التعليق على العقيدة الطحاوية 33

الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 33، ألقاها

النهي عن الخوض في أمور لم ترد في الكتاب والسنة وتأصيل منهج أهل السنة

يناقش أهمية تجنب الخوض في أمور لم ترد في الكتاب والسنة، ويوضح منهج أهل السنة في اتباع القرآن في التفصيل في الإثبات والتجميع في النفي. يركز على إثبات كمال الضد عند نفي الصفات السلبية.

نقد منهج الأشاعرة في نفي صفات الله تعالى وتأكيد إثبات الصفات

ينتقد منهج الأشاعرة في نفي صفات الله تعالى بالسلب والنفي المحض، ويبين ضرورة إثبات صفات الله تعالى كما جاءت في الكتاب والسنة دون تشبيه أو تكييف. يشدد على أن نفي الصفات يؤدي إلى تجريدها من معانيها الحقيقية.

تفصيل نفي الحدود والجهات عن الله عز وجل وتمييز المراد منها

يناقش مفهوم نفي الحدود والجهات عن الله عز وجل، ويفرق بين نفي الجهات المخلوقة التي تحيط بالله ونفي جهة العلو التي يوصف بها الله. يبين أن الأول صحيح والثاني باطل.

تتمة الكلام عن نفي الصفات الإلهية وبيان آراء العلماء

يشرح كيف أن بعض العلماء مثل ابن تيمية وابن القيم بينوا مسألة نفي الصفات الإلهية، ويشير إلى أن بعض المؤلفين قد اتبعوا نهجًا مشابهًا في النفي دون دقة. يبين أهمية الدقة في التعامل مع هذه المسائل.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وما بعد، قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى في عقيدته: قال رحمه الله تعالى: «عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات لا تحوي الجهات الست كسائر الممتدات». وهذا لعله مما يكون قد نهى عنه المؤلف في قوله: «فمن رام علم ما حظر عنه علمه ولم يطلع بالتسليم فهمه حجبه مرامه عن خالص التوحيد وصاف المعرفة». فإن هذه الأشياء التي ذكرها المؤلف ليست مما جاء به الكتاب والسنة، ولا ينبغي الخوض فيها لا بنفي ولا بإثبات؛ لأن الناس لا علم لهم بذلك، وإن كان بعضها لأن بعض هذه الأشياء تحوي حقًا وتحوي باطلًا، فلهذا فلا ينبغي أننا نمضي هذه الأشياء وهي لم يأت نفيها في الكتاب والسنة، وكذلك أيضًا لم يأت إثباتها، فالسكوت عنها أفضل، والسكوت عنها وعدم الخوض فيها أفضل. فقوله وتعالى «عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء» هذه الأشياء غالبًا يأتي بها أهل الكلام؛ لأن عقيدتهم غالبًا يفصلون في النفي ويجملون في الإثبات، يفصلون في النفي ويجملون في الإثبات. وهذه ليست عقيدة أهل السنة، وليست أيضًا طريقة القرآن؛ فغالبًا طريقة القرآن أنه يفصل في الإثبات ويجمل في النفي، ويجمل في النفي. وأيضًا كذلك الإثبات بالنفي أو النفي المحض ليس ثناء وليس مدحًا؛ النفي المحض غالبًا ما يكون مذمومًا إلا إذا ترتب عليه إثبات الضد. ولهذا أهل السنة رحمهم الله في الصفات المنفية فإنهم -أو الصفات السلبية- ينفونها ليس نفيًا محضًا، وإنما ينفونها ويثبتون كمال الضد، ويثبتون كمال الضد. فإذا نفوا مثلًا الظلم عن الله عز وجل كما نفاه الله عز وجل عن نفسه، أثبتوا بذلك كمال عدله سبحانه وتعالى. وإذا نفوا العجز أثبتوا كمال قدرته سبحانه وتعالى. أما النفي المحض فليس موجودًا في الكتاب والسنة، وليس أيضًا من عقيدة أهل السنة، وإنما من عقيدة أهل الكلام. وكذلك أيضًا كما قلنا أن النفي المحض ليس ثناء ولا مدحًا؛ إذا جاء مثلًا إنسان -كما ذكر الأئمة- مثل هذا المثال حتى يتضح هذه المسألة: إذا جاء إنسان مثلًا إلى رجل له وجاهة -كمثل أن يكون أميرًا أو ملكًا أو مسؤولًا كبيرًا- فيقول له: «أنت لست ببقال، وليست بكناس، وليست بطباخ، ولست بكذا وكذا» من هذه الأشياء التي ينفونها، فهذا لا شك أنه لا أذى ما سيرضى بهذا النفي؛ فلا ينبغي أن يقال هذا مع رب العالمين سبحانه وتعالى، لا ينبغي أن يقال أو أن ينفى نفيًا محضًا. وكذلك يجعل أو يجعل معنى إتيان صفات الله عز وجل بالسلب، هذه تجد عقيدة الأشاعرة أو غيرهم إذا قرأت في كتبهم في الصفات تجد أكثرها: «ليس بكذا، ليس بجسم، وليس بداخل العالم، وليس بخارجه، وليس بعظم، وليس بركن، أو ليست له أركان، وليست له أعضاء، وليست كذا»؛ من هذه أن يثبتون عقيدتهم أو يأتون بعقيدتهم بالنفي. وكما قلنا أن النفي والسلب إذا كان محضًا فليس ما يغلب ما يكون فيه ثناء ومدح، وكذلك أحيانًا يكون ذمًا. فهنا قوله «وتعالى عن الحدود والغايات»، أنا لا يحده شيء، ولا شك أن الله عز وجل لا يحده شيء سبحانه وتعالى؛ فهو أكبر من كل شيء جل وعلا. لكن هذه الكلمة يأتي بها أهل الكلام في مثلًا صفة العلو، وفي صفة الاستواء. وهذا بسبب أنهم شبهوا الله عز وجل بخلقه؛ فإذا جاء المثبت بقوله جل وعلا ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ قالوا: «استوى إذا كان استوى فهم محدود أن يتسوى على شيء، فهذا الشيء يحده». وأيضًا سيكون له جهات محدودة كما يقال. كما ذكر الإمام البخاري في كتاب «خلق أفعال العباد» أن هذه الآية قرأت عند امرأة الجهمية، فقالت: «محدود على محدود». انظر إلى هذا الجهل، وأيضًا التكبر على كلام الله عز وجل؛ فقالت: «محدود على محدود»، أي أن الاستواء إذا قلتم بالاستواء بظاهره، فهم معنى ذلك أنه محدود بالجهات، وأيضًا هو معنى مستوٍ على شيء محدود، وشبهوا الله عز وجل بخلقه؛ لأنهم ينظرون إلى الخلق لا يستوي إنسان على شيء إلا والشيء هذا يحويه، وكذلك لا ينظر -لا يكون شيء ينظر إليه- إلا وهو محدود. فجعلوا هذه القيود في صفات الله جل وعلا، وهذا جهل عظيم؛ لأن الله عز وجل ليس كمثله شيء، فهو سبحانه وتعالى مستوٍ على عرشه، وكذلك يأتي يوم القيامة للفصل والقضاء، وكذلك أيضًا هو يرى يوم القيامة، يراه أهل الإيمان، ويراه من ذكر في الأحاديث؛ فلهذا فليس هناك شيء قيد له محدود. إن كانوا أرادوا إثبات أو نفي الصفات على أن هذه الصفات تستلزم الحد، فإن هذا باطل. والواجب هو إثبات الصفات، إثبات صفات الله جل وعلا. قالوا «عن الحدود والغايات» أيضًا، وكذلك هذه الكلمة يأتي بها على أن الله عز وجل إذا قلنا مثلًا أنه يرى، أي أن له مكان وغاية، وهذا أيضًا باطل؛ لأن الله عز وجل ليس كمثله شيء. وأما الأركان والأعضاء والأدوات، فهذه إنما تكون للمخلوقات. لكن إن كانوا أرادوا بالأركان هذه والأعضاء هي صفاته سبحانه وتعالى، ونفي صفاته ما أثبته الله عز وجل لنفسه من الوجه ومن اليدين والعينين، فإن كانوا أرادوا كذلك فهذا باطل. وإن كانوا أرادوا أن له أركان وأعضاء يحتاج بعضها إلى بعض كبني آدم، فهذا باطل لا شك. لكن هذا اللفظ لم يأت نفيه ولا إثباته، فنحن لا ننفيه ولا نثبته. حتى أننا إذا نفينا نفينا احتمالًا فيه حق، واحتمالًا فيه باطل؛ لأن كثيرًا من الناس أو كثيرًا من أهل البدع ممن ينفي هذه الأشياء يريد نفي الصفات، يريد نفي الصفات. فلهذا إذا قيل له: «أن الله عز وجل أثبت لنفسه يدًا»، قال: «يد ليست جارحة»، وهو يريد أن يمثل بالمخلوق أن المخلوق له يد جارحة، ويد يحتاج بعضها إلى بعض هذا في المخلوق، لكن الخالق سبحانه وتعالى صفاته قائمة بذاتها جل وعلا. فلهذا فمعنى تشبيه المخلوق أو تشبيه الخالق بالمخلوق هذا جهل وظلم. والله عز وجل قد قال: ﴿ليس كمثله شيء﴾. قال: «لا تحوي الجهات الست كسائر المبتدعات»، أيضًا هذه الكلمة باطلة. أقصد مسألة نفي الجهات؛ نفي الجهات، فهذا الكلام فيه حق وباطل. الحق الذي ينفونها هو أن الله عز وجل في جهة العلو، نحن ما نقول أن هذه -لو قلنا أنها جهة- نقول أن هذه يدل هذا ويلزم أن الجهة محيطة بالله جل وعلا، لا هذا باطل؛ فالله عز وجل أعظم من كل شيء، وهذه الجهات مخلوقة خلقها الله سبحانه وتعالى. فلهذا فإنما نقول: إذا كان هناك جهة فهي جهة العلو، والله عز وجل في جهة العلو. إن كانوا أرادوا نفي هذا، إن كانوا أرادوا نفي هذا فهذا باطل. وإن كان أرادوا أنه نفي الجهات المخلوقة، وأنها لا تحيط بالله جل وعلا، فهذا لا شك أنه حق. لكن نفيه وإثباته هنا بسبب الاحتمال لا ينبغي أن نثبتها ولا ننفيها. وقد بيّن هذه الأمور الشيخ الإمام ابن تيمية رحمه الله في كتابه «الحموية»، بيّن شيء من هذا، وكذلك الإمام ابن القيم في «الصواعق»، فبينوا هذه المسألة، وأن هذه الأشياء التي تحتمل حقًا وباطلًا نفاها هؤلاء لأجل أن ينفوا صفات الله جل وعلا؛ فلهذا يقولون مثل هذا. والمؤلفون رحمه الله جاراهم في هذا، ولعله أراد النفي، لكن لم يصب في مثل هذه الأشياء أو في ذكر هذه الكلمات. فنكتفي بهذا والله تعالى.

شاركنا على