الدرس في شرح القواعد المثلى 43، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع إجماع الصحابة والتابعين والأئمة على أن الله فوق سماواته مستوٍ على عرشه، مؤكداً استحالة الخلاف في هذا الأصل لدى أهل السنة. ويبين أن علو الله ثابت بأدلة الكتاب والسنة والفطرة والعقل، مع التنبيه على تراجع الشيخ عن إطلاق وصف "معية ذاتية" بعد نقد علماء السنة لذلك اللفظ.
يبين المقطع أن الشيخ قصد بإثبات المعية معنى صحيحًا يتفق مع عقيدة أهل السنة من علو الله واستوائه على عرشه مع إحاطته بخلقه علمًا وقدرة. وقد تراجع عن لفظ "بذاته" لكونه غير وارد عن السلف ومدخلًا لأهل الأهواء، محذراً من اعتقاد أن الله بذاته في كل مكان.
يوضح المقطع تراجع الشيخ ابن عثيمين الصريح عن وصف المعية بـ"الذاتية"، مؤكداً أن معية الله لا تنافي علوه واستواءه على العرش. كما يبين أن رد العلماء على أخطاء بعضهم بعضاً ليس انتقاصاً بل رفعة، وعلى العالم الرجوع للحق صراحةً متى تبين له.
يختتم المحاضر الدرس الحالي معلناً أن الدرس القادم سيتناول المثال السابع والثامن من الشبه التي يوردها أهل التحريف على أهل السنة. ووجه الشكر للمترجمة والحضور على متابعتهم.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: قال الشيخ العثيمين عليه رحمة الله، وهو يذكر أدلة ثبات العلو بالله عز وجل، وأن علوه سبحانه وتعالى ثبت بالكتاب والسنة والفطرة والعقل والإجماع: قال: "وأما الإجماع فقد أجمع الصحابة والتابعون والأئمة على أن الله تعالى فوق سماواته مستوٍ على عرشه، وكلامهم مشهور في ذلك نصًا وظاهرًا. نصًا يعني تصريحًا، وظاهرًا أي ما يفهم منه". قال الأوزاعي: "كنا والتابعون متوافرون يعني متواجدون، نقول إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما جاءت به السنة من الصفات". وهذا إجماع من التابعين ومن بعدهم من أتباعهم على علو الله عز وجل. قال: "وقد نقل الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية، ومنهم الإمام الذهبي، وغيرهم من أعلام هذه الأمة". قال: "ومحال أن يقع في مثل ذلك خلاف". وهناك قاعدة مهمة، وهي أن علماء الحق لا يختلفون في الحق، وإن تباعدت بلدانهم وأقطارهم، وإن لم يعرف بعضهم بعضًا. لا يمكن أبدًا لعالم سني أن يخالف عالمًا آخر من علماء السنة في مسائل الاعتقاد. فلم يخالف في مسائل الاعتقاد إلا أهل الضلال والانحراف. وأما أهل الحق فكلمتهم واحدة، وأقوالهم متفقة، ما فيها اختلاف. ولذلك قال هنا رحمه الله: "ومحال أن يقع في مثل ذلك خلاف"، لأن هذا مما دلت عليه الكتاب والسنة والفطرة والعقل، وكذلك الإجماع. ومحال أن يقع في مثل ذلك خلاف، وقد تطابقت عليه هذه الأدلة العظيمة. وقد تقدمت من الكتاب ومن السنة التي لا يخالفها، التي لا يخالفها إلا مكابر طُمِس على قلبه، أو طُمِس على قلبه، واجتالته الشياطين عن فطرته. نسأل الله تعالى السلامة والعافية. فعلو الله تعالى بذاته وصفاته من أبين الأشياء وأظهرها دليلاً، وأحق الأشياء وأثبتها واقعًا ومعنى. قوله: "فعلو الله تعالى بذاته وصفاته من أبين الأشياء" يعني من أظهر الأشياء وأوضحها دليلاً، يعني أدلة واضحة بينة. أي عربي وتلي عليه قول الله عز وجل: ﴿ الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ ﴾ [طه: 5]، ماذا سيفهم منه؟ أي: علا وارتفع. ﴿ أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ ﴾ [الملك: 16]، وغيرها من الأدلة الكثيرة، فهي أدلة واضحة بينة. ثم قالوا: "أحق الأشياء" أو "أحق الأشياء وأثبتها واقعًا"، بمعنى ما يدل عليه دليل الفطرة والعقل. الفطرة والعقل فواقع فطرة الناس كما تقدم تثبت علو الله، تثبت علو الله كما تقدم. فالقلوب مفطورة على التعلق بالعلو عند الدعاء وعند السؤال ونحو ذلك. قال رحمه الله: "تنبيه ثالث". هذا كله تنبيهات تتعلق بمسألة العلو. ذكر التنبيه الأول، وهذا كله استطرادات في ذكر الشبهة التي يدندن بها أهل التحريف في قول الله عز وجل: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ﴾ [الأعراف: 54]، وقول الله عز وجل: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ ﴾ [الحديد: 4]. ففسروا المعية بالاختلاط، وفسروا المعية بالحلول. فرد عليهم الشيخ رحمه الله، ثم استطرد وذكر تنبيهات ثلاثة. التنبيه الأول: تفسير السلف لمعية الله لخلقه بأنه معهم بعلمه، لا يقتصر على العلم، وهو يشمل العلم وغيره، ويشمل العلم وغيره من الإحاطة والسلطان ونحو ذلك، كما تقدم. والتنبيه الثاني: استطرد في ذكر أدلة إثبات علو الله عز وجل. التنبيه الثالث: هو عبارة عن انتقاد انتقد عليه المؤلف من أهل السنة، من علماء السنة، فتراجع عنه، وبين مقصوده، وأن الاختلاف في اللفظ لا في المعنى، ومع هذا تراجع عن هذا اللفظ كما سيأتي. قال: "تنبيه ثالث: اعلم أيها القارئ الكريم أنه صدر مني كتابة لبعض الطلبة تتضمن ما قلته في بعض المجالس: معية الله تعالى لخلقه. ذكرت فيها إن... ذكرت فيها أن عقيدتنا أن لله تعالى معية حقيقية ذاتية". انتقد على الشيخ قوله: "ماذا؟ ذاتية". وهو لا يقصد ما يقصده أهل الاتحاد والحلول، لا، وإنما قصده إثبات المعية حقيقة لله وهو في علوه، ولا يستلزم من هذه المعية اختلاطًا. فالمعنى والتفسير هو تفسير أهل السنة، لكن التعبير وجد فيه مدخل لأهل الأهواء، فلذلك انتقده العلماء، وقالوا له: "يا شيخ، هذه اللفظة لم يذكرها أحد من العلماء ولا من السلف، وتوهم معنى باطلًا، فالأولى تركها". فتركها الشيخ وتراجع عنها كما سيأتي. فقال: "ذكرت فيها أن عقيدتنا أن الله تعالى معية حقيقية ذاتية تليق به، وتقتضي إحاطته، وتقتضي إحاطته بكل شيء علمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا وسلطانًا وتدبيرًا". يعني التفسير تفسير أهل السنة، وأنه سبحانه منزه أن يكون مختلطًا بالخلق أو حالاً في أمكنتهم، كما تقدم. بل هو العلي بذاته وصفاته، وعلوه من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها. وهذا قد تقدم أن العلو من الصفات الذاتية، ليس من الصفات الفعلية، فهو لا ينفك عنه سبحانه وتعالى. فهو مستوٍ على عرشه أزلا وأبدا. قال: "وأنه مستوٍ على عرشه كما يليق بجلاله، وأن ذلك لا ينافي معيته، لأنه تعالى ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير". هذا التفسير تفسير أهل السنة، لا غبار عليه، وهو إمام من أئمة أهل السنة. قال: "وَأَرَدْتُ بِقَوْلِ ذَاتِيَّةِ" الآن يريد أن يبين أن مراده بقوله "ذاتية" لا كمراد أهل الأهواء، لا كمراد أهل الأهواء. قال: "وَأَرَدْتُ بِقَوْلِ ذَاتِيَّةِ تَوْكِيدَ حَقِيقَةِ مَعِيَّتِهِ تبارك وتعالى، وما أردت أنه مع خلقه سبحانه في الأرض". كيف، وقد قلت في نفس هذه الكتابة كما ترى أنه سبحانه منزه أن يكون مختلطًا بالخلق، أو حالاً في أمكنتهم، وأنه العلي بذاته وصفاته، وأن علوه من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها. وقلت فيها أيضًا ما نصه بالحرف الواحد: "كل هذا حق، لكن اللفظة لم ترد عن السلف". فانتقدت عليه. قال: "وقلت فيها أيضًا ما نصه بالحرف الواحد: ونرى أن من زعم أن الله بذاته بكل مكان فهو كافر أو ضال". ولما قال: "كافر أو ضال"، فصل العلماء في حكم من يقول إن الله عز وجل في كل مكان. فقالوا: إن كان عن تأويل وعن تحرٍّ، وإن كان عن تأويل وشبهة فهو ضال، وإن لم يكن عن تأويل وشبهة، إنما هو هوى وعنات، فهذا يكفر. فلذلك هنا لم يجزم بكفر قولا واحدا، بل قال: "فهو كافر أو ضال". ومعنى "ضال": يعني دون الكفر، ضل وخرج عن السنة، لكنه لا يصل إلى درجة الكفر، لا يصل إلى درجة الكفر. ففصلوا بين من اعتقد ذلك عنادًا، وكذلك نعم، ومن غير شبهة ولا تأويل سائغ، وبين من قال بذلك عن شبهة وتأويل ونحو ذلك. قال: "فهو كافر أو ضال، معتقد وكاذب إن نسبه إلى غيره من سلف الأمة أو أئمتها، لأنه لم يرد عن السلف". قال: "ولا يمكن لعاقل عرف الله وقدره حق قدره أن يقول إن الله مع خلقه في الأرض". هذا كله يبين رحمه الله معنى لفظة "بذاته". وما زلت ولا أزال أنكر هذا القول في كل مجلس من مجالس جرى فيها ذكره، وأسأل الله تعالى أن يثبتني وإخواني المسلمين بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. هذا زيادة بيان وتوضيح منه رحمه الله. قال: "هذا وقد كتبت بعد ذلك مقالاً نشر في مجلة الدعوة التي تصدر في الرياض، نشر يوم الاثنين الرابع من شهر المحرم سنة أربع وأربعمائة وألف للهجرة، برقم تسعمائة وإحدى عشرة، تسعمائة... قررت فيه ما قرره شيخ الإسلام من أن معية الله لخلقه حق على حقيقتها". وهذا الذي ورد عن شيخ الإسلام. وفرق بين التعبيرين: ما قال شيخ الإسلام "ومعية الله لخلقه حق بذاته"، ما ذكر لفظة "بذاته". طيب، فإذا لم ترد هذه اللفظة عن شيخ الإسلام، إنما وردت "على حقيقتها"، ومعنى "على حقيقتها" أن الله... معنى حقيقة أن الله... معنى حقيقة معية تليق بجلاله، لا تستلزم الاختلاط ولا الحلول، كما تقدم. قال: "وأن ذلك لا يقتضي الحلول والاختلاط بالخلق، فضلاً عن أن يلتزمه". ورأيت من الواجب... شوف... انظر: "ورأيت من الواجب إذن..." هذا تراجع صريح من الشيخ رحمه الله. قال: "ورأيت من الواجب استبعاد كلمة... ماذا عندك؟ ذاتية". يعني قوله: "معية ذاتية حقيقية" أو "حقيقية ذاتية". نعم. قال: "ورأيت من الواجب استبعاد كلمة ذاتية، وبينت أوجه الجمع بين علو الله تعالى وحقيقة المعية". فكما ذكر أن معيته لا تدل على عدم علوه، بل هو مع خلقه، وأيضًا مستوٍ على عرشه سبحانه وتعالى، ولا يقاس الخالق بالمخلوق. قال: "وعلم أن كلمة... فأن كل كلمة تستلزم كون الله تعالى في الأرض، أو اختلاطه بمخلوقاته، أو نفي علوه، أو نفي استوائه على عرش، أو غير ذلك ما لا يليق به تعالى، فأنها كلمة باطلة يجب إنكارها على قائلها، كائنًا من كان، وبأي لفظ كانت". وهذا يعطينا فائدة أخلاقية دعوية، وهي أن العلماء لا يزال يرد بعضهم على بعض، وليس هذا فيه انتقاص للمردود عليه. فكل... كل عالم راد ومردود عليه. فانظر الشيخ عثيمين لما وقع في هذا، وذكر هذه اللفظة، أنكر عليه العلماء، أنكر عليه العلماء. وهذا فيه قاعدة يدندن بها علماء السنة، وهي أن الخطأ مردود على صاحبه. العالم إذا أخطأ، ما يقال: "لا لا لا، تتكلم على خطأه، فإن هذا من التنقص له". لا، هذا ليس من التنقص له، فهذا من الرفعة له. لأن الخطأ يُرد، الخطأ يُرد، لكن بأدب. إذا عالم سني، بأدب واحترام. وكذلك علم... وعلم. فهكذا العالم إذا أخطأ، يقال: "فلان أخطأ". نحن الآن نقول لإمام الشافعي: "أخطأ في هذه المسألة، والراجح قول لإمام أحمد". نقولها بكل أريحية، ونقولها بكل ثقة. صح. فإذن كيف لمن هو دونه من العلماء، مهما بلغ في العلم، لا بأس: تقول "الشيخ مقبل أخطأ"، "الشيخ ابن عثيمين أخطأ في هذا"، إذا كان معك حق وعلم. وهذا ليس انتقاصًا في هذا العالم، هذا ليس انتقاصًا في هذا العالم. واضح هذا الآن. فانظر في هذه المسألة: رد العلماء على الشيخ ابن عثيمين، وهكذا ينبغي للعالم أن يرجع إلى الحق إذا تبين له، وإن كان المنتقد له أقل منه علمًا وفضلاً ورسوخًا، طالما أنه خطأ. وهذا من تواضع العلماء. انظر كيف ابن عثيمين... ماذا يقول: "ورأيت من الواجب استبعاد كلمة ذاتية". من الواجب... هذا تراجع صريح منه. وهذا فيه فائدة أخرى: أن تراجع العالم ينبغي أن يكون صريحًا، ما فيه يعني... ما أقصد، وأنتم فهمتم خطأ، أو يعني أنا... يعني عنيت ما عنيتم. طالما أن الكلمة خطأ، أخي تراجع عنها وأرح الأمة. تراجع عنها، أقول: "أنا خلاص، هذا أخطأت فيها، أو هذه المسألة أخطأت فيها، وأتوب إلى الله، وأتراجع". وتصلح ما قد يفهم منه فساد، أو ما يفهم منه يعني خطأ أو نحو ذلك. فهذه دروس ينبغي لطالب العلم أن يستفيد منها من العلماء، رحمهم الله. قال: "فإنها كلمة باطل، يجب إنكارها على قائلها، كائنًا من كان، وبأي لفظ كانت. وكل كلام يوهم، ولو عند بعض الناس، ما لا يليق بالله تعالى، فإن الواجب تجنبه، لأن لا يُضم بالله تعالى ظن السوء. لكن ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، فالواجب إثباته، وبيان بطلان وهم من توهم فيه ما لا يليق بالله عز وجل". يعني: ما ليس معنى هذا أن الكلمة الحق إن فهم منها منكوس ومعكوس الفطرة فهماً خاطئاً نتراجع عنها، لا. وإنما الكلمة التي ليست بحق، وفيها شيء من الإيهام، ليس فقط عند المنحرف، بل حتى عند أهل الحق، مثل هذه الكلمة، فينبغي أن تترك، وأن يتراجع عنها. أما الكلمة التي ما فيها توهم، وما فيها شيء من الخطأ، فلا نقول: "نتراجع عنها لأن أهل الأهواء يفهمون منها كذا وكذا". أهل الأهواء يفهمون من نصوص القرآن والسنة، الذي لا يغير ولا يبدل، فهماً خاطئًا، فكيف بكلام غيره، بكلام غير كلام الله وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام. فإذن هذا ما أراده الشيخ رحمه الله تعالى. وفي الدرس القادم إن شاء الله نأخذ المثال السابع والثامن من الشبه التي يوردها أهل التحريف على أهل السنة. نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى... ترجمة نانسي قنقر... ترجمة نانسي قنقر... شكرًا... شكرًا.