شرح لمعة الإعتقاد 18

الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 18، ألقاها

تعريف الإيمان وأقسامه عند أهل السنة

الإيمان هو قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان. يشمل هذا التعريف أعمال القلوب وأعمال الجوارح.

الرد على المخالفين لتعريف الإيمان

يرد المقطع على المرجئة والخوارج والمعتزلة في تعريفهم للإيمان، حيث خالفوا أهل السنة في اعتبار الأعمال جزءاً من الإيمان. المرجئة أخرجوا الأعمال من الإيمان، بينما الخوارج والمعتزلة كفروا مرتكب الكبيرة.

تفنيد قول المرجئة وتوضيح زيادة الإيمان ونقصانه

يناقش ويرد على قول المرجئة بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، مستنداً إلى الأدلة الشرعية والنقلية والعقلية. ويبين أن الإيمان يزيد وينقص، وأن أهل السنة يعتقدون أن الفاسق مؤمن بإيمان ناقص.

خاتمة والصلاة على النبي

يختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه في سياق الرد على الطائفتين المختلفتين عن منهج أهل السنة والجماعة.

  • 20 جمادى الأولى 1439هـ - 05/02/2018مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام من أئمة السلف رحمه الله في كتابه "يمعة الاعتقاد" في فصل الإيمان: قول وعمل. قال: "والإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان، وعقد بالجنان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان". قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، فجعل عبادة الله تعالى، وإخلاص القلب، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، كله من الدين. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق»، فجعل القول والعمل من الإيمان. وقال تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، وقال: ﴿وَلِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وفي قلبه مثقال حبة خردل أو ذرة من الإيمان»، فجعله متفاضلًا. ذكر رحمه الله هذا الفصل فيما يتعلق بمسألة الإيمان، فذكره أن الإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان، أي الجوارح، وعقد بالجنان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان. وهذا الإيمان عند أهل السنة والجماعة: أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، وأنه يزيد وينقص. فالإيمان قول اللسان، أي نطق اللسان، كالنطق بالشهادتين، وهذا من الإيمان الذي هو شرط من الأقوال التي شرط في الإيمان نطق الشهادتين. ومنها أقوال أخرى مما هو واجب، ومما هو مستحب، على حسب مراتبه. لكن العبد يكون مؤمنًا حتى ينطق بلسانه، فلا بد من قول اللسان وشهادة التوحيد. وعمل بالأركان، أي بالجوارح، عمل بالجوارح كالصلاة والصيام والحج وغيرها من الأعمال. وعقد بالجنان، أي بالقلب، وسمي القلب جنانًا لأنه مختفي، والجيم والنون تدل على الاستتار والاختفاء. ومنه الجن سموا بذلك لأنهم عالم مخفي لا يرى. ومنه الأجنة سميت بذلك لأن الجنين في مكان لا يرى في الرحم. فالمراد عقد الجنان يعني اعتقاد القلب، اعتقاد القلب الجازم بما ينطق به ويتكلم به، كالإيمان بأركان الإيمان الستة: بالله جل وعلا بربوبيته وألوهيته ووجوده وأسمائه وصفاته، والإيمان بالملائكة وبالكتب وبالرسل إلى آخر ذلك من أركان الإيمان. يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، يزيد الإيمان بطاعة الله جل وعلا، وينقص بمعصية الله سبحانه وتعالى. هذا هو الإيمان عند أهل السنة والجماعة، هذا تعريف الإيمان بالاصطلاح أو في الشرع. وفي اللغة بمعنى الإقرار. الإيمان في اللغة بمعنى الإقرار، تقول: آمنت به أي أقررت به، أو آمنت له أي أقررت له. وخالف في هذا الباب بعض أهل البدع والأهواء كالمرجئة، وكذلك أيضًا الكرامية والجهمية والخوارج والمعتزلة. فالمرجئة قالوا: الإيمان قول واعتقاد فقط، قول واعتقاد، وأما الأعمال فلا تدخل في مسمى الإيمان. فالإيمان عندهم قول اللسان واعتقاد القلب، فمن نطق بلسانه واعتقد بقلبه فهو مؤمن كامل الإيمان، وإن لم يعمل وإن كان عنده من الذنوب والمعاصي ما عنده، فهو مؤمن كامل الإيمان كإيمان أبي بكر وعمر. وهكذا أيضًا الكرامية قالوا: الإيمان قول اللسان، فمن نطق بلسانه فهو مؤمن، وإن لم يعتقد بقلبه. فعندهم المنافقون مؤمنون؛ لأن المنافقين نطقوا بألسنتهم، ما عدم اعتقاد القلب، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾. لكن عند الكرامية مؤمنون؛ لأنهم نطقوا بألسنتهم. وعند الجهمية الإيمان مجرد المعرفة، قالوا: فمن عرف الله فهو مؤمن. وعلى هذا ففرعون عندهم مؤمن؛ لأنه عرف الله عز وجل، قال الله جل وعلا: ﴿فَلَمَّا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. وهكذا إبليس عندهم مؤمن؛ لأنه عرف الله، قال: ﴿رَبِّ انْظُرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾؛ لأنه يعرف ربه. فعند الجهمية أن إبليس وفرعون مؤمنان، ولهذا كانوا من أجهل الناس بربهم. وهكذا أيضًا الخوارج والمعتزلة ضلوا في هذا الباب، قالوا: الإيمان قول واعتقاد وعمل، إلا أنهم جعلوا العمل شرطًا في بقاء الإيمان، بمعنى إذا ذهب شيء من العمل خرج من الإيمان. ولهذا كفر الخوارج صاحب الكبيرة إذا وقع العبد في ذنب أو في كبيرة من كبائر الذنوب، قالوا: فإنه يكفر ويخرج من الإيمان ويدخل في الكفر. هذا عند الخوارج. وعند المعتزلة خرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر، بل يبقى في منزلة بين المنزلتين، لا هو مؤمن ولا هو كافر. أما في الآخرة فاتفق الخوارج والمعتزلة على أنه مخلد في النار. وهذا القول باطل، وإن صاحب الكبيرة تحت مشيئة الله جل وعلا، إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له. ويدل على ذلك قول الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، فأطلق الله جل وعلا لفظ الإيمان مع حصول القتل، وهو كبيرة من كبائر الذنوب. ولو كان فعل الكبيرة كفرًا لما أطلق الله جل وعلا عليهما لفظ الإيمان. وقال جل وعلا في القصاص: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾، سماه أخًا مع حصول القتل، فدل هذا على أنه لا يكفر بفعل الكبيرة. هؤلاء ضلوا في هذا الباب في باب الإيمان. والصواب كما سمعنا ما عليه أهل السنة والجماعة: أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان. وهناك تعريفات أخرى لأهل السنة ربما يراها طالب العلم، وهي كلها تصب في مصب واحد. فبعض السلف ربما يعرف الإيمان بأنه قول وعمل ونية، ومنهم من يقول: قول وعمل واتباع للسنة. وكلها تؤدي هذا المعنى. فإطلاق القول قد يطلق أحيانًا ويراد به قول القلب واللسان، قول القلب والاعتقاد، قول القلب هو الاعتقاد، وقول اللسان أي نطق اللسان. وعمل القلب والجوارح، عمل القلب الأعمال القلبية كالإخلاص، وأعمال القلوب كالتوكل والإنابة والخشية وغيرها. وعمل الجوارح، وعمل الجوارح كما سمعنا: الأعمال الظاهرة كالسجود والصلاة والصيام وغيرها. ثم ذكر قول الله عز وجل: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. استدل من هذه الآية أن الله عز وجل ذكر الإخلاص الذي هو من أعمال القلوب، وذكر الصلاة والزكاة التي من أعمال الجوارح، وسمى ذلك كله دينًا. والدين أي ما يدين به المرء ويعتقده ويتقرب به إلى الله جل وعلا. فدل هذا على أن الإيمان يشمل ما كان من أعمال القلوب، وهكذا أيضًا ما كان من أعمال الجوارح، وأن ذلك كله من الإيمان. وفي هذا رد على المرجئة الذين أخرجوا الأعمال عن مسمى الإيمان. ثم ذكر حديث أبي هريرة في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق». قال: فجعل القول والعمل من الإيمان. فهذا الحديث في الصحيحين، أكبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الإيمان شعب، بضع وسبعون شعبة، يعني الشعب بمعنى الأجزاء، بمعنى أجزاء. فالإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلى شعب الإيمان شهادة أن لا إله إلا الله، أي كلمة التوحيد، وهذا قول واعتقاد. أن الشهادة لا تكون إلا عن قول نطق اللسان واعتقاد القلب، فعندما تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أي أقول بلساني معتقدًا بقلبي أنه لا إله إلا الله. وأدناها يعني أدنى مراتب وشعب الإيمان: إماطة الأذى عن الطريق، إزالة ما يؤذي الناس من الطريق من شوك وحصى ونحو ذلك. هذا عده النبي صلى الله عليه وسلم من الإيمان. قال: «والحياء شعبة من الإيمان». والحياء خلق يكون في قلب الإنسان يحمله على فعل الأمور المحمودة وترك الأمور المذمومة. وهذه أعمال، إماطة الأذى عمل، ومع ذلك سماه النبي صلى الله عليه وسلم إيمانًا، وذكره من شعب الإيمان. إذن دل على أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان. وهذا فيه رد على المرجئة الذين أخرجوا الأعمال عن مسمى الإيمان. وأيضًا قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، أي صلاتكم إلى بيت المقدس، فسماها إيمانًا، وهي عمل. وهذا دليل على أن الأعمال تسمى إيمانًا وتدخل في مسمى الإيمان. قال: وقال تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، ﴿وَلِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾. ثم ذكر حديث الشفاعة في خروج من قال لا إله إلا الله من النار. والحديث في الصحيحين من حديث أنس رضي الله تعالى عنه. وأراد أن يستدل بهذا على أن المؤمنين يتفاوتون في إيمانهم، وأن الإيمان ليس شيئًا واحدًا، بل يتفاضل أهله فيه، يتفاضل أهله فيه بقدر أعمالهم، قوة إيمانهم. وأراد بذلك الرد على المرجئة وعلى الخوارج والمعتزلة في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه. خالف الخوارج والمعتزلة والمرجئة. فالمرجئة جعلوا أهل الإيمان سواء في درجة واحدة ومنزل واحد؛ لأن الإيمان عندهم هو الاعتقاد، قول اللسان واعتقاد القلب، إذا لا عبر بالأعمال. فمن قال واعتقد قالوا: فهو مؤمن كامل الإيمان، وإن فعل ما فعل من ذنوب ومعاصي. فإيمان الفاسق والفاجر عندهم كإيمان أبي بكر وعمر. وهذا لا شك أنه قول باطل. فالربنا جل وعلا أخبر بأن الإيمان يزيد وينقص، وزيادته بزيادة الأعمال الصالحة. قال جل وعلا: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾. الذي يسمع كلام الله جل وعلا ويتدبر كلام الله فيزيد إيمانه في قلبه، ليس كمن لا يسمعه. وهكذا قال جل وعلا: ﴿وَلِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ مع إيمانهم، فدل على أن الإيمان يزيد. ومن زاد إيمانه كان قبل ذلك ناقصًا. وهكذا أيضًا قول الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. والله عز وجل جعل أهل الإيمان على ثلاث مراتب، دل هذا على أن إيمانهم متفاوت، على أن إيمانهم متفاوت. كذلك أيضًا يقال لهم: أن الإيمان في القلب ليس كثيرًا في منزل واحدة كما تقولون. فالإنسان يعلم من نفسه أن إيمانه ليس كإيمان أبي بكر وعمر، بل هو دون ذلك، فضلًا أن يكون إيمانه كإيمان الرسول عليه الصلاة والسلام. ثم أيضًا أن إيمان المرء بالخبر الذي يخبره به الواحد ليس كإيمانه بالخبر الذي يخبره به الاثنان والثلاثة. لا شك أنه يكون عنده قوة وزيادة في الإيمان بقوة وكثرة عدد المخبرين. ولهذا إبراهيم عليه السلام لما قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾، يعني: زيادة في الإيمان، مطمئنًا القلب. فالشيء الذي يسمع به الإنسان ليس كالشيء الذي يشاهد ويراه. ولهذا كانت مراتب العلم واليقين ثلاثة: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين. قال الله جل وعلا: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾. وقال في الآية الأخرى في سورة الحاقة: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾. إذن اليقين درجات تتفاوت، فليس اليقين درجة واحدة. فقول المرجئة قول باطل. وهكذا أيضًا الخوارج والمعتزلة الذين جعلوا الإيمان شيئًا واحدًا. فعند الخوارج والمعتزلة أنه إذا ذهب بعض الإيمان ذهب كله. فمن وقع في معصية قالوا: خرج منها الإيمان. لكن عند أهل السنة هو مؤمن بإيمانه، فاسق بمعصيته، يكون مؤمنًا ناقص الإيمان، مؤمنًا ناقص الإيمان. فقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن». الحديث ليس معناه أنه كافر، المراد ليس يعني مؤمنًا أي كامل الإيمان. إذ لو كان كامل الإيمان لما سرق ولما زنى ولما شرب الخمر. لكن ما حصل هذا منه إلا عند ضعف الإيمان ونقصان الإيمان. فهذا القول في ذهاب الإيمان عنه عند فعل هذه الكبيرة. أما قبل ذلك هو مؤمن، وبعد ذلك قد يعود إلى الإيمان بالتوبة والرجوع إلى الله جل وعلا. لكن عند فعله للمعصية يفعلها وهو ناقص الإيمان، بدليل أنه لو كان كافرًا لحكم بقتله. لكن لم يمر بقتله السارق إذا سرق من الحرز ما يوجب القطع، قطعت يده. ولو كان كافرًا قطعت رأسه. كذلك الزاني لو كان الزنا كفرًا خروجًا من الإيمان، وهو غير محصن أو غير محصن لا قتل أو ما جلد. لكنه يجلد إذا كان غير محصن جلد مئة جلدة. ولو كان كافرًا لقتل. وهكذا شارب الخمر إذا كان كافرًا بشربه للخمر لما ضرب وجلد أربعين أو ثمانين، ولكان قتل إذا كان كافرًا. فدل هذا على أنه لا يكفر بفعل هذا الذنب، هذه الكبيرة. وإنما ينقص إيمانه ويضعف إيمانه، فهو ناقص الإيمان، مؤمن بإيمانه، فاسق بمعصيته، خلافًا للخوارج الذين سلبوا عنه اسم الإيمان وأدخلوه في الكفر، أو المعتزلة الذين قالوا: هو في منزل بين المنزلتين. وحديث الشفاعة ذكره المؤلف رحمه الله: «يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وفي قلبه مثقال حبة خردل أو ذرة من الإيمان». هذا دليل على أن الإيمان متفاوت، أن من الناس من إيمانه ضعيف جدًا بقدر الذرة أو الحبة من البر أو حبة الشعير. ومنهم من إيمانه عظيم وكبير وكثير. وفيه أيضًا رد على الخوارج؛ إذ أنه يخرج من النار بشفاعة الشافعين. والخوارج يقولون والمعتزلة يقولون: هو مخلد في نار جهنم. فهذا الحديث فيه رد على كلا الطائفتين. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على