شرح القواعد المثلى  49

شرح القواعد المثلى 49

الدرس في شرح القواعد المثلى 49، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تفسير آية البيعة والرد على شبهة التحريف

يشرح الشيخ ابن عثيمين أن الآية تقرر وقوع البيعة للنبي صلى الله عليه وسلم مباشرة مستدلاً بآية الشجرة، ويرد على زعم أهل التحريف بأن ظاهرها يقتضي مبايعة الله ذاتياً بثلاثة أدلة: منافاة أول الآية، ومنافاة الواقع التاريخي، واستحالة صعود الصحابة إلى السماء.

معنى كون مبايعة الرسول مبايعة لله تعالى

يبين أن مبايعة الصحابة للرسول عليه الصلاة والسلام تُعد مبايعة لله لأنه نائب عن ربه، مضرباً المثل بالملك ورسله، وأن إضافة المبايعة إلى الله فيها تشريف للنبي وتأييد له وتوكيد لعظم شأن المبايعة والمبايعين.

تفسير قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ وفوائد إضافة المبايعة لله

يذكر فائدتي إضافة المبايعة إلى الله: توكيد وجوب الوفاء لعظمتها، ورفع شأن المبايعين، ثم يفسر آية اليد على ظاهرها بأن يد الله صفته الحقيقية فوق أيدي المبايعين مع علوه على عرشه، رافضاً تأويلها بيد النبي لأنها كانت مصافحة لا فوقاً، ويختم بالتسليم لله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وصلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه، وعلى آله وصحبه، وأشهد أن لا إله إلا الله، لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد، قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في كتابه القواعد المثلى: المثال الرابع عشر: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾. يقول أهل التحريف: ظاهر هذه الآية أن المبايعة وقعت من المؤمنين لله، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾. فيقولون: هذه المبايعة كانت من المؤمنين لله مباشرة، وأيضاً يقولون: إن ظاهر هذه الآية أن يد الله نفسه كانت فوق أيديهم عند المبايعة. فيقولون ويزعمون أن هذا هو ظاهر الآية، فهم يقولون: يا أهل السنة، هل تقولون بهذا الظاهر؟ أهل السنة يقولون: لا، هذا فيه معنى المخالطة، فلا يقول أهل السنة بهذا الظاهر. فيقول أهل التحريف: إذاً أنتم تقولون بالتحريف. طيب، فإما أن توافقوا وإما أن تسكتوا عنهم. واضح؟ قال الشيخ: والجواب أن يقال: هذه الآية تضمنت جملتين. الجملة الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾. وقد أخذ السلف، أهل السنة، بظاهرها وحقيقتها، مصرحاً في أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يبايعون النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾. فأهل السنة يقولون: ظاهر هذه الآية أن المبايعة كانت من المؤمنين لرسول الله صلى الله عليه وسلم. من أين أخذنا هذا الظاهر؟ من دليل آخر، وهو قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ﴾. يبايعون من؟ الرسول، ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾. فإذا قالوا: إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، فليس المراد يبايعون الله نفسه مباشرة، إنما المراد أنهم يبايعون رسوله صلى الله عليه وسلم حقيقة ومباشرة، وهذا أمر لا ينكره أحد. طيب. قال المؤلف: ولا يمكن لأحد أن يفهم من قوله: ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ أنهم يبايعون الله نفسه، ولا أن يدعي أن ذلك ظاهر اللفظ، لمنافاته لأول الآية والواقع واستحالته بحق الله تعالى. بحق الله تعالى، ذكر هنا ثلاث، ذكر هنا ثلاثة تعليلات تمنع من القول بالظاهر الذي زعمه أهل التحريف أو التعطيل، فقال: لمنافاته لأول الآية. ما هو أول الآية؟ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ﴾، الضمير يعود على من؟ الرسول عليه الصلاة والسلام. البيعة واحدة أو أكثر من بيعة؟ بيعة واحدة، صح. البيعة بيعة واحدة وقعت لمن؟ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وليست لله عز وجل. فإذا تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾: مبايعة الله نفسه، هذا ينافيه أول الآية، وهو قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ﴾، والمبايعة هي واحدة، فمن المباشر للمبايعة؟ هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس الله سبحانه وتعالى. هذا شيء واضح، هذا التعليل الأول. التعليل الثاني: أنه منافي للواقع، لأن الصحابة بايعوا رسول الله، وهذه واقعة معروفة تسمى ببيعة الرضوان، وذكرت في السيرة. ذكرت في السيرة أن الصحابة بايعوا الرسول، ووضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على الأخرى، لأن عثمان كان غائباً، أرسله إلى مكة، فبايع عن عثمان. تعلمون هذا، صح؟ فإذا القول بأن المبايعة كانت لله نفسه، هذا يخالف أو ينافي الواقع، ولم يفهم أحد أن الله مد يده إليهم ليبايعهم أبداً. هذا الأمر الثاني. الأمر الثالث، والتعليل الثالث: استحالته في حق الله تعالى. لو قلنا أن الله بايع الصحابة حقيقة، لزم من هذا إما أن يرتفعوا إلى الله، لأن الله في السماء، صح. فمعنى ذلك أن الصحابة سيصعدون إلى السماء ليبايعوا ربهم، ومن يقول بهذا؟ هل هذا واقع؟ هذا أمر. والأمر الثاني: الإلزام الثاني، أن الله تعالى نزل إليهم واختلط بهم حتى مدوا أيديهم إليه. وهل يقول هذا عاقل؟ فهذا مستحيل في حق الله عز وجل، ينافي كماله وجلاله وعلوه وعظمته سبحانه وتعالى. وكيف يقول هؤلاء ذلك؟ قال الشيخ: وإنما جعل الله تعالى مبايعة الرسول صلى الله عليه وسلم مبايعة له لأنه رسوله، وقد بايع الصحابة على الجهاد في سبيل الله، ومبايعة الرسول على الجهاد في سبيل من أرسله. ما معنى هذا الكلام؟ قد يقول قائل: طالما أن المبايعة كانت لرسول الله، فلماذا قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾؟ لماذا قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾؟ والجواب أن يقال: كما ذكر الشيخ، أن مبايعة الرسول مبايعة لله عز وجل، لأن الرسول الذي أرسله الله، مبايعة الصحابة على ماذا؟ على الجهاد في سبيل الله. وكما ذكر: مبايعة الرسول على الجهاد في سبيله، من أرسله، مبايعة لمن أرسله. الآن هذا حتى دارج في كلام الناس: فلو أن حاكماً أو رئيساً عين حاكماً ورئيساً لقطر من الأقطار، فأرسل ناساً إلى البلدان، مثلاً اليمن، أو في عدن، أو في صنعاء، الحاكم فأرسل ناساً إلى حضرموت، إلى المهرة، إلى شبوة، ليبايعه الناس. فهؤلاء الرسل الذين أرسلهم الحاكم، يبايعون لأنفسهم، أو يبايعون لهذا الملك؟ يبايعون لهذا الملك. طيب. والناس في الحقيقة بايعوا من؟ رسول هذا الملك. فالرسول عليه الصلاة والسلام ما بايع على شيء خاص به، بايع على شيء فيه نصر للإسلام ونصر للدين، فمبايعة الرسول في الحقيقة هي مبايعة لله عز وجل، هي مبايعة لله عز وجل. وهذا معنى قوله: ومبايعة الرسول على الجهاد في سبيل من أرسله، الجهاد في سبيل من؟ في سبيل الله، وهو الذي أرسل رسوله، مبايعة لمن أرسله، يعني: مبايعة لله عز وجل. مبايعة الرسول على الجهاد في سبيل من أرسله وهو الله، مبايعة لمن أرسله وهو الله سبحانه وتعالى. فهمتم هذا الآن؟ مثل ذاك الملك الذي بعث جنوده، فمبايعة الناس لهذه الرسل مبايعة لمن أرسلهم، من أرسلهم ذلك الملك. أوضح هذا الآن. ومبايعة الرسول على الجهاد وعلى نصرة الدين، مبايعة لمن أرسله، وهو من الله سبحانه وتعالى. فهمتم هذا الآن؟ فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾، قال: لأنه رسوله المبلغ عنه، كما أن طاعة الرسول طاعة لمن أرسله، لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾. فمبايعة من أرسله الله، مبايعة لمن أرسله الله. أوضح هذا الآن. كما أن طاعة من أرسله الله، طاعة لمن؟ لله سبحانه وتعالى الذي أرسله. فهمتم هذا الآن؟ فإذا ليس معنا أن ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ حقيقة أن الله مد يده إليهم، حاشى وكلا، وإنما كانت المبايعة لرسول الله، فهي مبايعة لله عز وجل. هذا الذي يفهم من هذه الآية، وهذا ظاهرها. فهمتم هذا الآن؟ قال الشيخ رحمه الله: وفي إضافة مبايعتهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى، من تشريف النبي صلى الله عليه وسلم وتأييده، وتوكيد هذه المبايعة وعظمها، ورفع شأن المبايعين، ما هو ظاهر لا يخفى على أحد. هذه فائدة، وهذا من بلاغة القرآن. فائدة إضافة مبايعة الرسول إلى الله فيها عدة فوائد، ذكر منها الشيخ هنا ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: تشريف النبي صلى الله عليه وسلم. وما وجه ذلك؟ لأن الله عز وجل جعل مبايعته مبايعة للرسول عليه الصلاة والسلام، فهذا يدل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام كالنائب عن الله، هذا فيه دليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كالنائب عن من؟ عن الله عز وجل. واضح هذا الآن؟ فهذا فيه شرف، هذا فيه شرف لرسول الله صلى الله عليه وسلم. هذه الفائدة الأولى. الفائدة الثانية: توكيد هذه المبايعة وعظمها، لأنها وقعت لله، ومعلوم أن المبايعة لله تقتضي توكيد الوفاء بها، تقتضي ماذا؟ توكيد الوفاء بها. فهذا يدل على عظم هذه المبايعة إذ أضيفت إلى الله عز وجل، فيدل على عظم الوفاء بها، ولا يجوز نقضها أو الإخلال بها لأنها أضيفت إلى الله. هذه فائدة إضافة المبايعة إلى الله عز وجل. الفائدة الثالثة: رفع شأن المبايعين، إذ أنهم في الحقيقة بايعوا الله، وكفى بهذا شرفاً وفخراً. ولذلك رضي الله عنهم، كما في الآية الأخرى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾. فهذا فيه رفع لشأنهم، إذ أنهم بايعوا الله عز وجل. لكن هؤلاء المحرفين بعيدون عن اللغة، ومحرومون من هذه المعاني العظيمة الجليلة، وهذه الفوائد الرفيعة. قال المؤلف رحمه الله: الجملة الثانية. الجملة الأولى انتهينا منها: ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾، وعرفنا ما معنى ذلك، وأن الإضافة ليست بمعنى أن الله هو المبايع لهم مباشرة بنفسه، وإنما الرسول الذي بايعهم، وإنما أضيف ذلك إلى الرسول لتصل إلى الله سبحانه وتعالى، لأن مبايعة من أرسله الله كمبايعة... أن مبايعة من أرسله الله مبايعة لمن أرسله الله. وعلى هذا الآن قال: الجملة الثانية: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾، يد الله فوق أيديهم. هل معنى أن كانت يد الله فوق أيديهم في معنى قريبة منهم أو مختلطة بهم كما يزعم هؤلاء؟ لا، إنما معنى قولهم: هذه أيضاً على ظاهرها وحقيقتها، فإن يد الله تعالى فوق أيدي المبايعين، لأن يده من صفاته، وهو سبحانه فوقهم على عرشه. فالله عز وجل فوقنا سبحانه وتعالى، ومن صفاته اليدين ثابتتان لله عز وجل، هل يداه مبسوطتان؟ فإذن يد الله فوقهم، لكن ليس معنى مختلط بهم. واضح هذا الآن؟ ومعنى ﴿فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾: أي أن الله فوقهم، وأن الله علاهم، فهو مستو على عرشه. قال: لأن يده من صفاته، وسبحانه فوقهم على عرشه، فكانت يده فوق أيديهم، وهذا ظاهر اللفظ وحقيقته، وهو لتوكيد كون مبايعة النبي صلى الله عليه وسلم مبايعة لله عز وجل، ولا يلزم منها أن تكون يد الله جل وعلا مباشرة لأيديهم. ألا ترى أنه يقال: السماء فوقنا، مع أنه مباينة لنا، بعيدة عننا؟ فأنت تقول: السماء فوقنا، هل معنا فوقك يعني قريبة من رأسك؟ كم بينك وبين السماء؟ وهكذا الله فوقنا، ويد الله فوق أيديهم، أي أنه سبحانه وتعالى مستو على عرشه، وهو فوق جميع خلقه سبحانه وتعالى، ومن صفاته يدان، فهي فوقهم، بمعنى أن الله سبحانه وتعالى على عرشه في السماء، وهو فوق عباده، وهو فوق عباده. قال: فيد الله عز وجل فوق أيدي المبايعين لرسول صلى الله عليه وسلم، مع مباينته تعالى لخلقه وعلوه عليهم. ولا يمكن لأحد أن يفهم أن المراد بقول: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ يد النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: ليس معنا يد الله فوق أيديهم يعني يد النبي، لا، يد الله حقيقة، لكنه مستو على عرشه، ولا نعدل عن ذلك ظاهر اللفظ، لأن الله تعالى أضاف اليد إلى نفسه: ﴿يَدُ اللَّهِ﴾، ووصفها بأنها فوق أيديهم. ويد النبي صلى الله عليه وسلم عند مبايعة الصحابة لم تكن فوق أيديهم، بل كان يبسطها إليهم فيمسك بأيديهم كالمصافح لهم، هكذا كالمصافح لهم. فهل هذا يقال: فوق؟ لا، لا. إنما كما ذكر: وصفها بأن... طيب، قال: لم تكن فوق أيديهم، بل كان يبسطها إليهم فيمسك بأيديهم كالمصافح لهم، فيده مع أيديهم لا فوق أيديهم. يد الرسول، يد الرسول مع أيدي الصحابة، ويد الله عز وجل فوق أيدي الصحابة، لكن لا يلزم من ذلك الاختلاط والحلول. واضح هذا الآن؟ فهذا هو معنى الآية: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.