الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 36، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح هذا المحور اسم الله "المجيد" مستدلاً بآيتين قرآنيتين واختلاف القراءتين في الرفع والجر، مبيناً أن معناه يدل على عظمة أوصاف الله وكثرتها وسعتها. كما يشير إلى عظمة ملكه وسلطانه وتفرده بالكمال المطلق والجلال والجمال.
يوضح المقطع أن القرآن كله كتاب تمجيد وتعظيم لله عز وجل، مستدلاً بآية الكرسي التي تحتوي على خمسة أسماء وعشرين صفة. ويبين أن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن لكثرة ما فيها من الثناء على الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى.
يبيّن هذا المحور أن سورة الفاتحة هي أعظم سورة في القرآن وأن نصفها ثناء وتمجيد لله، مستدلاً بالحديث القدسي الذي يقسم الصلاة بين الله والعبد. كما يوضح أن الصلاة بأكملها قائمة على تمجيد الله بدءاً بالفاتحة ومروراً بالقيام من الركوع وانتهاءً بالتشهد الأخير.
يصف المقطع كيفية جلوس المصلي للتشهد حيث يثني على الله ويمجده مختتماً بقوله «إنك حميد مجيد». ويشير إلى أن الصلاة تبدأ وتنتهي بالحمد والتمجيد، وأن جميع أركانها قائمة على تمجيد الله الحميد المجيد.
الحمد لله محمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الشيخ عبد المحسن عبد الرزاق بن عبد المحسن العباب -حفظه الله تعالى- في كتابه "مختصر فقه الأسماء الحسنى": اسم الله "المجيد". قال: هو اسم عظيم، ورد في كتاب الله في موضعين: قوله تعالى: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾. برفع "المجيد" يعني: "ذو العرش المجيد"؛ لأنه يكون صفة لله سبحانه وتعالى، وهو الغفور الودود، ذو العرش المجيد، فهو صفة لله سبحانه وتعالى كالأسماء التي قبله. وجاءت قراءة بالجر: "ذو العرش المجيد"، فيكون ليس من أدلة هذا الاسم وإثباته لله، وإنما هو صفة للعرش؛ لأن العرش مجيد، والصفة تتبع الموصوف. فتكون هذه الآية دليل على اسم الله "المجيد" على قراءة الرفع، أما على قراءة الجر فلا تكون دليلاً لهذا الاسم. فيكون دليل هذا الاسم من الآية التي قبله، ومن الأحاديث الواردة التي فيها إثبات هذا الاسم، كالتشهد وغيره: "في العالمين إنك حميد مجيد". قال: برفع "المجيد"، وقد قرئ "المجيد" بالرفع نعتاً لله عز وجل، وبالجر نعتاً للعرش. قال: وهو من الأسماء الحسنى الدالة على أوصاف عديدة، لا على معنى مفرد. بعض الأسماء -كما تقدم معنا- تدل على اسم مفرد، يعني يشمل معنى واحداً، لكن هذا المعنى غاية في الكمال والحسن. وبعض الأسماء تدخل فيها أسماء كثيرة، وهذا تقدم معنا مثل اسم الله "العظيم" ونحوها من الأسماء، ومنها هذا الاسم "المجيد"، فهو يدل على أوصاف عديدة. وما معناه؟ قال: ومعناه: واسع الصفات، عظيمها. صفاته واسعة وعظيمة، فهذا معنى "المجيد": كثير النعوتي، كريمها، يعني أوصافه كثيرة، ويدل على كرم وجوده وإحسانه سبحانه وتعالى. قال: فـ"المجيد" يرجع إلى عظمة أوصافه. هذا معنى "العظم": "المجيد" يرجع هذا الاسم ومعناه إلى عظمة أوصافه وكثرتها وسعتها، عظيم الوصف أو الأوصاف، وكثير الأوصاف، وواسع الصفات. قال: وإلى عظمة ملكه وسلطانه، فهو مجيد لعظمة ملكه، وهو الذي يملك ذلك الكون وهؤلاء الخلق جميعاً، فهو مالك الملك سبحانه وتعالى، وأيضاً قهره وسلطانه نافذ على جميع خلقه، فهذا أيضاً من معاني اسمه "المجيد". قالوا: إلى تفرده بالكمال المطلق، والجلال المطلق، والجمال المطلق. "المطلق" يعني الذي لا حد له، فمهما تصوره المتصورون، ومهما تخيله المتخيلون، فهو أعظم وأجل، سبحانه وتعالى، الذي لا يمكن العباد أن يحيطوا بشيء من ذلك. فالمهم باختصار: أن اسم الله "المجيد" يرجع إلى عظمة أوصافه سبحانه وكثرتها وسعتها، وكذلك ملكه وسلطانه. قال: والله عز وجل مجد نفسه في كتابه في آيات عديدة، ومنها ما تقدم: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾، يعني يستحق الحمد، وما منّ به عليكم من تلك الرحمة والبركة إنما هو من مجده سبحانه وتعالى، فهو مجد نفسه، أي أن عطاؤه واسع وصفاته كذلك عظيمة سبحانه وتعالى. وكما تقدم أن اقتران الأسماء تضيفنا معنى زائداً على معنى الاسم مفرداً، فلما ذكر أهل البيت وما منّ به عليهم، استلزموا ذلك الحمد من الرب المجيد سبحانه وتعالى، الذي بمنه وكرمه وسعة جوده وإحسانه منّ عليهم بهذه النعم، فأضافنا معنى زائداً. قال: بل إن القرآن الكريم كله كتاب تمجيد وتعظيم لله عز وجل، لا تخلو آية من القرآن من ذكر شيء من أسماء الله الحسنى وصفاته العلى وأفعاله الحكيمة. وأعظم آية في القرآن هي التي اجتمعت على ذلك، فآية الكرسي التي هي... هذا كمثال الآن: ذكر أن القرآن كله تمجيد لله وتعظيم لله بما ذكر فيه من أسمائه الحسنى وصفاته العليا، ومن سعة وعظيم صفاته سبحانه وتعالى. فذكر مثالاً على هذا في أعظم آية في القرآن وهي آية الكرسي. كيف هذه الآية كلها تمجيد وتعظيم لله؟ قال: فآية الكرسي التي هي أعظم آية في القرآن الكريم، فيها من أسماء الله الحسنى خمسة أسماء، وفيها من صفات ما يزيد على العشرين صفة. وانظر: آية واحدة فيها خمسة أسماء: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، في آخر الآية: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾، خمسة أسماء. وأما الصفات فهي عشرون صفة: أولاً هذه الخمس الأسماء متضمنة لخمس صفات، ثم ذكر صفة الألوهية: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، كذلك صفة الملك: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، وغيرها من الصفات. آية واحدة فيها هذا العدد الكثير من صفات الله، فهذا يدل على تمجيد الله سبحانه وتعالى. فكلما أكثر العبد من الثناء على الله عز وجل بما هو أهله من ذكر أسمائه وصفاته، كلما كان أكثر تمجيداً لربه. ولذلك وصف القرآن بأنه "مجيد" في موضعين من القرآن. من يذكرهما؟ القرآن وصف بأنه مجيد في موضعين: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، وفي آية أخرى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾. صح. فوصفه الله عز وجل بأنه مجيد لما فيه من الثناء، ولما فيه من كثرة الصفات التي وصف بها ربنا سبحانه وتعالى. قال: وسورة الإخلاص ذكر مثالاً آخر مما يدل على أن القرآن مجيد. قال: وسورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن، أخلصت لبيان أسماء الله الحسنى وصفاته العظيمة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وحدانية الله، ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، ذكر اسم الله، واسم "الأحد"، واسم "الصمد". ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، تعظيم وتمجيد لله سبحانه وتعالى. ولذلك هذه السورة على صغر آياتها إلا أنها تعدل ثلث القرآن لما فيها من التمجيد والتعظيم للرب سبحانه وتعالى. قال: وسورة الفاتحة مثل ب... أعظم سور وآيات: ما هي أعظم آية في القرآن؟ آية الكرسي. ما هي أعظم سورة في القرآن؟ سورة الفاتحة. ما هي أكثر آية في القرآن أجراً وجزاء في القراءة؟ سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن في الجزاء، لا في الإجزاء، في الجزاء لا في الإجزاء. قال: وسورة الفاتحة التي هي أعظم سورة في القرآن الكريم، نصفها ثناء على الله وتمجيد. ودليل ذلك: قال روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي». وهذا من تمجيد الله، لأن التمجيد هو كما تقدم يرجع إلى سعة وعظم، وكذلك كمال صفات الرب سبحانه وتعالى، فيدخل في ذلك الكثير من الصفات والأسماء. فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال الله: حمدني عبدي، وهذا من التمجيد. وإذا قال: ﴿الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي. وثناء العبد على الله عز وجل من تمجيد الله. قال: وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قال: مجدني عبدي. فصرح هنا بالتمجيد لله سبحانه وتعالى. فإذا النص: الفاتحة تمجيد لله عز وجل. بل الصلاة كلها قائمة على الثناء، لما تصلي لله عز وجل هذه الصلاة قائمة على الثناء والتعظيم والتمجيد للحميد المجيد سبحانه وتعالى. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو كان يقول إذا رفع رأسه من الركوع، وهذه من أذكار الركوع، كان يقول: «ربنا لك الحمد ملء السماوات والأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، اللهم أهل الثناء والمجد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد». فهذا فيه ثناء، بل التصريح بذلك في قوله: «أهل الثناء والمجد». وهذا يكون في الصلاة بعد القيام من الركوع. بل كذلك في ختام الصلاة وهو التشهد، فماذا تقول في آخره؟ في آخر التشهد: «وبارك على محمد، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد». فإذن انظر: تمجيد الله عز وجل جاء في أول الصلاة، وفي وسط الصلاة، وفي آخر الصلاة. إذن تمجيد الله عز وجل في الصلاة كلها، في الصلاة كلها، ليدل ذلك على عظم هذا الاسم، وأن الصلاة كلها تمجيد لله سبحانه وتعالى. وذكر هذه اللطيفة ابن القيم عليه رحمة الله كما في كتابه... نعم، لعله "الفوائد". ذكر هذا المعنى: أن الصلاة كلها تمجيد لله، في أولها الفاتحة، وفي وسطها القيام من الركوع، وكذلك في آخرها التشهد، وكل هذه المواضع فيها ذكر تمجيد الله سبحانه وتعالى. قال: وإذا قعد المصلّي للتشهد، يثني على الله ويمجده، ويختم ذلك بقوله: «إنك حميد مجيد» كما ذكرنا. قال: فأول الصلاة حمد وتمجيد، وآخرها حمد وتمجيد، بل كلها قائمة على الحمد والتمجيد للحميد المجيد سبحانه، أهل الثناء والمجد. طيب، نكتفي بهذا، وإلهنا الله تعالى، بالله تعالى من أهل الثناء والمجد، سبحانك.