ويذكر بأن أشد الهول يوم القيامة أن يُسأل العبد عن دينه فيجهله، داعياً للمبادرة لتصحيح العبادة والمعاملات.

الدعاء الختامي والصلاة على النبي

يختتم المتحدث المجلس بالدعاء إلى الله تعالى بطلب الفقه في الدين والهداية والتسديد في القول والعمل. ويصلي ويسلم على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، مختتماً بالحمد لله رب العالمين.

  • 20 جمادى الأولى 1439هـ - 05/02/2018مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: قال المؤلف حفظه الله في "لآلئ الدر المنثور من القول المأثور" في الباب الحادي والعشرين: الحث على الحفظ في الصغر، والأسباب المساعدة للحفظ، وأفضل أوقاته. وهذا باب من أبواب العلم كان يهتم به سلفنا الصالح رحمهم الله، وهو أنهم كانوا يحفظون في صغرهم، ويحثون كبار أبناءهم على أن يهتموا بالحفظ في الصغر؛ لأن الحفظ في الصغر يثبت في الذاكرة وفي القلب. فعندما يهتم الصغير بالحفظ في البداية لعدم انشغاله بشيء من أمور الحياة الدنيا، فإن ذلك يساعده عندما يصير بعد ذلك كبيرًا مشغولًا. فكم من شخص يحفظ وهو صغير يظل ذلك الحفظ في ذاكرته حتى وهو كبير، بخلاف الكبير؛ فإنه لكثرة مشاغله، وخاصة أمور بيته عندما يكون له ذرية: أولاد وزوجة، وذلك أو عنده عمل يعمله لأجل أن يقتات به، فإنه يصعب عليه. ولأن الإنسان كلما تقدم في السن فإن ذاكرته تضعف ويزيد نسيانه، إلا من رحم الله. فهذا باب عظيم، فالشباب عليهم أن يهتموا في البداية بالحفظ، فيحفظوا القرآن يبتدؤون به، ثم يحفظوا كذلك الحديث النبوي، ويحفظون أيضًا المتون المساعدة على طلب العلم قبل الانشغال، قبل أن يشغل الشخص بزوجة وأولاد وعمل ونحو ذلك. وهذا مجرب، فالذي يهتم في البداية بالحفظ ويرسخ الحفظ في قلبه يساعده بعد ذلك إذا أتته أمور يشغل بها، ويقل فيه ماذا الطلب، يقل فيه مثلًا المذاكرة والمراجعة؛ لأن كل حفظ يحتاج إلى مراجعة، ما من حفظ تحفظه إلا وهو يحتاج إلى أن تتذاكره مع شخص آخر أو في درس أو نحو ذلك، ويحتاج كذلك منك إلى تثبيت. فالنبي عليه الصلاة والسلام أخبرنا في الحديث الشريف أن القرآن العظيم أشد تفلّتًا من الإبل في عقلها، يعني: إذا لم تتعاهده. فإذا حفظته وأنت صغير يساعدك ذلك إذا كبرت، فأنت تحتاج إلى المراجعة لكتاب الله عز وجل. فالصلاة مثلًا، الصلاة عندما تكون إمامًا تساعدك على أنك تحفظ كتاب الله ويرسخ في قلبك، يعني ما ينسى. ولهذا تجد التكرار، التكرار حتى عند كبار السن يجعلهم يحفظون السور الصغيرة، لماذا يحفظون السور الصغيرة؟ لأنها تكرر دائمًا دون السور الكبيرة. فالقرآن يحتاج إلى تعاهد منا بقراءته يوميًا، وكذلك تسميعه ومراجعته، فهذا يفيدنا كثيرًا. يقول في الباب: قال ابن عباس رضي الله عنهما: «ما بعث الله نبيًا إلا شابًا، وما أوتي العلم إلا شابًا». قال: «عالم خير له منه وهو شاب أيضًا». قال: «إلا شابًا» اختصار الكلمة، «وما أوتي العلم إلا شابًا، وما أوتي العلم إلا شابًا». يعني: الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عندما يبعثون كانوا في قوة شبابهم. فنبينا عليه الصلاة والسلام بُعث في الأربعين وهو قوة الشباب، وإلا مرحلة الشباب تبدأ قبل ذلك، لكن عندما يبلغ الشخص الأربعين مكتمل العقل، فيجمع بين اكتمال عقله وقلبه ووعيه مع فتوته وشدته وقوته في جسمه. لهذا بُعثوا في اكتمال شبابهم عليهم الصلاة والسلام، وذلك لأنهم يتلقون الوحي من الله سبحانه وتعالى. لهذا نستفيد من هذا الأثر العظيم، أثر ابن عباس، أنه ما بعث الله نبيًا إلا شابًا، أن مرحلة الشباب مرحلة مهمة في تلقي العلم النافع. وقال وقرأ: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾، فإبراهيم كان فتى شابًا عندما كسر تلك الأصنام عليه الصلاة والسلام، فهم وصفوه بالفتوة بالقوة، أي في مرحلة الشباب عندما فعل ذلك بأصنامهم. وقال وقرأ: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾، أيضًا موسى عليه الصلاة والسلام كان معه الفتى، وهذا يدل على أن موسى لم يكن كبيرًا عليه الصلاة والسلام عندما كان رسول النبي. وقال وقرأ: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾، إنهم فتية آمنوا بربهم أيضًا، أصحاب الكهف الذين دخلوا الكهف كانوا شبابًا، كانوا فتية في مرحلة الشباب. فالأثر يستدل به على أهمية مرحلة الشباب في العلم النافع والحفظ، وكذلك تبليغ الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى قبل أن يهرم الشخص فلا يستطيع أن يفعل شيئًا. قال أبو هريرة رضي الله عنه: «من تعلم العلم وهو شاب كان كوشم في حجر، ومن تعلم العلم بعد ما يدخل في السن كان كالكاتب على ظهر الماء». وهذا الأثر واضح منه رضي الله عنه، أبو هريرة يقول: من تعلم العلم وهو شاب وهو قادر على تحمل المشاق، فإن العلم يرسخ في قلبه، ويكون مثل الذي يفعل الوشم، وهو الكتابة بشيء ما في حجر، يعني يفعل الوشم في حجر. وإذا كتب على الحجر فإنه لا يمحى، إذا كتب ونقش على الحجر فإنه لا يمحى ويظل آلاف السنين، كما وجدت تلك الآثار على بعض الجبالحيانًا يجدون كتابة قديمة جدًا لعمرها آلاف السنين، آلاف السنين يكتبون على الجبال ويظل هذا النقش على الحجر دليلًا على الأثر الباقي من هذا، الذي يريدون أن يكتبوه كذلك في قلبك أنت أيها الشاب عندما تحفظ، فإن ذلك يظل في قلبك إلى أن يشاء الله سبحانه وتعالى. وأما في حال الكبر فيصاب الإنسان بماذا؟ بالأمراض التي تنسيه، أو الأشغال التي تنسيه، فيعاني كبار السن من ماذا؟ من عدم ثبوت الحفظ والعلم في قلوبهم. وهذا مرحلة معروفة، يعني كثير منهم مرحلة معروفة أنهم إذا تقدموا في السن يقولون: نسينا، بسبب المشاغل ونحو ذلك. وهذا يدل على أهمية مرحلة الشباب أيضًا كما تقدم ذكره في الآيات الكريمات. قال الحسن البصري رحمه الله: «العلم، أي الحفظ في الصغر، كالنقش في الحجر». وهذا الأثر من الحسن البصري يتداوله الناس: «العلم في الصغر كالنقش في الحجر، والعلم في الكبر كالنقش في المدر». والمدر هو الطين، إذا نقشت عليه يأتي الماء وتأتي كذلك الرياء وتمحوه بعد فترة من الزمن، فلا يثبت النقش في المدر، وهكذا بخلافه النقش في الحجر يثبت. يقول: العلم في الصغر، العلم بمعنى أنك تحفظ، تحفظ وتتلقى العلم النافع وأنت صغير، فيثبت ذلك في قلبك ولا تنساه أبدًا. وهذا مجرب عند كثير من إخواننا الذين طالبوا العلم وهم صغار، يعني في مرحلة الشباب، فإن العلم يرصخ في قلوبهم ولا ينسون تلك المعلومات. يقول لك: قال الشيخ الفلاني، ربما قبل عشرين سنة، سمعت الشيخ الفلاني قبل عشرين، قبل ثلاثين سنة، ولا زال ذلك الأثر، يعني الكلام أو تلك الواقعة، راسخة في ذهنه كأنه يراها رأي العين وهو صغير، بخلاف ما لو رأى شيء وهو كبير، أو سمع شيئًا وهو كبير. وتعرفون أن بعض الأمراض تصيب عندما يكبر الإنسان، مثل الزهايمر، هذا مرض معروف ومنتشر كثير الآن عند كثير من كبار السن الذين يبلغون الخمسين والستين وما فوق ذلك، فإنهم يصابون بمثل هذا المرض، وهو النسيان، يعني يذكرون قليلًا وينسون كثيرًا. فحتى بعضهم ينسى الأشخاص، ينسى هذا من أهله، وينسى من أقاربه، وربما نسي من أولاده. فمرض الشيخوخة، هذه الأمراض تصيب الإنسان وهو كبير. وقال: وقال عروة بن الزبير رحمه الله، ويلقب بالصابر المحتسب. هذه نصيحة الآن سيأتي بها رحمه الله، عروة بن الزبير ينصح أولاده بماذا ينصحهم؟ يقول لبنيه: «يا بني، إن أزهد الناس في عالم أهله، فهلموا إلي فتعلموا مني، فإنكم توشكون أن تكونوا كبار قوم. وإني كنت صغيرًا لا ينظر إلي، فلما أدركت من السن ما أدركت جعل الناس يسألونني، وما شيء أشد على امرئ من أن يسأل عن شيء من أمر دينه فيجهله». نصيحة طيبة: أولاً يقول لهم: إن أكثر الناس يزهدون في العالم هم أهله، يعني عشيرته وبنو بلده يزهدون في العلم النافع. وهذا أيضًا مشاهد وواقع وحاصل. فربما يأتي عالم من العلماء في بلد ما، فلا ترى أهل تلك البلد يقبلون عليه، بل يقبل عليه أهل البلاد الأخرى، فيأتونه من أطراف هذه البلاد، وربما من بلدان بعيدة. نضرب لكم مثلًا: شيخنا مقبل رحمه الله تعالى، دائمًا يأتي بهذا بأثر عروة، يذكره في بعض دروس، فيقول: «أزهد الناس في العالم أهله». يعني: من الذي التفّ حول الشيخ؟ الذين أتوا يطلبون العلم، مركزه عامر من شتى بقاع الأرض، حتى من أمريكا وروسيا. انظروا من بلاد بعيدة، وأهله الذين هم عشيرته وقرابته قليل، كانوا قليل جدًا بالنسبة لغيرهم. فالمفروض أن العالم يقبل عليه من يقبل عليه أهل بلده، يستفيدون منه لا غيرهم، فهم أولى الناس به، فهم أولى الناس به. وربما بعضهم يقول: نريد شيخًا، نريد من يدرسنا، نريد من يعلمنا، وهو موجود بينهم. فإذا فقد ذلك الشخص بأن ذهب ورحل عنهم أو توفاه الله عز وجل، تأسفوا وتحسروا وقالوا: يا ليتنا كنا وكنا، يعني: يا ليتنا طلبنا العلم، يا ليتنا استفدنا. فهذا واقع وأمر نشاهده، فكثير من الشيوخ وكذلك العلماء وطلاب العلم الكبار يجتهدون في بلدانهم، فيصيح الشباب من بداية الأمر: نريد، نريد، ثم بعد ذلك إذا جاء هذا الشخص لا يلتفون حوله إلا من رحم الله، قليل من يلتف حول ذلك الشخص من أهل بلده، فيأتون من بلاد أخرى يستفيدون من هذا، وأهل بلده لا يستفيدون منه، والله المستعان. فيقول عروة لبنيه: «يا بني، أزهد الناس في العالم أهله، فهلموا إليه». يقولهم: تعالوا تعلموا مني، وذلك بعدما صار عالمًا كبيرًا وشيخًا كبيرًا، يعني في العلم. فعروة ممن يحدث كثيرًا عن عائشة بأحاديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فحدث عن كبار الصحابة، لأن عروة اهتم بالعلم وهو صغير، فكان يذهب إلى كبار الصحابة ويأخذ، يأخذ منهم، يسمع: ماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيحدثونه لأنه مهتم بالعلم. فلما بعد ذلك احتيج إليه، جلس رضي الله عنه ورحمه الله، فجلس يحدث بحديث النبي عليه الصلاة والسلام حينما فقد الآخرون. قال: «فهلموا إلي فتعلموا مني، فإنكم توشكون أن تكونوا كبار قوم». أنت اليوم يا أخي، بارك الله فيك، صغير، يعني في السلم، فلا تقول: من ما يأخذ مني الآن وأنا صغير؟ ما حد سيحتاج إليه. ربما يأتيك الشيطان بوساوس لأنك ما زلت صغيرًا، فيأتيك يقول لك: من سيستفيد منك؟ أنت لا شيء. فيثبطك عن الاستمرار في طلب العلم. لا يا أخي، حاول أنك تستعيذ بالله سبحانه من هذه الوساوس، أن تستفيد ما دمت صغيرًا، أقل شيء أن ترفع الجهل عن نفسك، أنك تتعلم كتاب الله وسنة رسوله ودين الله عز وجل، لأجل أن تصحح عبادتك ومعاملاتك، فتتعامل مع الله سبحانه وتعالى ومع خلقه بكتابه وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام. فإذا بعد ذلك زادك الله من فضله واحتاج الناس لك في بلدك، فأنت إن شاء الله تنفعهم. فاستمر في طلب العلم وتزود من الخير، تزود ما دمت صغيرًا وشابًا، اقرأ واحفظ واجلس، فإن ذلك بإذن الله إذا كبرت الناس سيحتاجون إليك. ويقول لبنيه: «يا بني، إنكم اليوم صغار، لكن غدًا إن شاء الله إذا كبرتم وتقدمتم في العمر ستكونون كبار أقوامكم، الناس سيحتاجون إليكم». ما يحتاج الناس إلا إلى العلم النافع، فأنت تتلقى وأنت صغير، ثم تبثه بعد ذلك وأنت كبير، فتجلس في مسجدك وفي بلدك، الناس يحتاجون إلى علمك. فهذه نصيحة قيمة ينبغي علينا أن نتفكر فيها من عروة بن الزبير رحمه الله. قال: «إني كنت صغيرًا لا ينظر إلي، فلما أدركت من السن ما أدركت جعل الناس يسألونني». يعني: بعدما كبرت، ما ينظر إليك وأنت صغير، أي وأنت في العلم ما زلت تطلبه، يعني ما يأتي أحد يستفتيك، ما يأتي أحد يسألك. لا تحزن على ذلك، فليس هذا هو الشأن، الشأن أنك تتلقى وتحفظ وتتعلم، حتى إذا كبرت بإذن الله عز وجل فإن الناس لا شك سيأتون إليك ويستفتونك ويسألونك، فتكون وأنت صغير قد أدركت هذه المسائل من مشايخك ومعلميك، فتقول: والله أذكر أن هذه المسألة جوابها كذا وكذا. فتأتي بعدما قرأت وتعلمت وتلقيت، فتأتي تنفع الناس بعد ذلك بالعلم. قال: «وما شيء أشد على امرئ من أن يسأل عن شيء من أمر دينه فيجهله». هذا شديد، يعني: أنت مسلم وأنت طالب علم وتتلقى العلم، فيأتي يسألك واحد عن مسألة صغيرة من الدين، يقول لك: ما حكم كذا؟ والله أنا صليت وحصل مني كذا كذا، أنا سافرت، فيسألك عن مسائل السفر، يسألك عن مسائل الوضوء، عن مسائل الصلاة، عن مسائل بعض الزكاة والصيام: أنا فعلت كذا وكذا. قال: ما في أشد على النفس، وهذا ممن يعرف قدر العلم. قال: «ما شيء أشد على النفس من أن يسأل الشخص عن شيء من أمر دينه وهو جاهل به، وهو جاهل». والله ما أدري، أمر دينك أنت ما تعرفه. فانتبه يا عبد الله لمثل هذا. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا وأن يهدينا وأن يسددنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الحمد لله رب العالمين.