الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 77، ألقاها
لا يجوز الشهادة لأحد بجنة أو نار إلا بنص من الكتاب أو السنة، وإلا يدخل تحت مشيئة الله. قد تكون هناك أسباب لمغفرة العصاة مثل الشفاعة أو حسناتهم أو دعاء أولادهم.
أهل الكبائر تحت مشيئة الله، ولا نشهد بالكفر أو النفاق على المسلمين ما لم يظهر منهم شيء من ذلك. يعامل المسلمون معاملة الإسلام حتى يظهر منهم كفر أو نفاق.
يُناقش حكم تكفير المسلمين بتوافر الشروط وانتفاء الموانع، ويُشدد على أهمية الستر على المسلمين ما لم يظهر منهم كفر أو نفاق بوضوح. ستر الله على العبد مستحب إذا لم يظهر سوءه للناس.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: «ولا ننزل أحدًا منهم -أي من أهل الإسلام- جنة ولا نار، ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق ما لم يظهر منهم شيء من ذلك، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى». فهذه العبارة تقدم معنا بسؤال في قوله: «ولا ننزل أحدًا منهم جنة ولا نار»، فلا نشهد لأحد بجنة ولا نار إلا ما شهد له الكتاب والسنة. وذكرنا أقوال العلماء فيها. والصحيح في هذا أنه لا يشهد لأحد بجنة ولا نار إلا ما شهد له الكتاب والسنة، شهد ما جاء في الكتاب، وجاء كذلك في السنة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فمن عينه بجنة أو نار، عيناه من لم يعينه بجنة ولا نار. واختار بعض العلماء، كشيخ الإسلام ابن تيمية، أن من استفاضت عدالته، واستفاضت شهرته، واستفاضت تقواه وصلاحه، كمالك والشافعي وابن المبارك، والسفيان الثوري، وأحمد، وغيرهم من الأئمة، قال بعض العلماء: لا بأس أن يشهد له، لكن الأصح أن لا يشهد إلا لمن شهد له الكتاب والسنة؛ لأن هذا أمر غيبي. وإن كنا نرجو لهم هذا، لكن لا نجزم بذلك إلا لمن شهد له الكتاب والسنة. أما من ناحية العموم، فلا شك أنه كما ذكرنا قبل، أن نجزم بأن أهل الإيمان وأهل الإسلام في الجنة، وأهل الكفر والنفاق في النار، فهذا لا شك فيه. وأما العصاة، فنقول: إنهم تحت مشيئة الله، كما يقوله علماء السنة. أهل الكبائر هم تحت مشيئة الله جل وعلا، إن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم. ومثل المغفرة لهم قد تكون بشفاعة، قد تكون كذلك بحسنات لهم، قد تكون أيضًا حتى بأولادهم، بدعوة أولادهم، استغفار أولادهم لهم. بل أيضًا حتى بالصبر على فراق الأحبة، من مات عنه ولد أو ولدان، فاحتسبهما، واحتسب أجرهما على الله، أيضًا يدخل في ذلك الأمر في الشفاعة. كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لذاك الرجل: «ألا تريد أن تأتي إلى باب من أبواب الجنة فتجده أمامك؟» قال: «بلى يا رسول الله». قال: «فإذن». وقال عليه الصلاة والسلام: «من مات...» كما في سنن أبي داود: «ما تعدون الرقوب فيكم؟» قالوا: «الرقوب الذي لا ولد له، الذي لم يولد له، يسمى رقوبًا في لغة العرب». فقال: «الرقوب الذي لا فرط له». والرقوب هو المنقطع. فقال عليه الصلاة والسلام: «الرقوب الذي لا فرط له». والمراد: لا فرط له، أي لم يتقدم له أحد أبنائه أو أكثر، أنهم يموتون صغارًا. فقال عليه الصلاة والسلام: «الرقوب الذي لا فرط له». فمن كان له فرط، فليحمد الله جل وعلا. ليس هذا أمرًا سيئًا، معناه: كان هو في ظاهره سيئًا؛ لأنه يفقد من أحب الناس إليه، لكنه يترتب عليه الأجر العظيم. يترتب عليه الأجر العظيم أن يجعله فرطًا له يوم القيامة، متقدمًا وفرطًا، أي مقدمًا متقدمًا له، يقدمه إلى الجنة. فهذه كلها أشياء تشهد للعبد يوم القيامة، وقد يغفر الله عز وجل له ذنوبه، ويدخله الجنة بسبب هذه الحسنات العظيمة. فلهذا أهل الكبائر هم تحت مشيئة الله جل وعلا، إن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم، سبحانه جل وعلا. ثم قال رحمه الله: «ولا نشهد عليهم -أي على أهل القبلة كذلك، وعلى أهل الإسلام- بكفر ولا بشرك ولا بنفاق ما لم يظهر منهم شيء من ذلك، وندر سرائرهم إلى الله». فهنا أيضًا مسألة أخرى، وهي الشهادة بالكفر والشرك والنفاق. معلوم أن هذه الأمور غالبًا تكون غيبية؛ لأن غالبًا الإنسان لا يعلم كفر أخيه أو شركه. لكن كما قال الإمام وأمير المؤمنين عمر بن خطاب رحمه الله: «ليس لنا إلا ما ظهر لنا، من أظهر لنا خيرًا، قربناه، ومن أظهر لنا شرًا، بعدناه». فمن ظهر منه الكفر والشرك بالله والنفاق، فإنه يحذر منه. كذلك أيضًا قد يشهد عليه بذلك، لكن هذا بحسب المصلحة، حسب المصلحة، وخاصة في المعين. وإلا الأصل أنه يترك كذلك. فهذا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يعلم كثيرًا من المنافقين، وكانوا يظهرون الإسلام، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يعاملهم معاملة أهل الإسلام، ما يفرق بينهم وبين المسلم، معناه: في الحقوق. فلهذا هؤلاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أنه يعلم، يطلعه الله عز وجل على كثير من هؤلاء، لكن الله عز وجل جعل ذلك له سبحانه وتعالى، أي ما في القلوب. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾. وقد اتفق العلماء أن المنافقين يعاملون في الدنيا معاملة المسلم، سواء كان حاكمًا أو محكومًا. بعض الناس مثلًا يقول: «هذا الحاكم منافق». طيب لو سلمنا لك أنه منافق، من أين عرفت أولًا أنه منافق؟ ثم لو سلمنا لك أنه منافق، هل أظهر نفاقه؟ لأنه إذا أظهر نفاقه، فهذا يعتبر زنديقًا كافرًا. لكن إذا لم يظهر نفاقه، فمن أين تعرف النفاق؟ هو في قلبه. فلهذا إذا لم يعرف هذا الأمر، ولم يظهر عليه، فإنه يعامل معاملة المسلم. كذلك أيضًا الرجل الكافر مثلًا، قد يكون كافرًا في نفس الأمر، لكننا لا نعلم. هو يظهر الإسلام، قد يصلي مثلًا، فقد يتشهد، يذكر الله، لكنه عنده شيء من الشركيات، عنده أيضًا أفكار كفرية. فهو لم يظهرها، لكن قد ينتسب إلى بعض المذاهب الهدامة، قد ينتسب إلى بعض المذاهب الكفرية. فهل يكفي هذا في تكفيره؟ فهذا لا يكفي في أن نقول: إنه كافر. ولهذا قال العلماء: إن باب التكفير، وأيضًا باب الحكم بالردة، وغيره، هذا باب خطير جدًا. لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في البخاري قال: «من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما». معناه: إما يكون كافرًا، أو ترجع إليه. معناه: يكون قد كفر نعمة الله عز وجل عليه، وتنكر لهذه الرابطة العظيمة التي جعلها الله عز وجل بينه وبين أخيه، فأنكرها. ومعنى ذلك أنه سيستحل دمه، وسيستحل عرضه، وسيستحل أيضًا كذلك ماله. فليس بالأمر الهين أن يكفر الإنسان مسلمًا. وكما قال الإمام الصنعاني رحمه الله: «لأن أدخل رجلًا في الإسلام، وليس بمسلم، أحب إلي من أن أكفر رجلًا مسلمًا». لأن أقول مثلًا لرجل كافر: إنه مسلم، أو أسلم عليه، أظنه مسلمًا، وهو ليس بمسلم، هذا أحب إلي من أن أكفر مسلمًا. ولهذا الله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. فبعض الناس يجعل الإسلام صالحًا له، إذا رأى أن رجلًا مثلًا في قلبه منه شيء، أو هذه القبيلة، أو هذه البلاد، يقول: «هؤلاء أصلا كفار، فلا يسلم عليهم». فإن سلموا عليه، لا يرد عليهم. فقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. فلهذا قلنا: ليس بالأمر الهين. ولهذا قال المؤلف: «ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق ما لم يظهر منهم شيء من ذلك». فإذا ظهر مثلًا المنافق، أظهر نفاقه، هذا يعتبر زندقة، يعتبر كفرًا لله جل وعلا. أن المنافق يظهر كفره مثلًا، يسب دين الله جل وعلا، أو يؤيد دين الكفار على دين الإسلام، يقول مثلًا: اليهودية أو النصرانية أفضل من الإسلام، هو من معنى يظهر الإسلام، لكن هو منافق. فإذا أظهر نفاقه، فقال مثلًا: إن اليهودية أو النصرانية أفضل من الإسلام، فهذا لا شك أنه زنديق كافر بالله جل وعلا، وقد أظهر نفاقه. ثم إذا هذا الإنسان أظهر نفاقه، أو أظهر كفره، بسب دين الله، أو بالاستهزاء بدين الله جل وعلا، أو بغيره من أمور الكفر، فإن أظهر ذلك، فإنه تقام عليه الحجة، ولا يكفر إلا إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع. لا يكفر كما تقدم معنا، وسيأتي إن شاء الله تعالى أيضًا زيادة التأكيد في هذا الباب. فأيضًا لا يكفر إلا إذا توفرت الشروط، وانتفت الموانع، كما تقدم معنا من الشروط: أن يكون عامدًا في قوله، لا أنه مثلًا خرج منه خطأ أو نسيانًا أو كذا. فهناك شروط لابد أن تكون، وهناك أيضًا موانع، يمتنع قيام الكفر عليه، وقيام النفاق عليه. فلهذا قال المؤلف: «ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق ما لم يظهر منهم شيء من ذلك». وهذا أيضًا يدلنا على ما ذكرناه قبل: أن المسلم قد يكون عنده شيء من الكفر، وعنده شيء من النفاق، وعنده شيء من الشرك، قد يكون هذا، لكنه باقيًا على الإسلام؛ إما أن يكون هذا الشرك فعله متأولًا، أو بجهل، أو أن هذا أيضًا الكفر لم يكن، أو فعله على مثلًا تقليد لبعض أعداء الله عز وجل. مثل ما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «اثنتان في أمة هما بهم كفر: الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت». فهي من الكفر، لكنها إذا كانت في الشخص لا يكفر بالله، ويكون كافرًا بالله جل وعلا المخرج من الملة. وقد تقدم معنا أن بينا هذا، وذكرنا وجهه. فهذا شيء مما يذكر في هذه العبارة. وقوله هنا: «وندر سرائرهم إلى الله»، أي إذا لم يظهر منهم شيء. والأصل: الستر على المسلم. الأصل: الستر على المسلم. ومن ستر على مسلم في الدنيا، ستر الله عز وجل عنه في الدنيا والآخرة. ولهذا الستر مطلوب حتى لأهل المعاصي، وأهل الفسق، إلا لمن قد كثر شره، ولمن أذاه، فهذا الذي ينبغي أن لا يستر عليه. وأما إن كان إنسان لم يظهر، ولم يعرفه الناس بسوء، بشر، فهذا لا بأس، بل مستحب أن يستر عليه. فهذه بعض الأشياء التي ذكرناها في هذا المقام. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.