الدرس في الخط التاريخي لظهور البدع 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
درس يتناول تعامل السلف الصالح مع الخوارج، مركزا على دور ابن عباس في مناقشة الخوارج وإزالة الشبهات عنهم. أدى هذا التعامل إلى رجوع الكثير منهم إلى عقيدة السنة.
يتناول المقطع مقتل عبد الله بن خباب على يد الخوارج وتعامل علي رضي الله تعالى مع الخوارج ومع الشيعة الغالية، حيث أحرقهم بالنار بعد نصحهم وإقامة الحجة عليهم.
يشرح المقطع تعامل السلف مع الفرق الضالة مثل الخوارج والشيعة والقدرية بطرق مختلفة مثل القتل والهجر والمناصحة، حسب شدة البدعة وخطورتها.
يتضمن المقطع دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويتبعه صلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ختاماً للدرس.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، كما ذكرنا إخواني في الله في الإشارة فيما سبق أننا في هذا المقام، وفي درس اليوم بإذن الله، سنتطرق إلى كيفية تعامل السلف الصالح وتعامل أهل السنة مع تلكم البدع التي ظهرت في هذه الفترة. ونبدأ أول ما نبدأ بفرقة الخوارج. ذكرنا ما يتعلق بخروجهم وبنشأتهم، دعونا الآن ننظر كيف تعامل معهم علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. أول ما قام به علي رضي الله تعالى عنه برده على الخوارج القيام بحجة العلم، أرسل إليهم ابن عباس رضي الله تعالى عنه لكي يناقشهم حول المسائل التي أنكروها على علي رضي الله تعالى عنه. وقصة ابن عباس في مناظرته للخوارج قصة صحيحة ذكرها شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين». وفيها أسلوب من أساليب المناظرة لأهل البدع. قصة مفادها أن ابن عباس دخل على الخوارج فرأوه ورحبوا به، قالوا: ما الذي جاء بك يا ابن عباس؟ قال: جئتكم من عند ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن عند أصحابه. ثم أشار إلى مسألة عظيمة، قال: وليس فيكم منهم أحد، أي ليس فيكم واحد من الصحابة. كان عدد الخوارج آنذاك ستة آلاف خارجي، ومع ذلك لم ينخرط صحابي واحد في الوقوع في براثن بدعة الخوارج والحرورية، سلمهم الله. ثم قام ابن عباس وسألهم: ما الذي تنقمون على علي؟ فذكروا له عدة مسائل، الأولى والثانية والثالثة. فوافقهم على أنه يزيل الإشكال عن هذه المسائل بمقابل أن ترجعوا وتعودوا إلى خير. فبدأ رضي الله تعالى عنه بمهارته وبما آتاه الله من فقه وعلم، أجاب عن الإشكال الأول والثاني والثالث حتى أزاح هذه الشبه التي كانت في رؤوسهم. حينها رجع منهم من رجع لأنها شبه أزيحت، لكن من كان من أهل الهوى بقي على هذه العقيدة الضالة اتباعا للهوى. وكم عدد الذين رجعوا؟ على إثر مناظرة ابن عباس رجعوا إلى عقيدة السنة والسلف. ذكر شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في «صحيح المسند» أن عدة من رجع من الخوارج رجع منهم ألفان. وهناك رواية ذكرها الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في «الإرواء» صححها أن عدد من رجع منهم أربعة آلاف. وهذا الذي يعتمده شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في كتبه أن عدد من رجع من الخوارج إلى جماعة المسلمين أربعة آلاف خارجي تأثروا بحجة العلم. وفيه بيان إخواني في الله إلى عظيم هذا السلاح، سلاح العلم. العلم يؤثر جدا. ويذكرني هذا بما جاء كذلك في صحيح مسلم في قصة يزيد الفقير، أنه كان شابا وشغف برأي الخوارج، قال: فخرجت في جماعة نريد أن نحج ثم نخرج على الناس. قال: فمررنا بالمدينة، فإذا بجابر بن عبد الله يحدث الناس، وكان يحدثهم بحديث الجهنميين. وحديث الجهنميين عبارة عن إخبار عن أناس كانوا في النار ثم خرجوا. هذا المسلك دخول وخروج من النار ما يتوافق مع رأي الخوارج. فقام يزيد فقال: انظر ما تتحدث به، راجع ما تقول. إن الله يقول: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾. انظر الجرأة ما تحمل هذا الكلام. فقال جابر: أتقرأ القرآن؟ قال: نعم. قال: أعلمت بالمقام المحمود الذي يخرج الله به من يخرج من النار؟ وقضية الشفاعة؟ فأخذ جابر يحدث يزيد بحديث الشفاعة، وأن الله جل وعلا يخرج من النار بشفاعة الشافعين أقواما. شيء مقنع يزيح هذا الفكر الذي كان في أذهانهم أن من دخل النار لا يخرج. فقال يزيد: فنظر بعضنا إلى بعض، أترون هذا الشيخ يكذب على رسول الله؟ قالوا: لا والله ما يكذب. قالوا: فرجعنا، فما خرج منا أحد إلا رجلا واحدا. الشاهد من هذه القصة إخواني في الله جانب العلم، العلم مؤثر. فياليت الحكومات وياليت الولاة يعطون لجانب العلم حظه في إقامة الحجة على الخصوم. أذكر قبل سنوات ليست بعيدة ما وقع في الجزائر من هذه الفتن التي سفكت فيها الدماء، أحداث مؤلمة مدوية، قتل من قتل الكثير من أهل الإسلام بسببها. تلك حماقات من تلك الجماعات التي خرجت بالسلاح والسيف ثم اعتزلوا في رؤوس الجبال. فلا زالوا يقطعون السبيل، كيف السبيل إليهم؟ العلم. تفطنت الولاة في تلك البلاد إلى طريقة العلم، فكانوا يتواصلون مع العلماء الذين هم بدورهم تواصلوا معهم في سفوح الجبال. سواء كان نصيحة الشيخ الألباني أو نصيحة الشيخ العسيمي أو نصيحة الشيخ ربيع. وشيخ السبيل يتواصلون مع أولئك في سفوح الجبال: ما الذي عندكم؟ ما الذي تريدون؟ قالوا: يا شيخ كذا. فلا زال العلماء يردون عليهم، والله حتى أقنع الله وشرح الله صدور الكثير منهم حتى خرجوا وسلموا أنفسهم، وسلم الله البلاد والعباد من شر البدع بحجة العلم. فينبغي للحكومات أن تولي لا تركا على الضغط على الجماعات فقط بالسلاح، بل هذا ربما يأتي بالبأس أكثر. لكن افعل ما فعله علي رضي الله تعالى مع الخوارج في زمنه بالعلم. أرسل ابن عباس يناقشهم، فرجع منهم ألفان، وعلى قول أربعة آلاف، أربعة آلاف رجعوا بحجة العلم. والسلاح فهذا إخواني في الله ما اتخذه علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه مع الخوارج. ثم بقي البقية من الخوارج الذين ركب هواهم وما أراد حجة العلم، أراد الهوى الذي في نفسه، واستمر على ضلاله. في قراءة في أخبار ذكرها الذهبي في «تاريخ الإسلام»، وعلى بعض المؤرخين أن علي بنفسه ذهب إلى الخوارج وناقشهم. ومنها ما سمعته في قضية المصحف الذي أتى به. قيل أن قضية المصحف ونوع من وعي المناقشة من علي للخوارج كان بعد مناقشة ابن عباس. أقام الحجة مرة أخرى عليهم، تأثر منهم من تأثر، وبقي منهم من بقي. فلما رأى أن هؤلاء قد استحكم بهم الهوى تركهم علي رضي الله تعالى عنه، فقال لهم: لكم علينا ثلاثة: أن لا نمنعكم من المساجد، من رزقكم من الفيء، ولا نبدأكم بالقتال ما لم تحدثوا فسادا بينكم. هم في حروراء تركوا في هذه البلاد، وهذا الذي يكون بيننا وبينكم. لكم بعد هذا الذي علينا والذي عليكم. لكن هؤلاء لا زال الشيطان بهم، ما انتفى أن يجعل عقيدة فاسدة في قلوبهم، بل ظهر أثرها في الواقع. فأخذوا يسفكون الدماء ويقتلون من يقتلون من المسلمين، ويغزون سرح أهل الإسلام. ومن جملة من قتلوه قتلوا عبد الله بن خباب بن الأرت، ابن الصحابي. قال عنه الذهبي رحمه الله تعالى: وكان من سادات أبناء الصحابة. جعله علي رضي الله تعالى عنه واليا على تلك البلاد. مر عبد الله بن خباب ومعه امرأته وكانت حاملا، فاعترضهم الخوارج فألقوا القبض عليه، قيدوه وثقوه، وسحبوه لقتله. مما يذكره بعضهم في طريق مشيهم، وهم قد وثقوا وشدوا الوثاق على عبد الله بن خباب مع امرأته الحامل. مروا على خنزير وكان هذا الخنزير لرجل ذمي، رجل من أهل الذمة. فقام بعض الخوارج بقتل الخنزير وشق عن بطنه. فقام بعضهم وأنكر على هذا الفاعل لما فعل ذلك، قال: هو لذمي. قال: ما ينفع هذا؟ اذهب إليه واستحل مما فعل. ذهب هذا الخارج وذهب إلى النصراني يبحث عن هذا الذمي ويتأسف له مما فعل، من أنه قتل الخنزير بغير علمه. فاستأذنه واستحل وارضاه حتى يرضى عنه. ومشوا مروا كذلك على تمرة سقطت من نخلة مرمية في الأرض، فقام أحد الخوارج أخذها وألقاها في فيه، وضعها في فمه. فقال له أحدهم: بغير إذن ولا ثمن أخذ هكذا، لا تستأذن ولا تدفع ثمنها. فألقاها وما أكلها. انظر يا أشهاد يا قمة هذا الورع. لكن بعد ماذا؟ بعدما انتهوا من هذه الأشياء التي مرت. وصلوا إلى مكان أضجعوا عبد الله بن خباب وذبحوه. ليس هذا فحسب، ذهبوا إلى امرأته أيضا لقتلها. فقالت لهم: ألا تتقون الله إني امرأة حبلة؟ هل هناك ضمير يعني يردعكم؟ لو لا هذا المنظر امرأة ضعيفة حبلة لا حول لها ولا قوة. ألا تتقون الله إني امرأة حبلة؟ فذبحوها وبقروا عن بطنها وأخرجوا ولدها. هؤلاء هم الخوارج. انظر الورع الذي كان منهم مع أهل الذمة، وانظر إلى بطشهم وشدتهم على أهل الإسلام. هذا الفعل الذي فعلوه ذكرها ابن كثير في «البداية والنهاية». بلغ أمرها إلى علي رضي الله تعالى عنه، فقال علي رضي الله تعالى عنه: التقى بهم وأرسل إليهم أن يدفعوا إلينا من قتل إخواننا بالعدل، الذين قتلوهم نريدهم أن يدفعوا إلينا من قتل إخواننا حتى أقتلهم. ثم أنا تارككم وأنتم يذهبوا، الذي بيننا أن لا تفسدوا. هؤلاء فسدوا قتلوا، جئوا بهم. فرد الخوارج على علي فبعثوا إليه أن قالوا: كلنا قتل إخوانك، كلنا فعلنا، كلنا يد واحدة، ما هناك أحد فعدون أحد. فحينها أراد علي أن يقنعهم فأرسل المبعوث تلو المبعوث إلى الخوارج إلى التروي في هذه القضية، سلموا القتلة وانتهى الإشكال. فأرسل إليهم قيس بن سعد بن العبادة، وأرسل إليهم أبو أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه، فلم ينجح ذلك. حينها على الشرط سيبدأ علي بقتالهم، فحرك علي رضي الله تعالى جيشا قوامه أربعة آلاف من أصحابه. وقيل كان عدد الخوارج عينها ألف من الخوارج. وعندما التقى الجيشان جيش علي رضي الله تعالى مع الخوارج. كان من أمر علي لأصحابه: لا تبدأون حتى إذا بدأوا هم وزحفوا علينا سنزحف عليهم. وكان الأمر كما توقع، أهل هوى وبطش وحدة وعجلة، فبدأوا هم. فبدأ علي بقتالهم حتى قتلهم جميعا، لم يبق منهم أحدا. وهناك روايات أخبرت أن الذي بقي من الخوارج أقل من العشرة من الألف، لم يبق منهم إلا أقل من العشرة، تفرقوا. وقد ذكر العلماء في المطولات الأماكن التي تفرق إليها هؤلاء الأفراد هنا وهنا في اليمن وعمان إلى بعض الأنحاء. وهنا تفكر ظهر بعد ذلك فكرة الخوارج في هؤلاء الذين تفرقوا. وأما جيش علي فلم يقتل إلا أقل من العشرة، منذ فرق الخوارج كلهم قتلوا، لم ينجوا إلا عشرة. وأما جيش علي كلهم نجوا ولم يقتل سوى أقل من العشرة من أصحابه رضي الله تعالى عنه. وهذا الذي فعله علي في قتال الخوارج هل هو عبارة عن اجتهاد شخصي هو الذي تفرد به؟ لا يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: إن الصحابة اتفقوا على قتالهم، ولكن الذي باشر القتل علي رضي الله عنه. إذا نعلم أن الذي فعله علي رضي الله تعالى ما كان لوحده، بل كان هو الذي اتفقت عليه واجتمعت كلمة الصحابة قاطبة على قتل الخوارج، وذلك بعد نصحهم وإقامة الحجة عليهم. إذاً مما يستفاد في تعامل علي رضي الله تعالى عنهم مع الخوارج. ننتقل إلى التعامل مع الشيعة. نعم ظهرت الشيعة كما قلنا في زمن علي رضي الله تعالى عنه، غلوا فيه. وأخبرنا كما ذكرنا في دروس ماضية أن الشيعة ظهرت على أصناف ثلاثة: الغالية، والسبابة، والمفضلة. وهؤلاء الثلاثة تعامل معهم علي رضي الله تعالى عنه بما يناسب بدعتهم، كل وفق ما أوقع في حقه عقوبة. بدأنا بالغالية الذين قلنا غلوا فيه علي لدرجة أنهم جعلوا علي ماذا؟ آلهة، جعلوه ربا. ثبت في البخاري أن علي رضي الله تعالى عنه أحرقهم بالنار، أحرقهم بالنار. والغالية وأصدق قصتهم ما ذكره أهل التاريخ أن علي رضي الله تعالى عنه قيل له: إن هنا قوما على باب المسجد يدعون أنك ربهم. فدعاهم فقال لهم: ويلكم ما تقولون؟ قالوا: أنت ربنا وخالقنا ورازقنا. فقال لهم: ويلكم إنما أنا عبد مثلكم، آكل الطعام كما تأكلون، وأشرب كما تشربون. فاتقوا الله وارجعوا، فأبوا. قيل أن علي قيل له آخر وخارجوا من مسجده، فإذا بقوم خرجوا له سجدا. ثم تم هذا النقاش، قال: فلما كان من الغد رجعوا لمقالتهم: أنت ربنا، أنت خالقنا، أنت رازقنا. قال: فلما كان الثالث والذي تتفق عليه الروايات أن علي أمهلهم ثلاثة، يعطيهم فرصة المراجعة والمناصحة: ارجعوا اعقلوا. يعطيهم مهلة. فأعطاهم ثلاثة، فلما كان الثالث قال: إن قلتم ذلك لأقتلنكم، انتهى المطاف، لا ما سأسكت عن هذا الشرك والكفر. فأبوا، فأمر علي قنبرا مولى من مواليه قائما على أعماله أن يحد أخدودا من القصر إلى المسجد، أخدود كبير حفر في الأرض. وجاء بالحطب فطرحه فيه، وقال: إني طارحكم فارجعوا، فأبوا. لا زال علي رضي الله تعالى عنه يتوسم فيهم الخير. لأن الواحد ربما في حال نشوته ما يعي الأمور على أمورها، لكن تطبح لك الأمور: السيف أمامك والنار والإحراق والقتل. فلا زال علي بهم قال: فراجعهم، قال: ارجعوا فآبوا. فحينها قذفهم في النار، أمر هؤلاء الغالية أن يغدفوا ويتتابعوا في النار فأحرقهم أحياء. وكان من شهير ما قال: ولما رأيت الأمر أمرا منكرا أججت ناري ودعوت قنبرا. جاء في بعض الكتب التاريخية أن هؤلاء الغالية كانوا يتدافعون إلى النار وهم يضحكون، ويقولون: الآن صح لنا بأنك ربنا، لأنه لا يعذب بالنار إلا رب النار. أعوذ بالله من الشقاء، أعوذ بالله من السداجة والحماقة. قال: الآن ثبت لنا حقيقة الأوروبية، لا يعذب بالنار إلا رب النار، فأنت ربنا. فأخذوا يتدافعون إلى النار. أصحابهم الذين نجوا كانوا يوهمون من عاش من أتباعهم أن أصحابنا دخلوا النار وما لاقوا منها تعبا، بل كانت عليهم بردا وسلاما كما فعل مع إبراهيم عليه السلام. كانوا يشعرون هذا، إذن هكذا واجه علي هذه الفرقة الغالية. الفرقة الثانية طبعا في مسألة هنا ما فعله علي رضي الله تعالى عنه من قتل الغالية هذا أمر صواب، صواب. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وقتل هؤلاء واجب باتفاق المسلمين، قتلهم جميعا. فما فعله من قتلهم صواب. لكن بقيت مسألة كيفية القتل، الإحراق. الإحراق هذه مسألة. نعم لم يوافق علي أحد ممن كان في زمنه إلا القليل، فقد خالف ابن عباس وأكثر الفقهاء كما قال شيخ الإسلام. خالفوا عليا في طريقة القتل، يقول ابن عباس رضي الله تعالى عنه: أما أنا فلو كنت أي كان الأمر بيدي فلو كنت لم أحرقهم، لنهي النبي أن يعذب بعذاب الله، ولا ضربت أعناقهم لقول الرسول: «من بدل دينه فاقتلوه». هذا كان مذهب ابن عباس ومذهب جمهور الفقهاء. كان الأجدر أن أولي الغالي يقتلون، الكلمة متفقة على قتل هؤلاء، لكن لا يكون بالإحراق، لأن هذا قد جاءت الشريعة بالنهي عنه، وإنما قتلهم يكون بالسيف وبنحو ذلك. فهذا الذي فعله علي رضي الله تعالى عنه مع الغالية. كيف تعامل علي مع السبابة؟ السبابة الفرقة الثانية من الشيعة التي تجرأت على سب أبي بكر وعمر. وكان ممن يسب ويتجرأ على سبهم عبد الله بن سبأ الذي مر ذكره في دروس ماضية، وذكرنا شيئا من حياته وتاريخه. عبد الله بن سبأ كان ممن يسب ويشيع السب، فأمر علي بطلبه: ائتوني به. وعلم المراد من هذا الطلب أنه هم بقتله، إلا أن عبد الله بن سبأ هرب وذهب إلى قرقيسيا، بلدة سماها بقرقيسيا، ذهب هناك. ومستطاع أن يأتي به لأشياء خاصة ذكره العلماء لماذا علي مستطاع أن يصل إليه بعد هذا؟ لكن كان هذا مما كان في خاطره وفي ذهن علي بن أبي طالب. قتل هؤلاء من السبابة. الفرقة الثالثة المفضلة، وهم الذين يقولون بأن علي أفضل من أبي بكر وعمر، وهي من بلع الشيعة. فهؤلاء كيف التعامل معهم علي رضي الله تعالى عنه؟ قال: والله لا أوتي بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا ضربته حد المفتري، يقوم عليه الحد بجلده ثمانين جلدة. من يسمعه يفضله على أبي بكر وعمر فهكذا تعامل علي رضي الله تعالى عنه مع الشيعة بأصنافها الثلاثة: الغالية، والسبابة، والمفضلة. ننتقل إلى الفرقة الثالثة وهي القدرية، كيف تعامل السلف مع القدرية؟ مر معنى أن القدرية ظهرت في أواخر عهد الصحابة، فحضرها من حضرها من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. كيف تعاملوا معها؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فلما ابتدع هؤلاء التكذيب بالقدر رد عليهم من تبقى من الصحابة. هذا الشاهد، رد عليهم الردود، لا هوادة مع البدع، ولا هوادة مع أصحابها. قال: رد عليهم من بقي من الصحابة كعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، ووافل بن الأسقع. وقال الصفدي رحمه الله تعالى في كتابه «الوافي بالوفيات» وهو يتحدث عن بدعة القدرية. ولما ظهرت قال: وتبرأ منهم متأخرو الصحابة، تبرأ منهم متأخرو الصحابة: عبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة. وتواصوا وأوصوا أخلافهم أن لا يسلموا عليهم، ولا يصلوا على جنائزهم، ولا يعودوا مرضاهم. انظر لهذه العقوبات التي بثها الصحابة رضي الله تعالى عنهم إزاء بدعة القدرية، الهجر التام، لا سلام، لا صلاة جنازة، ولا عودة لمرضاهم. وإنما يهجرون لشؤم ما أتوا به من الفرقة والبدعة الضالة. وهكذا إخواني في الله، وذلك أثبت في مسلم عن ابن عمر، لما أخبر عن القدرية ظهرت، قال: أخبروهم أني منهم بريء، وأنهم مني براء. والذي يحلف به ابن عمر: لو أن أحدهم أنفق مثل أحد ذهبا ما تقبل منه حتى يؤمن بالقدر. براءة ليست مسالمة، براءة. فكانت هكذا تعامل أهل السنة إخواني في الله والسلف الصالح مع المبتدعة. والذي يحلف به ابن عمر: لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهب، مثل أحد ذهب ما تقبل منه حتى يؤمن بالقدر. وهكذا إخواني في الله المرجع على شاكلتهم، العبارات كثيرة جدا، لأنهم جاءوا في أواخر القرن الأول، من حضرها من السلف الصالح قاموا لها بالمرصاد. فكانت كلمة السلف اتفقت على ذم والتحذير من المبتدعة. قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: المرجع يهود أهل القبلة، المرجع يهود أهل القبلة، وصابئة هذه الأمة. والنقولات كثيرة، كثيرة. وقد أهملنا الوقت إخواني في الله. فالحاصل أن هذه الفترة بظهور هذه البدع الأربع علمنا إخواني في الله كيف كان تعامل السلف مع الخوارج، مع الشيعة، مع القدرية، مع المرجع، بالتحذير من هذه الأفكار، ومن تحذير من أتباعها وأصحابها. وبهذا نعلم إخواني في الله الطريق الصحيحة، يكون ذلك إما بالمناصحة، بالمناظرة، بالمناقشة. وإن احتاج الأمر إلى الشدة، اتخذت الشدة معهم بالهجر. وإن كان لذي سلطان قدر، فبالقتال. هذا مر معنا من خلال التتبع التاريخي لتعامل السلف مع هذه البدع. وبهذا نعلم إخواني في الله خطأ بعض الدعاة ممن يهون من شأن هذه البدع. هناك رجل يدعي العلم، وهو ممن آتاه الله فهما، بل هو ممن قد تعلم العقيدة، بل يعتبر أستاذا في العقيدة. ومع ذلك كيف ينظر لهذه الفرق؟ أبي من ظهر السلف، لا بل يرى يقول: أن من محاسن هذه الفرق أنها خرجت، خرجت من الإسلام، يعني خرجت أي انبثقت، انبثقت وظهرت من أهل الإسلام. بمعنى أن هؤلاء محمدة، لا بأس، يعني ليس ما جاء هؤلاء ملاحظة من الخارج، هؤلاء جاء منهم، من فينا. وما الذي أراد بهذه العبارة؟ الهون معهم، وعدم التضخيم، وعدم التهويل لبدعهم، بحجة ماذا؟ أنهم خرجوا من هذه البوتقة، أنهم خرجوا منه. ومعنى: ونحن لا نزال في دائرة الإسلام. قال: هذه من محاسن الفرق. لا يا عبد الله، ولو. فالصحابة رضي الله تعالى عنهم ومن كان من سلف يعلمون أن هؤلاء لا زالوا في سلك الإسلام، ومع ذلك كيف تعاملوا معهم؟ بقتلهم وقتالهم وهجرهم وزجرهم. وبالله إخواني في الله انتهينا من المرحلة الأولى مع التعامل معهم. ونأتي في درس غد بإذن الله إلى الفترة الثانية، بماذا تحدث؟ وما هي الأمارات والفرق التي ظهرت فيها؟ فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.