كتاب الجنايات 7

الدرس في كتاب الجنايات 7، ألقاها

أحكام قطع الطرف وشروط وجوب القصاص

يناقش هذا الفصل النوع الثاني من الجنايات وهو قطع الطرف، ويشرح شروط وجوب القصاص في قطع الطرف العمد. يُشترط لوجوب القصاص إمكان الاستيفاء بلا حيف.

شروط التماثل في القصاص وتطبيق الدية عند عدم التماثل

يشترط في القصاص التماثل بين عضوي الجاني والمجني عليه، وإذا لم يكن هناك تماثل أو استواء، فلا يقتص من الجاني بل تجب الدية. يُفصّل هذا الفصل شروط التماثل والاستواء.

دية إبطال منفعة العضو والحكومة

إذا أبطل الجاني منفعة عضو المجني عليه، فعليه دية نفس كاملة أو جزء منها حسب الضرر. إذا لم يمكن معرفة قدر الذاهب، وجب الحكم بالحكومة التي يقدرها الحاكم.

تطبيق الدية على الأعضاء المزدوجة

دية الأعضاء المزدوجة كاللحية والأذنين تُحدد بناءً على ما إذا كانتا معاً أو واحدة منهما. هذا الفصل يشرح كيفية حساب الدية للأعضاء المزدوجة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -وفقه الله-: النوع الثاني قطع الطرف، يعني من أنواع الجنايات والجروح مر معنا أنها على ثلاثة أنواع: جناية بالجرح، وجناية تكون بقطع الطرف، وجناية تكون بإبطال منفعة عضو. أخذنا القسم الأول، هو ما يتعلق بالجناية بالجرح. قال: النوع الثاني قطع الطرف. قال: تنقسم هذه الجناية إلى ثلاثة أقسام: أولا عمد، وثانيا شبه عمد، وثالثا خطأ، كالجناية على النفس، يعني في هذا التقسيم. قال: ولا يجب القصاص في الخطأ وشبه العمد، وإنما يجب في العمد، كالقتل بشروط ثلاثة، يعني الجناية في قطع الأطراف لا يجب فيه القصاص في الخطأ وشبه العمد، وإنما يجب في العمد كالقتل، لا يجب فيه القصاص إلا في قتل العمد، وأما الخطأ وشبه العمد فليس فيه قصاص، أو لا يجب فيه القصاص. قال: بشروط ثلاثة. أولا: إمكان الاستيفاء بلا حيف، بلا حيف، يعني من غير تعدي، من غير ظلم وتعدي. قال: وذلك بأن يكون القطع من مفصل، أو له حد ينتهي إليه، كالأنامل والكوع والمرفق، فلا قصاص في جراحة لا تنتهي إلى حد كالجائفة، ولا قصاص في كسر عظم غير السن، ككسر عظم الفخذ والذراع والساق. هذا الشرط الأول في وجوب القصاص في الأطراف، إمكان الاستيفاء بلا حيف. ثم ذكر الضابط في عدم الحيف، بأن يكون القطع من مفصل، أو حد إلى حد ينتهي إليه، من مفصل، كالأنامل، هذه الأصابع، أصابع الأنامل في الأصبع، لا حد، لا مفاصل ممكن أن يقتص منها بلا حيف، أو الكوع، يعني من كوع اليد، أو المرفق، هذا مفصل ممكن أن يقتص، أو إلى حد ينتهي إليه. قال أهل العلم: كمار الأنف، مار الأنف ليس له مفصل، لكن له حد ينتهي إليه، فيمكن منه القصاص. قال: فلا قصاص في جراحة لا تنتهي إلى حد كالجائفة، قلنا الجائفة هي الجراحة التي تصل إلى الجوف، سواء كان في البطن أو الظهر أو الجنب، تغوص في الجسم وفي البدن، هذه ما يمكن فيها الاستيفاء لأنها ليس لها مفصل ولا حد ينتهي إليه. وكذلك لا قصاص في كسر عظم غير السن، لأن الأسنان محدودة ويمكن استيفاء القصاص بها، بخلاف الفخذ والذراع والساق، هذه عظام ما يمكن أن يستوفى منها القصاص بلا حيف. وقال بعض أهل العلم: أن هذا لا يشترط، يعني أن يكون الضابط أن يكون من مفصل أو حد ينتهي إليه، بل يقال إمكان الاستيفاء بلا حيف مطلقا، سواء كان بمفصل يقتص منه، أو يكون له حد ينتهي إليه، أو بغير ذلك، إذا أمكن من خلال الطب الحديث اليوم أن يقتص من الجاني بمثل جنايته، ولو كانت في غير مفصل أو حد ينتهي إليه، فيجوز حينئذ القصاص. وإلى هذا ذهب العلامة العثيمين -رحمه الله-. قال: ثانيا: التماثل بين عضوي الجاني والمجني عليه في الإسم والموضع، فلا تؤخذ يمين بيسار، ولا خنصر ببنصر، ولا عضو أصلي بزائد. أيضا يشترط في القصاص في الأطراف التماثل بين عضوي الجاني والمجني عليه، الجاني المعتدي والمجني عليه الذي اعتدي عليه، في الإسم والموضع، يد بيد، قدم بقدم، أذن بأذن، عين بعين، وهكذا. أيضا يمين بيمين، بيسار بيسار، إذا اعتدى الجاني على المجني عليه في يده اليمنى، فلا يقتص من الجاني بيده اليسرى، بل يمين بيمين، يسار بيسار. وهكذا في الأصابع، الخنصر بالخنصر، والبنصر بالبنصر، الخنصر أصغر الأصابع، إذا قطع، قطع مثلا إصبع المجني عليه الخنصر، ما نأتي نقطع إصبعه البنصر، لا نقطع الخنصر نفس الإصبع. ولا عضو أصلي بزائد، مثلا المجني عليه عنده ست أصابع، عنده ست أصابع وقطع الزائد، أو مثلا قطع أحد أصابعه قطع مثلا أحد أصابعه الأصلية، قطع أحد أصابعه الأصلية الوسطى مثلا، والمجني عليه الجاني عنده ست أصابع، ما يقتص من الجاني بالزائدة، وإنما بأصلية، أنه قطع أصلية، فيقطع منه كذلك عضو أصلي. قال: ثالثا: استواء العضوين من الجاني والمجني عليه في الصحة والكمال، فلا تأخذ صحيحة بشلاء، ولا كاملة الأصابع بناقصتها. وهكذا كذلك استواء العضوين من الجاني والمجني عليه في الصحة والكمال، فتقطع صحيحة بصحيحة، وكاملة بكاملة، فلا تأخذ صحيحة بشلاء، لا تأخذ صحيحة بشلاء، مثلا الجاني قطع يد المجني عليه، ويده مشلولة، يد المجني عليه مشلولة فقطع، هل نقطع يد الجاني؟ الجواب لا، لماذا؟ نقول: لأن يد المجني عليه مشلولة، ليس صحيحة كيد الجاني، لكن ما الذي يجب؟ يجب الدية، تجب حينئذ الدية. وهكذا مثلا الجاني أعور، والمجني عليه مبصر، فاعتدى على المجني عليه فأخذ إحدى عينيه، أبطل إحدى عينيه، صار المجني عليه أعور، هل نقطع من الجاني بإذهاب العين الأخرى التي ينظر بها؟ الجواب لا، لماذا؟ لأن لو اقتصصنا منه لصار أعمى، لصار الجاني أعمى، والمجني عليه مبصر، ليس بأعمى، فحينئذ لا يقتص منه، لكن تجب الدية في قول عند الحنابلة، تجب الدية كاملة، وعند آخرين تجب نصف الدية. النوع الثالث: إبطال منفعة العضو، إذا أبطل الجاني منفعة عضو المجني عليه، فإنه لا قصاص عليه لعدم إمكان الاستيفاء بلا حيف، وعليه في ذلك دية نفس كاملة. إذا أبطل الجاني منفعة عضو، مثلا السمع، ضربه فذهب سمعه، فذهب سمعه، صار أصم، هنا ما يقتص من الجاني، لكن تجب عليه الدية كاملة، وقس على ذلك كل عضو أبطل منفعته، وجبت فيه الدية، ضربه مثلا في وجهه فذهب بصره، وجبت الدية كاملة، ضربه في أنفه فذهبت حاسة الشم، وجبت الدية كاملة. قال: ومن نقصت منفعة عضوه، فإن عرف قدره، وجب له من الدية بقدر الذاهب، كنصف الدية أو ربعها، مثلا إذا كان الذاهب نصف المنفعة أو ربعها. يعني مثلا إذا اعتدى عليه فأذهب نصف سمعه، صار سمعه بالنصف، تجب له نصف الدية، أذهب نصف البصر، فله نصف الدية. قال: وإن لم يمكن معرفة قدر الذاهب من المنفعة، وجبت حكومة، يقدرها الحاكم باجتهاده. الحكومة أن يقدر المجني عليه أنه عبد سليم، قيمته كم؟ كذا وكذا، ثم يقدر أنه به الجناية هذه الجناية التي أصابته، ثم ينظر إلى الفارق بين قيمته سليما وبين قيمته وفيه هذه الجناية، فالفارق هو الذي يجب له من الدية، هذا يقدره الحاكم باجتهاده، الحاكم هو القاضي. قال: ومن المنافع زوال العقل، والسمع، والبصر، وإبطال الشم، وذهاب النطق والصوت. كذلك إذا اعتدى عليه فذهب عقله، صار مجنونا، وجبت له الدية، اعتدى عليه فذهب نطقه، صار ما يستطيع يتكلم، وذهب الصوت، وجبت له الدية. قال: والذوق كذلك، لو كان الاعتداء على لسانه فأذهب ذوقه، صار ما يستطيع أن يذوق الطعام، فله الدية كاملة. وزوال المضغ، يعني كذلك إذا اعتدى عليه فما استطاع أن يمضغ الطعام، فله الدية. وزوال الإمناء، ضربه مثلا في فرجه فصار لا يستطيع أن يخرج منه المني، فتجب له الدية، لأن هذه منفعة. قال: وإبطال قوة الإحبال، وغير ذلك، يعني من المنافع، أي منفعة تبطل في الإنسان بسبب الجناية والاعتداء، فله الدية كاملة. وهكذا أيضا هذا ما يتعلق بإبطال منفعة العضو. ومن باب الفائدة الإنسان كاملا إذا اعتدى عليه وتلفت نفسه، ففيه الدية كما مر معنا في القتل. وكذلك أيضا في الأعضاء، في الأعضاء كل ما كان للإنسان فيه عضوان من جنس واحد، ففيهما الدية كاملة، وفي أحدهما نصف الدية، مثلا الأصابع عشر، فيهما الدية، وفي الخمس نصف الدية. اليد كذلك في كل اليدين الدية، في أحدهما نصف الدية. في العينين الدية، وفي أحدهما نصف الدية. الحواجب فيهم الدية، الشفتين الدية، اللسان الدية، في القدمين دية، وفي أحدهما نصف الدية. في الذكر الدية كذلك. في اللحية الدية، اللحية فيها دية كاملة، يعني لو اعتدى عليك فما نبتت اللحية، فلك الدية كاملة. وفي الأذنين الدية، وفي أحدهما نصف الدية. وقس على ذلك كل ما كان في الإنسان عضوين من جنس واحد، فيهما الدية، وفي أحدهما نصف الدية. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وصحبه أجمعين.

شاركنا على