الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  163

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 163

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 163، ألقاها

مقدمة في شرح حديث الصدقة عن المفاصل

يبدأ الشرح بتوضيح حديث النبي عن وجوب الصدقة عن كل مفصل في جسم الإنسان، ويبين أهمية هذا الحديث في حياة المسلم. كما يشير إلى سند الحديث وشرح لبعض أسماء الرواة والمناطق المذكورة.

بيان عدد مفاصل الإنسان وأبواب الصدقة

يفصل هذا الجزء عدد مفاصل الإنسان ويبين أن الصدقة ليست قاصرة على المال بل تشمل الأفعال الصالحة مثل التسبيح والتحميد. كما يشير إلى أن ركعتا الضحى تجزئ عن التصدق عن كل مفصل.

أبواب الصدقات ودور النية في تكثير الأجر

يتناول هذا الجزء أبواب الصدقات المختلفة مثل إعانة الآخرين وإغاثة الملهوف، ويبرز دور النية في تكبير الأعمال وتكثير أجرها عند الله. كما يشير إلى فضل الله في مضاعفة الأجر.

تحذير من كثرة السيئات ووجوب تعويضها بالخير

يختم الشرح بالتحذير من كثرة السيئات وضرورة تعويضها بفعل الخير وذكر الله، مشيرًا إلى أن كثرة السيئات دليل على خيبة وخسارة الإنسان.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا زيد وهو ابن الحباب، أبو الحسين العقلي البصري، وقد تكلم في بعض العلماء في حفظه، فلهذا حديثه حديث حسن. وقد أخرج الإمام مسلم له، أما البخاري فلم يخرج له. قال رحمه الله: حدثني حسين -والحسين هنا قد تكرر كثيرا رواية زيد بن الحباب عن حسين-، حسين هو ابن واقد، حسين بن واقد المروزي. قلنا إن عبد الله بن المبارك كان يقول: من لنا بمثل حسين بن واقد، أنا في زهده وعبادته وعلمه. ولما سئل عن الجماعة، قال: الحسين بن واقد وأبو حمزة السكري. قال رحمه الله: وهو مروزي، من مرو. عندما ينسب إلى مرو يقال: مروزي. وهناك أيضا مرو أخرى تسمى مرو الروذ، مرو الروذ وهي في خراسان كذلك، وينسب إليها مروزي، النسبة إليها مروزي. وهناك أيضا الري أيضا بلدة من بلاد خراسان، يقال لها: الري، والنسبة إليها رازي. وغالبا نسب أهل المشرق ليس كنسب أهل الجزيرة، معنا العرب. قال رحمه الله: حدثني حسين بن واقد، قال: حدثني عبد الله بن بريدة. عبد الله بن بريدة أصله من المدينة، لكنه سكن مع أبيه في مرو، في الثغر. لأن بريدة قد سكن البصرة كذلك، لما ابتنيت البصرة في عهد عمر، أنا مصر يقال: عمر مصر الأمصار، أي فتح أمصارا جديدة، وصارت أمصارا جديدة في عهد عمر، ومنها البصرة والكوفة. البصرة والكوفة ما كانت في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إنما صارت في عهد عمر، لما كانت الثغور بعيدة في خراسان، وقد فتحت العراق والشام، فأرادوا منطقة تكون أقرب إلى الثغور، فاختاروا ذلك المكان، فبنيت فيه مدينة البصرة، وكذلك الكوفة، وكذلك بينهما بعد ذلك بنيت مدينة بينهما سميت واسطا، لأنها وسط بين البصرة والكوفة. فكان عبد الله بن بريدة لما صارت هذه الأمصار ذهب إلى البصرة، ثم رجع إلى الثغور، وبقي في مرو خراسان حتى مات، رضي الله عنه. وأبو بريدة بن حصيب، وكان عبد الله وسليمان ابنا بريدة معه. فقال: حدثني عبد الله بن بريدة، قال: سمعت أبي بريدة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «في الإنسان ستون وثلاثمائة مفصل، فعليه أن يتصدق عن كل مفصل منها صدقة». قالوا: فمن الذي يطيق ذلك يا رسول الله؟ قال: «النخاعة في المسجد تدفنها، أو الشيء تنحيه عن الطريق، فإن لم تقدر فركعتا الضحى تجزئ عنك». قال: والحديث أخرجه أيضا أحمد، فقال: حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، وهو مروزي، قال: أخبرنا حسين بن واقد، فذكره. وهذا إسناد صحيح، علي بن الحسين ثقة من أصحاب عبد الله بن المبارك. قال: وقال أخرجه هو وأبو داود، وقال: حدثنا أحمد بن محمد المروزي، وهو ثقة كذلك، قال: حدثني علي بن الحسين بن واقد، قال: حدثني أبي، فذكره. قال: هذا حديث صحيح، أي بالأسانيد الأخرى، وإلا أصل الحديث حسن. قال: وأخرجه محمد بن نصر المروزي الشافعي، قال في كتاب الصلاة، فقال رحمه الله -أي في كتابه الذي سميناه تعظيم الصلاة أو تعظيم قدر الصلاة-، فقال رحمه الله: حدثنا هارون بن عبد الله الجمال، وهو حافظ من حفاظ الحديث، قال: حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، هو مروزي، قال: حدثنا الحسين بن واقد به. وهارون بن عبد الله عراقي من أهل بغداد، معنى أهل العراق غالبا يطلق على بغداد والبصرة والكوفة والواسط. فهذا حديث صحيح، جاء بإسناد صحيح عن بريدة، كما ذكر الشيخ هنا رحمه الله. والحديث قد جاء في الصحيحين، جاء من حديث أبي هريرة، لكن لم يذكر ستون وثلاثمائة مفصل، وإنما قال عليه الصلاة والسلام: «كل سلام على المرء صدقة، كل سلام على المرء صدقة». والسلام على المفصل. وجاء في صحيح مسلم أنه: «ستون وثلاثمائة مفصل»، كما جاء هنا. معنى ثلاثمائة وستون مفصلا في الإنسان، وهذه الثلاثمائة وستون ينبغي للإنسان أن يتصدق على كل مفصل من مفاصله. فجاء في حديث أبي هريرة: «فكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بمعروف ونهي عن منكر صدقة، والرجل ينحي عن الطريق أو الشيء عن الطريق صدقة»، وذكر أشياء. وجاء في صحيح مسلم، قال: «ويجزئ عن ذلك ركعتا الضحى يركعهما». فهنا هذا الحديث يبين منه أن الإنسان له ستون وثلاثمائة مفصل، وينبغي عليه أن يتصدق على كل مفصل من مفاصله. فإن تصدق بهذه المفاصل في اليوم، فهو قد وفى ما عليه، وأجره على الله جل وعلا. وهذه الصدقة ليست محصورة بالتصدق بالمال لا، حتى التسبيح والتحميد جعله النبي صلى الله عليه وسلم صدقة. فإذا سبح العبد مئة تسبيحة، ومئة تحميدة، ومئة مثلا تهليلة وتكبيرة، جاء بأربعمائة. على النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أفضل الكلام سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر». أفضل الكلام كما جاء في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يضرك بأيهن تبدأ، لا يضرك بأيهن تبدأ». التهليل، التحميد، التسبيح، كله جائز. تقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. تقول: الله أكبر، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله. بأيهن ابتدأت فلا يضرك. هذا أفضل الكلام، وهي الباقيات الصالحات، خير عند ربك ثوابا وخير أملا. فلهذا يحرص المسلم على ذكر الله جل وعلا، على الإكثار من ذكر الله. فإن الذين أكثر من ذكر الله هم الفائزون وهم السابقون. فما جاء في صحيح مسلم: «سبق المفردون». قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: «الذاكرون الله كثيرا والذاكرات». الذاكرون الله كثيرا والذاكرات. فلهذا قد يأتي الإنسان بأكثر من هذا العدد بذكر الله جل وعلا. وكذلك أيضا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأيضا الأخلاق الفاضلة، كالابتسامة، وأيضا السؤال عن الحال، وغيرها. كل هذه صدقات، حتى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حتى اللقمة يضعها الرجل في فم امرأته فله بها صدقة». أنه فكل إحسان وكل معروف، كما جاء في حديث: «كل معروف صدقة». كل معروف صدقة. فباب الصدقات كثير، إعانة الرجل على دابته صدقة، إغاثة الملهوف صدقة، وغيرها من أعمال الخير التي يفعلها العبد تكون له صدقة عند الله جل وعلا. فلا شك أيضا هنا في هذا الحديث. قال: «النخاعة في المسجد تدفنها». النخاعة معنى هذه البصاقة الغليظة التي تخرج من الفم، سميت نخاعة لأنها تخرج من النخاعة، وتسمى أيضا نخامة. وفرق بعضهم -أي بعض أهل اللغة- بين النخاعة والنخامة، فقال: النخاعة التي تخرج من الرأس، والنخامة التي تخرج من الصدر. فهذه يجدها الإنسان في المسجد يدفنها. وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في صحيح مسلم أيضا: «البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها». فأيضا لو وجد الإنسان شيئا من هذا القدر في المسجد فدفنه وأخرجه، فإنه أيضا له به صدقة. قال: «والإثمد حجر عن الطريق، أو تنحيه عن طريق الناس، إماطة الأذى عن الطريق أيضا صدقة، وهو من الإيمان». لكن من لم يفعل ذلك، مثلا يعيش بعيدا عن الناس، أو مشغولا بنفسه، أو غيرها من هذه الأمور، فإنه يركع ركعتي الضحى، فتجزئ عنه، تجزئ عن ذلك، أي عن التصدق عن جسم الإنسان ومفاصله. وهذه دعمة من الله سبحانه وتعالى، لأجل أن العبد يفعل الخير. فأبواب الخير كثيرة، وكل ما فعل العبد شيئا من هذه الأبواب العظيمة من أبواب الخير، كتب الله له عز وجل أجره، وضاعف أجره. فالحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة. والله يضاعف لمن يشاء. ويقول العلماء الفقهاء: إن العمل تكبره النية. العمل أحيانا تكبره النية. انظر إلى ذلك الرجل أو المرأة، جاء في رواية: رجل، جاء في رواية: امرأة. حديث في البخاري، عندما هذه المرأة البغية من بني إسرائيل -امرأة الزانية من بني إسرائيل- رأت كلبا يلهث، أنا بعدما شربت من البئر، فلما خرجت من البئر رأت كلبا يلهث، قد بلغ به العطش ما بلغ. فأخرجت موقها -الموق معنى الخف الكبير-، قالت. قال عليه الصلاة والسلام: «فأخرجت موقها، وأخذت ما من البئر، وجعلت الكلب يأكل، فشكر الله لها، فغفر لها». أن هذا عمل بسيط، لكن كبرته النية، وكثرته النية، لأن هذه المرأة رأت أن هذا رحمة هذا الكلب من العطش الذي أصابه، فلهذا أدخلها الله عز وجل الجنة. فكم من عمل قليل تكثره النية، تكبره النية، وتعظمه عند الله سبحانه وتعالى. وربنا جل وعلا كريم، كريم سبحانه وتعالى يضاعف أجر عباده. بل من كرمه سبحانه وتعالى أن جعل من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، مع أنه لم يعملها، لكن هم أن يعملها، وعزم على العمل بها، كتبت له حسنة. ومن عملها كتبت له عشر حسنات، إلى سبع مئة ضعف، إلى أضعاف كثيرة. قالوا: ومن هم بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه سيئة، كتبت له حسنة. أنا هم بسيئة لكن لم يعملها، يكتبها الله عز وجل له حسنة. وإن عملها كتبت له سيئة واحدة. هذا فضل من الله عز وجل. ولهذا العلماء يقولون: «خاب وخسر من زادت سيئاته على حسناته». خاب وخسر من زادت سيئاته على حسناته. لأن السيئة واحدة تكتب سيئة واحدة، والحسنة تكتب عشر حسنات. معنى إذا زادت سيئات العبد -وهي واحدة- معنى هذه واحدة، وهذه عشر. إذا كانت سيئاته كثيرة، فهذا من خيبته وخسارته. خاب من كثرت سيئاته، وزادت سيئاته على حسناته. فلهذا ينبغي للمسلم أن يحرص على الخير، يحرص على ذكر الله جل وعلا. فإن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والحمد لله رب العالمين.

شاركنا على