الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 9، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع منهج النبي صلى الله عليه وسلم في الانتقال من الإنذار العام إلى نقد الشرك صراحة، مما أثار عداوة قريش، ويؤكد الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن الإسلام لا يستقيم إلا بالبراءة من الشرك وأهله، منتقداً من يسكت عن الشرك بحجة تجنب العداوة.
يبيّن المقطع أن أبا طالب نصر النبي صلى الله عليه وسلم وأحب دينه لكنه مات على الكفر لامتناعه عن البراءة من دين آبائه، مما يدل على أن محبة الحق لا تنفع دون الكفر بالطاغوت، كما يوضح أن قصة الغرانيق المنسوبة للنبي باطلة وضعيفة الإسناد.
يبين المقطع عدم صحة قصة الغرانيق التي يزعم فيها المشركون أن النبي أقر آلهتهم، ويفسر آية الحج: 52 بأن المراد بها حفظ الله لوحي أنبيائه من وساوس الشيطان، ويذكر أن إسلام الأنصار كان بسبب علم اليهود بصفات النبي من كتبهم.
توضح الآيات أن أهل الكتاب كانوا يستفتحون بالنبي المنتظر على الكفار، لكنهم كفروا به حين جاءهم وعرفوه كما يعرفون أبناءهم، واستحقوا لعنة الله بسبب كفرهم بعد المعرفة، ويذكر المقطع إسلام الأنصار كبداية لمرحلة جديدة.
الحمد لله، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم": قال: فلما أنذر صلى الله عليه وسلم الناس، استجاب له قليل. لما أمره الله أن ينذر الناس، بدأ في نشر الدعوة، فنادى في الصفا وفي الأسواق يدعو إلى الله عز وجل كل الناس: «قولوا لا إله إلا الله تفلحوا». استجاب له قليل، وأما الأكثر فلم يتبعوا ولم ينكروا، يعني في بداية الأمر لما أنذرهم فقط ولم يبادهم بالعداوة، لم يتبعوه ولم ينكروا عليه. قال: حتى بادأهم بالتنفير عن دينهم، يعني بسب آلهتهم، وقوله لهم: «إنما تعبدون من دون الله إنما هي آلهة باطلة لا تضر ولا تنفع». قال: حتى بادأهم بالتنفير عن دينهم، وبيان نقائصه، وعيب آلهتهم، فاشتدت عداوتهم له ولمن تبعه، وعذبوهم عذابًا شديدًا، وأرادوا أن يفتنوهم عن دينهم. ماذا أراد المؤلف من هذا؟ قال: فمن فهم هذا، عرف أن الإسلام لا يستقيم إلا بالعداوة لمن تركه وعاب دينه، وإلا لو كان لأولئك المعذبين رخصة لفعلوا، يعني رخصة في عدم الإنكار على المشركين. فيريد بهذا الشيخ أنه ما يكفي للموحد أن يقول: أنا موحد، ويكتفي بهذا، ولا ينكر الشرك، ولا يتبرأ من الشرك وأهله، ولا يبين ضلال وانحراف من اتخذ آلهة من دون الله. هذا ما عرف الإسلام، وهذا ما عليه اليوم بعض الجماعات الإسلامية، لا تدعو إلى التوحيد بحجة أن هذا من أمراض الأمة، وأن هذا سيؤدي لنا إلى عداوة مع الناس، هكذا يقولون: لماذا لا تدعو إلى التوحيد؟ لماذا لا تحذر من الشرك؟ قال: لا، سيغضب الناس، الناس واقعون في هذا، ولو حذرنا لغضب الناس. فلم يبدهم بالعداوة، ولم يبين عوارة وضلال ما هم فيه، فهذا ليس هو الإسلام، هذا ليس هو الإسلام. فلا بد من بيان ضلال أهل الشرك، ولا بد من تسفيه آلهتهم والتحذير منها، تحذير من القبور، ومن عبادة القبور، ومن الزيارات الشركية. هذا الذي يغضبهم. قم تكلم عندهم عن الفضائل، وعن شيء لا ينكرون عليك، ولا يعادوك، ولا شيء. مجرد أن تذكر التوحيد، وتحذر من الشرك، وتبين عوار ما هم فيه من الشرك، فإذا بهم يعادونك ويفاصلونك، وإن استطاعوا أن يؤذوك فعلوا. فإذا مما نفهم من دعوة النبي عليه الصلاة والسلام أن الإسلام لا يستقيم إلا بالعداوة لمن ترك، ولا يمنع ذلك من اتخاذ السياسة الشرعية والحكمة في إقناع الناس أولًا بإجماليات، ثم بعد ذلك بالتفصيل، ولا بد ستجد من العداوة، لا بد ستجد من العداوة. أما أن تسكت عنهم وعن ضلالهم، فهذا الذي يرجونه وهذا الذي يريدونه، فهم سيسكتون عنك، وهم كذلك لا ينكرون عليك، لا ينكرون عليك طالما أنك ساكت عنهم وعن ضلالهم. فهذا ملحظ مهم نبه عليه الشيخ، وهذا من مزايا هذا الكتاب أنه يربط السيرة بالواقع الذي يعيشه المسلمون اليوم في زمانه وفي يومنا هذا. وأعظم شيء مما ينبه عليه أمر التوحيد، أمر التوحيد. قال: وجرى بينه وبينهم ما يطول وصفه، وقص الله سبحانه بعضه في كتابه، يعني قالوا عنه: شاعر، وقالوا عنه: ساحر، بل أرادوا قتله وأرادوا نفيه. وهكذا مما جاء في السنة: أرادوا قتله وخنقه، فجاء أبو بكر وقال: «أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله؟» هذا مما جاء في السنة أيضًا، وهذا مما يطول وصفه، وسيبين بعض ذلك في موضعه في كتابه السيرة إن شاء الله. قالوا: من أشهر ذلك قصة عمه أبي طالب، لما حماه بنفسه وماله وعياله وعشيرته، وقاسى في ذلك الشدائد العظيمة، وصبر عليها، ومع ذلك كان مصدقًا له، مادحًا لدينه، محبًا لمن اتبعه، معاديا لمن عاداه، لكن لم يدخل فيه، ولم يتبرأ من دين آبائه، واعتذر عن ذلك بأنه لا يرضى بسبّة آبائه. يريد بهذا تأكيد ما سبق، فإن أبا طالب عم النبي عليه الصلاة والسلام ممن ناصر النبي صلى الله عليه وسلم، فمدح دين النبي، وعادى من عادى النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه لم يكن في ميزان الشرع مسلمًا، لماذا؟ لأنه لم يتبرأ من دين آبائه، لم يتبرأ من دين آبائه، واعتذر عن ذلك، يعني في عدم دخوله في الإسلام، بأنه لا يرضى بسبّة آبائه، لأن تركه للدين الذي هو عليه سب للآباء، لأن الآباء كانوا على هذا الدين، عبادة غير الله، وهو يرى أن هذا سب لهم. وهذه في الحقيقة المقولة، كما يقال: ما أشبه الليلة بالبارحة، وكثير من هؤلاء عباد القبور يحتجون بها، فإذا بينت لهم ما هم فيه من الضلال، قالوا: هذا الأمر كان عليه آباؤنا وأجدادنا، أهم على خطأ؟ أهم على ضلال؟ كيف نترك دينهم وكيف نترك ما هم عليه؟ فيحتجون بهذه الحجة. فالشاهد من هذا أن أبا طالب ما نفعه مدافعته عن النبي عليه الصلاة والسلام، ومعاداته لمن عادى النبي عليه الصلاة والسلام، لماذا؟ لأنهم لم يتبرأ من دين الإسلام، لا بد من هذا، ما يكفي أن تدخل في الإسلام وتسكت عن الشرك وأهله، لا بد من البراء منهم. قال: ولولا ذلك لاتبعه، ولما مات وأراد النبي صلى الله عليه وسلم الاستغفار له، أنزل الله عليه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: 113]. نهاه الله عز وجل عن الاستغفار لعمه، وما تم على ملة عبد المطلب، على ملة الكفر والشرك، والعياذ بالله. قال: فيا لها من عبرة ما أبينها، ومن عظة ما أبلغها، ومن بيان ما أوضحه، لما يظن كثير ممن يدعي اتباع الحق، فيمن أحب الحق وأهله، من غير اتباع للحق، لأجل غرض من أغراض الدنيا. يريد بهذا أنه ما يكفي أن تدعي اتباع الحق، وأن تدعي محبة الحق وأهله، ثم بعد ذلك لا تتبرأ من أعداء الحق ومن أهل الضلال، لغرض من أغراض الدنيا. وهذا ما عليه عباد القبور، ما منعهم من ذلك إلا الوجاهة الذين هم حرصون عليها، وإذلال الناس، واتباع الناس لهم الذي هم يحرصون عليه. قال: وهم وقع أيضًا قصته صلى الله عليه وسلم معهم، لما قرأ سورة النجم بحضرتهم، يعني بحضرة الكفار في مكة، فلما وصل إلى قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ﴾ [النجم: 19-20]، ألقى الشيطان في تلاوته: «تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى». الغرانيق يعني الأصنام التي يعبدون، وظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله، يعني في هذه الآية، ففرحوا بذلك فرحًا شديدًا، وتلقى الصغير والكبير منهم، وقالوا كلامًا معناه: هذا الذي نريد، نحن نقر أن الله هو الخالق الرازق المدبر للأمور، ولكن نريد شفاعتهن عنده، فإذا أقر بذلك فليس بيننا وبينه أي خلاف. وهذه القصة المشهورة تسمى بقصة الغرانيق، قصة باطلة، حكم عليها الحفاظ والمحققون بأنها ضعيفة، وكل أسانيدها ضعيفة جدًا، كما ذكر ذلك ابن كثير في التفسير، بل في سنده الكلب وهو الكذاب. فهذه القصة لا تصح، القصة لا تصح، فلا داعي لأخذ الفوائد منها أو الاستدلال بها. قال: واستمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها، وهذا تابع للحديث ولا يصح، فلما بلغ السجدة سجد وسجدوا معه، وشاع الخبر أنهم صافوه، يعني اصطلحوا معه، حتى إن الخبر وصل إلى الصحابة الذين بالحبشة، فركبوا البحر راجعين لظنهم أن ذلك صدق. فلما ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، خاف أن يكون قالوا، فخاف من الله خوفًا عظيمًا، حتى أنزل الله عليه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ [الحج: 52] إلى قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج: 55]. وهذا أيضًا تابع للقصة ولا يصح. وأما الآية معناها: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ﴾ يعني إذا أراد أن يقرأ ما أوحي إليه، ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ يعني في تلاوته، ﴿فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ يعني يبعد ويزيل ما يلقي الشيطان، ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ يعني يقرأ بما أنزل الله عز وجل إليه. هذا معنى الآية، وليس فيها ما ذكره في هذا الحديث، لأنه لا يصح. قال: فمن عرف هذه القصة، وعرف ما عليه المشركون اليوم، وما قاله ويقول علماؤهم، ولم يميز بين الإسلام الذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم، وبين دين قريش الذي أرسل الله رسوله ينذرهم عنه وهو الشرك الأكبر، فأبعده الله، فإن هذه القصة في غاية الوضوح، إلا من طبع الله على قلبه وسمعه، وجعل على بصره غشاوة، فذلك لا حيلة فيه، ولو كان من أفهم الناس، لأن الهوى يعمي ويصم، فصاحبه لا يقبل الحق، ولو كان واضحًا جليًا كالشمس في رابعة النهار، لأن الهوى قد طبع على قلبه. قال: فذلك لا حيلة فيه، ولو كان من أفهم الناس، كما قال الله تعالى في أهل الفهم الذين لم يوفقوا: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: 26]. بعض الناس، الله عز وجل أنعم عليه بفهم وسمع وبصر وذكاء ونحو ذلك، ولكنه لا يوفق لإصابة الحق وقبول الحق، لهوى في نفسه، فهذا لا حيلة فيه، ولو أتيت له بمئات الأدلة الواضحة البينة، فلا يستجيب. قال: ثم لما أراد الله إظهار دينه وإعزاز المسلمين، أسلم الأنصار أهل المدينة، بسبب العلماء الذين عندهم من اليهود، لأننا قلنا كان في المدينة اليهود يسكنون فيها، بني النضير، وبني قريظة، وبني قينقاع، فكانوا في المدينة، وعندهم شيء من العلم والكتاب، فعندهم بعض صفات النبي عليه الصلاة والسلام، وكانوا يجالسون الأنصار لأنهم مختلطون بهم، فيسمعون منهم، فكان ما يسمعون من اليهود سببًا لإسلام الأنصار، سببًا لإسلام الأنصار، وإسلام الأنصار فيه إعزاز للمسلمين، لأنهم آووا النبي عليه الصلاة والسلام ونصروه. قال: بسبب العلماء الذين عندهم من اليهود، وذكرهم لهم النبي وصفته، وذكرهم لهم النبي وصفته، النبي هنا سيكون مفعولًا به للمصدر. وكما ذكرنا في الدرس الماضي، أن اليهود عندهم صفات للنبي عليه الصلاة والسلام، وكما ذكر ذلك ربنا في القرآن، وكما كذلك أخبر سلمان الفارسي أن من صفاته خاتم النبوة بين كتفيه، وأن من صفاته أنه يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة، كل هذه من الصفات التي جاء بها أهل الكتاب، جاء بها أهل الكتاب، فالمسلمون أو الأنصار يسمعون مثل هذه الصفات، فوجدوها تنطبق على النبي عليه الصلاة والسلام، فكان ذلك سببًا في إسلامهم. قالوا: أن هذا زمانه، وقدر الله سبحانه أن أولئك العلماء الذين يتمنون ظهوره وينتظرونه ويتوعدونهم به، لمعرفتهم أن العز لمن اتبع، يكفرون به ويعادونه. فهو قول الله سبحانه: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: 89]، يستفتحون يعني يقولون: سيأتي نبي، وسنكون معه، وسنقاتلكم، وننتصر عليكم، وهكذا يستفتحون على الذين كفروا، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: 89]، جاءهم ما كانوا يعرفون، كفروا به، وكما قال الله عز وجل في الآية الأخرى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: 146]، ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 89]. قال: فلما أسلم الأنصار، أمر طيب، نؤجل هذا إن شاء الله إلى درس قادم، أكتفي بهذا، وإلى هنا.