الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 170، ألقاها
يشرح المقطع قصة سلمان الفارسي مع النبي صلى الله عليه وسلم حيث قدم سلمان طعاما للنبي مرة كصدقة ومرة كهدية، ويبين النبي الفرق بينهما وأحكام الصدقة على آل البيت. يوضح المقطع موقف النبي صلى الله عليه وسلم من قبول الهدية ورفض الصدقة.
يناقش المقطع حكم إعطاء بني المطلب الخمس والصدقة، حيث أكرم النبي بني المطلب بإعطائهم الخمس، واختلف العلماء في تحليل الصدقة لهم. يرى الشافعي عدم جوازها لهم باعتبارهم من آل البيت، بينما رأى أكثر العلماء جوازها لهم.
يناقش المقطع حكم إعطاء الصدقة لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث يرى شيخ الإسلام بن تيمية ومقبل أنه إذا كانوا فقراء فيعطون من الصدقة، أما إذا كانوا أغنياء فلا يجوز لهم أخذ الصدقة. يوضح المقطع آراء العلماء في هذه المسألة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا أبو عبد الله نهاد الوادي رحمه الله تعالى: قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا زيد بن الحباب، وهو أبو الحسين العقلي التميمي الكوفي الخرساني، قال: حدثني حسين، وهو ابن واقد المروزي، قال: حدثني عبد الله بن بريدة الحصيب، قاضي مرو، قال: سمعت بريدة يقول: معنى مرو إذا أطلقت فهي هذه التي منها عبد الله المبارك، وهناك مرو أخرى، لكن يقال لها مرو الروذ، النسبة إليها مروذي، مثل صاحب الإمام أحمد، ويقال له أبو عبد الله المروذي. قال: حدثني عبد الله بن بريدة، قال: سمعت بريدة، أي ابن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه، هو أسلمي من مضر، لكنه أسلم قبل بدر، ويقال إنه أسلم في الهجرة، هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، لما مر على دياره وقد أسلم جميعًا، القرية كلها، والقبيلة أسلمت، جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم. لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أسلم سالمها الله». قال بريدة: يقول: جاء سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين قدم المدينة بمائدة عليها رطب. جاء سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما هذا يا سلمان؟» قال: «صدقة عليك وعلى أصحابك». قال: «ارفعها، فإنا لا نأكل الصدقة». قال: فرفعها. ولكن هذا كما نبه عليه الشيخ حفظه الله تعالى، أو رحمه الله، الشيخ مقبل نبه على أنه قوله في الحديث «ارفعها» مخالف للحديث الأخرى، نتائج في قصة سلمان، وأنه قال لهم: «كلوا»، فأكلوا، ولم يأكل معهم، وهذا هو الصحيح؛ لأنه قد جاء في أكثر من الحديث في قصة سلمان لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لما قال له: «إنها صدقة»، لم يأكل عليه الصلاة والسلام، وإنما قال لأصحابه: «كلوا». ثم قال: قال فجاء من الغد بمثلها، فوضعها بين يديه، فقال: «ما هذا يا سلمان؟» قال: «هدية لك». قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه: «بسطوا»، معنى بسطوا: بسطًا حتى نأكل، فأكل النبي صلى الله عليه وسلم معه ومع أصحابه. معنى ذلك: في الصدقة لم يأكل؛ لأن الصدقة محرمة على آل محمد صلى الله عليه وسلم، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث كثير، فهي محرمة أي الصدقة على آل محمد وآله، وأنها كما قال عليه الصلاة والسلام: «لا تحل لنا الصدقة». فلهذا كان الناس لما كانوا يأكلون من الخمس، أي أهل البيت، ويدخلوا معهم بن المطلب، معنى بن هاشم وبن المطلب، أدخلهم النبي صلى الله عليه وسلم في الخمس. بن المطلب أدخلهم النبي صلى الله عليه وسلم إكرامًا له؛ لأنهم لم يفارقوا بن هاشم في إسلام ولا في جاهلية، كانوا معهم كما يقولون في الحارة والباردة، فكانوا حتى في الشعب كانوا معهم. فلهذا أكرمهم نبي صلى الله عليه وسلم أن جعل لهم الخمس، وإلا لما اعترض عثمان بن عفان وجبير بن مطعم، وقالا للنبي صلى الله عليه وسلم: «يا رسول الله، إنك تعطي بني المطلب الخمس، ونحن وإياهم شيء واحد، هم أبناء عمك ونحن أبناء عمك؛ لأن عبد مناف له أربعة أولاد: هاشم والمطلب وعبد شمس ونوفل، أولاد أربعة». فهاشم الذي منهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأبناء عمهم أبناء المطلب، وكانوا دائمًا معهم، وعبد شمس كان منهم عثمان بن عفان، فعثمان رضي الله عنه جاء إلى رسول الله، وكذلك جبير بن مطعم يعتبر بني نوفل. فقال: «يا رسول الله، إنك تعطي بني المطلب الخمس ونحن وإياهم شيء واحد». فقال عليه الصلاة والسلام: «إنما بني المطلب وبني هاشم شيء واحد، لم يفارقونا في جاهلية ولا في إسلام». فبين النبي صلى الله عليه وسلم إكرامًا لهم أعطاهم الخمس، فبني المطلب أيضًا يأخذون الخمس. لكن هل تحل لهم الصدقة؟ الظاهر أنها تحل لهم الصدقة. ورأى الشافعي رحمه الله أنها لا تحل؛ لأنهم آل البيت، والشافعي رحمه الله من بني المطلب. فمعنى أنه قال هذا: ليس معنى أنه فيه شيء لا، لكن أقصد أن الشافعي مطلبي من بني المطلب، وهم يأخذون الخمس، لكن الشافعي رأى أنهم ليس لهم شيء في الصدقة؛ لأنهم يعتبرون من آل البيت ما دام أنهم يأخذون من الخمس، فمعنى ذلك أن الصدقة لا تحل لهم. وذهب أكثر العلماء إلى أن الصدقة تحل لبني المطلب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكرهم، وإنما ذكر آل بيته، فإن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد. قيل لزيد بن أرقم: ومن آل محمد؟ قال: «آل رسول الله صلى الله عليه وسلم وآل علي، وآل العباس، وآل جعفر»، عقيل وجعفر وآل العباس وآل علي، أو من كان من نسلهم هو من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلهذا بن أمية ليسوا من آل البيت، لكن بن العباس من آل البيت؛ لأنهم ينتسبون إلى العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم، فهم من بني هاشم. وأما آل بن أمية هم من عبد شمس، وهم يرجعون كلهم إلى عبد مناف. فالمهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الصدقة لا تحل له عليه الصلاة والسلام ولا لآله»، ولم يقل لآله: «إنه لا تحل لآل المطلب»، لكن أعطاهم الخمس كرامة لهم. فهل الخمس متعلق بالصدقة؟ هذه مسألة فيها إشكال عند العلماء. ولهذا بعض العلماء يقول: إنه إذا لم يعطوا الخمس يعطون الصدقة. وذهب أيضًا شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله: أنهم يعطون الصدقة، ليس من باب أنهم لما منعوا الخمس، وإنما قال: فالأفضل أن يعطون الصدقة؛ أفضل أنهم يتكففون الناس، إذا كان فقيرًا ليس عنده شيء، من أين سيأتي إذا لم يعطى صدقة؟ فهل يجعل من آل النبي صلى الله عليه وسلم يتكففون الناس ويسألون الناس، وهم آل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال الشيخ الإسلام: يعطون الصدقة ولا يجعلون أنهم يسألون الناس، وهم من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فليس هذا إكرامًا لهم، بل من الإكرام لآل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام أنهم يكرمون بالمال. لكن إذا لم يكن معهم مال، وبعضهم مثلًا فقراء، فإنهم يعطون أقل شيء من الصدقة، ولا يجعلوهم يسألون الناس، كما قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله، واختار هذا أيضًا بعض المعاصرين كشيخنا مقبل رحمه الله. فقال: إذا كانوا لا يعطون الخمس، وهم فقراء، فيعطون من الصدقة؛ إذا كانوا فقراء ليس عندهم شيء. أما إن كان عندهم أموال، فلا يجوز لهم أن يأخذوا شيء من الصدقة؛ لأن الأصل أن الصدقة لا تحل لهم. ثم ذكر أنه لما أهدي هدية أكلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ولهذا لما جاء في الصحيحين في حديث عائشة: لما وجد النبي صلى الله عليه وسلم لحمًا في بيته، فقال: «لمن هذا؟» قالت له عائشة: «أهدي لبريرة أو تصدق على بريرة». فقال: «هو لها صدقة ولنا هدية». فلهذا كان شيخنا مقبل رحمه الله يقول: من كان من آل بيت رسول الله عندنا في المركز، فإننا نجعل هذا الطعام الذي أعطي لنا الصدقة نجعله لهم هدية؛ حتى لا يأكل الصدقة، أو حتى لا يمتنع عن الأكل، فمثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هو لها صدقة ولنا هدية». ثم قال شيخ رحمه الله: قال في الحديث: قال فنظر إلى الخاتم الذي على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فآمن به. قال: وكان لليهود، فاشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا وكذا درهمًا، فكان عبدًا لليهود، ثم اعتقه، أو قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كاتب يا سلمان، كاتب يا سلمان». قال: فكاتبه على أن يغرس كذا وكذا من النخل. قال: وعلى أن يغرس نخلا، أي الذي كاتبه سيده بذلك، قال: فيعمل سلمان فيه حتى يطعم، حتى يعطيه، أو حتى يخرج التمر، أو من هذه الأشجار، فيعتق بذلك. قال: فغرس رسول الله صلى الله عليه وسلم النخلة إلا نخلة واحدة غرسها عمر. قال: فحملت النخل من عامها، أي من نفس العام، لم تنتظر العام الآخر، بل في نفس العام حملت، على أنها أثمرت. قال: فحملت النخلة من عامها، ولم تحمل النخلة، أي هذه التي غرسها عمر، لم تحمل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما كانت هذه؟» فقال: «أنا غرستها يا رسول الله». قال: فنزعها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم غرسها، فحملت من عامها. وهذا سبحان الله؛ لأجل أن يرى الصحابة بركة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. قال الشيخ رحمه الله: والحديث أخرجه الترمذي في الشمائل، فقال: حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث، وهو مرزوق، قال: حدثنا علي بن حسين بن واقد، قال: حدثني أبي، فذكره. قال الشيخ: هنا هذا حديث صحيح، أي بالإسناد الأخير. وقوله في الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له سلمان: «إنها صدقة»، فقال: «ارفعها»، يخالف المشهور أنه قال لأصحابه: «كلوا». هذا ما يذكر بهذا الحديث، والله تعالى أعلم.