الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 52، ألقاها
يناقش إثبات صفة الخلة لله تعالى وإحاطته بكل شيء، ويؤكد على إيمان أهل السنة بما جاء في القرآن والسنة. كما يشرح صفة الكلام لله عز وجل بأنها صفة ذاتية فعلية.
يُناقش تحريم العشق غير المشروع وإنكار أهل البدع لصفات الله مثل الكلام والخلّة، ويذكر قصة الجعد بن درهم الذي أنكر خلة إبراهيم وتكليم الله لموسى.
يشرح معنى الإيمان والتصديق والتسليم بصفات الله، ويبين أن أهل الإيمان وأهل السنة يسلمون لله كل شيء لعلمهم بصدق كلام الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: والعرش والكرسي حق، وهو مستغن عن العرش وما دونهم، ومحيط بكل شيء وفوقه، قد أعجز عن الإحاطة خلقه. وتكلمنا بالأمس على صفة العلو أو الفوقية، وذكرنا بعض ما يذكر فيها من أقسامها، ومن ذلك قول بعضهم: البدع في العلو وغيره قالوا: قد أعجز عن الإحاطة خلقه. فالإحاطة كما ذكرنا قبل: إحاطة صفات، وإحاطة معاني، فهو محيط سبحانه وتعالى بكل شيء معاني وصفات، أي: بصفاته سبحانه وتعالى محيط بسمعه وبصره وعلمه جل وعلا. وقد ذكر أيضًا إحاطة خاصة، ومعية خاصة لموسى عليه الصلاة والسلام، ولنبينا صلى الله عليه وسلم، وهو: «إني معكما أسمع وأرى». قال: وقد أعجز عن الإحاطة خلقه، أي: أن الخلق عاجزون عن الإحاطة بالله جل وعلا، كما قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير﴾، لا تدركه الأبصار أي: لا تحيط به، وهو يحيط بكل شيء سبحانه وتعالى ويدركه. فبهذا قال: أعجز، وقد أعجز عن الإحاطة خلقه. قال رحمه الله: ونقول: إن الله اتخذ إبراهيم خليلا، وكلم الله موسى تكليما إيمانا وتصديقا وتسليما. أيضًا هذا مبحث، وهو اتخاذ إبراهيم خليلا. قال: ونقول: إن الله - نقول أي أهل السنة وأهل الحق - يقولون: أن الله عز وجل اتخذ إبراهيم خليلا، وكلم الله موسى تكليما مثل ما جاء في القرآن. فأهل السنة - بالحمد لله - يؤمنون بما جاء في القرآن، بما جاء في السنة، يؤمنون بالغيب، فمن ذلك أيضًا الذي يسلمون به ويؤمنون به: أن الله اتخذ إبراهيم خليلا، وكما أنه أيضًا اتخذ نبينا صلى الله عليه وسلم خليلا. فهذه الأشياء ذكرها قوله: أن الله اتخذ إبراهيم خليلا، واتخذ الله إبراهيم خليلا ذكرها ربنا جل وعلا في القرآن. فالواجب علينا أن نصدق كما ذكر ربنا جل وعلا، وأن الله سبحانه وتعالى اتخذ إبراهيم خليلا، فهذه الخلة تثبت لله جل وعلا. وقد تقدم معنا في الكلام على صفة المحبة: أن صفة المحبة مما يثبت لله عز وجل، صفة أو ثلاث صفات: الخلة والمودة والمحبة على العموم. وأما غيرها من الصفات، فلم تثبت عن أو في القرآن، ولا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلهذا لا نثبتها لله، بل إن بعضها - كما هو معلوم - فيها باطل. بعض هذه أنواع المحبة كالعشق، العشق لا يجوز أن يطلق على الله ورسوله، لا يقول: حاشق الله، فهذا لا يجوز. لماذا؟ لأن العشق هو محبة مع شهوة، العشق محبة مع شهوة، ما تصلح إلا للزوج مع زوجته. الزوج مع زوجته هذا الذي يصلح أن يكون عشقًا، وأما العشق أو يقول: عاشق الله، وعاشق النبي، هذه لا تجوز؛ لأن العشق لا يكون لله عز وجل، ولا لرسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز للإنسان أن يعشق أحدًا لا يحل له أن - مثلًا - لا يحل له أن يتزوجه - مثلًا - إذا كان امرأة، فلا يجوز له أن يعشق إلا زوجته، أو إن كان امرأة - مثلًا - عشقها فيجب عليه أن يتزوجها. وعما إن كانت امرأة لغيره فلا يجوز، وكذلك أيضًا مثلًا الأولاد، وكذا هذا أيضًا من المحرمات، والواجب على المسلم أنه يبعد ذلك عن نفسه. ثم قال أيضًا: وكلم الله موسى تكليما، وهنا قال: إيمانا وتصديقا وتسليما. ذكر في كتب العقائد والتاريخ: أن أول من أنكر خلة إبراهيم وتكليم الله عز وجل لموسى هو الجعد بن درهم، الجعد بن درهم رجل من أهل البدع، يقال: أنه تعلم عند رجل يقال له: طالوت، وهذا طالوت تعلم عند نبي من عصر اليهود، الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم، فدل على أن هذا الرجل أخذ عقائده من اليهود، أو أنه أراد أن يفسد في الإسلام. فهذا الجعد بن درهم قال: أن الله عز وجل لم يتخذ إبراهيم خليلا؛ لأن الخلة - قال - لا تجوز على الله عز وجل، وقال أيضًا: ولم يكلم الله موسى تكليما؛ لأنه قال: الله عز وجل منزه عن الكلام، هكذا يقول، فلهذا كان في ذلك الوقت في العراق الأمير خالد - خالد بن عبد الله القسري - كان من أهل السنة، إلا أنه فيه شيء من الظلم، وكذا، لكنه كان على عقيدة أهل السنة. لما سمع بذلك، لما سمع أن الجعد بن درهم يقول مثل هذا الكلام، صعد على المنبر وقال - وكان يوم عيد -: «تقبل الله ضحاياكم»، أو قال: «ضحو تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم؛ فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما». لأن أهل البدع ينكرون صفة الكلام، ولهذا قال بعضهم تحريفًا لهذه الآية - عند بعض أهل اللغة، وهو أبو السعيد العرابي -: جاء رجل من أهل البدع وقال: إن بعض الناس يقرأ هذه الآية: «وكلم الله موسى تكليما»، أن جعل الذي تكلم هو موسى. فقال: فإن جاز له ذلك، فأين هو من قول الله عز وجل: ﴿فلما جاء موسى وكلمه ربه﴾، أنا كيف سيتصرف فيها؟ لأن الضمير هنا واضح على أنه عائد لله عز وجل، فلا إشكال فيه. فلما جاء موسى وكلمه ربه، فلهذا هؤلاء أهل البدع حاولوا أن يحرفوا في كتاب الله جل وعلا، لكنهم لم يستطيعوا. فقال المؤلف رحمه الله: إن الله اتخذ إبراهيم خليلا، وكلم الله موسى تكليما، صفة الكلام لله عز وجل صفة ذاتية فعلية، كما تقدم معنا في بداية الكتاب، صفة ذاتية فعلية، أي: أن الله عز وجل متصف بصفة الكلام، وهو أيضًا يتكلم متى شاء جل وعلا، وهذا الذي جاء به النصوص، جاءت به نصوص الكتاب والسنة. فربنا جل وعلا كلم بعض أولياء، كلم موسى عليه الصلاة والسلام، وكلم محمدًا صلى الله عليه وسلم في المعراج، وكلم أيضًا بعض عباده كما جاء في حديث جابر، قال النبي صلى الله عليه وسلم لجابر: «إن الله عز وجل لم يكلم أحدًا كفاحًا، لم يكلم أحدًا إلا من وراء الحجاب، وكلم أباك كفاحًا»، وقال: «يا عبدي تمن»، قال: «يا رب أريد أن ترجعني إلى الدنيا حتى أقتل في سبيلك»، قال: «إنه قد كتب أنهم لا يرجعون». فهذا أيضًا من الأدلة التي فيها كلم الله عز وجل هذا العبد الصالح، وهو عبد الله بن عمرو بن حرام النجاري الأنصاري - أقصد السلمي الأنصاري - عبد الله بن عمرو بن حرام السلمي من بني سلمة من الأنصار رضي الله عنه، فأيضًا الله عز وجل له صفة الكلام جل وعلا، ويتكلم ما يشاء. وقال العلماء: أنه يقال: أن لله عز وجل صفة ذاتية فعلية، ذاتية بالنسبة لقدم الذات، فهي لا تنفك عن ذات الله جل وعلا، فهي صفة من صفاته سبحانه وتعالى، وأيضًا على أنها فعلية، أي: أن الله عز وجل متى شاء تكلم، يكلم أهل الجنة، يكلم أهل النار توبيخًا لهم، وهكذا يكلم عباده الصالحين. فصفة الكلام لله عز وجل، فقوله هنا أيضًا: إيمانا وتصديقا وتسليما، وقد تكلمنا على صفة الكلام والقرآن فيما قد مر، فقال: إيمانا وتصديقا وتسليما، هذه الكلمات قد تكون بمعنى أو متقاربات، لكن الظاهر أن معناها التغاير. فقوله: إيمانا، أي: بهذه الآيات التي جاءت، وتصديقا وتسليما. قال بعض أهل العلم: أن الإنسان قد يؤمن باتخاذ الله عز وجل إبراهيم خليلا، لكن لا يصدق هذا، لا يصدق معناه، فمثلًا بعض الشراح على شروح يثبتون يؤمنون بهذه الآية، ويقولون بعضهم - خاصة المفوضة منهم - يقولون: نحن نؤمن بمعنى أو نؤمن بهذه الآية: أن الله اتخذ إبراهيم خليلا، لكن ما ندري أش خليلا هذه ما ندري ما الخلة التي يقصدها الله عز وجل. وأما الخلة هذه التي هي المحبة - يقولون - لا، لا نثبتها لله، وإنما نقول: أن معناها الرضا، فهم الآن آمنوا بما جاء في القرآن، لكنهم لم يؤمنوا بمعناه، وهذا هو التصديق، لم يصدقوا بمعنى الخلة، وكذلك الكلام كذلك أيضًا الكلام، فلا شك أن يؤمنون بكلام الله عز وجل القديم، ووصف صفة الذات، ولا يؤمنون بصفة الفعل، لا يقولون: أن الله عز وجل يتكلم ما يشاء مثل ما يقول أهل السنة. فلهذا ينقصهم التصديق مع الإيمان، وإلا فكل من آمن فهو مصدق، وكل من سلم فهو مصدق أيضًا مؤمن، لكن تتغاير ببعض الأشياء، فقد يكون الرجل مؤمنًا، لكنه ليس بمسلم، عنده إيمان أن هذا من الله، لكن يدخله الشك في بعض الآيات أو في بعض الأحاديث بسبب عدم تسليمه لله جل وعلا. وأما أهل الإيمان وأهل السنة، فهم يسلمون لله سبحانه وتعالى كل شيء؛ لأنهم يعلمون أن الله عز وجل ما يتكلم إلا بالحق، ومن أصدق من الله حديثًا، ومن أصدق من الله قيلًا. فهذا شيء مما يذكر في هذه العبارة التي قالها المؤلف رحمه الله، فنكتفي بهذا والله تعالى أعلم.